ديلي بيست: عبر دروب وعرة… كيف جندت المخابرات السوفياتية مستشار رئيس النمسا؟

2020-09-09 | منذ 3 شهر

 مقر جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق

كشف كتيب عن جهاز المخابرات السوفياتية السابق (كي جي بي) صدر لأول مرة باللغة الإنجليزية كيف أن الجواسيس السوفيات تمكنوا من اختراق الحكومات الغربية في إطار لعبة "القط والفأر" التي تتسم بها عادة عمليات وكالات الاستخبارات العالمية.

وأورد موقع "ديلي بيست" Daily Beast الإخباري الأميركي تقريرا مسهبا تضمن تفاصيل عملية تجنيد جواسيس في دول غربية لصالح المخابرات السوفياتية، بطلها عميل ثلاثي استطاع بدهاء وحنكة ودربة الاضطلاع بالمهام الموكلة إليه على الوجه الأكمل في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

وجاء في التقرير -الذي أعده الكاتب الأوكراني أنطون شيخوفتسوف والصحفي الأميركي مايكل وايس- أن خبيرا ماليا نمساويا يدعى جان مارساليك اختفى في 18 يونيو/حزيران الماضي، وهو نفس اليوم الذي فُصل فيه من عمله حيث كان مسؤول العمليات في شركة معالجة المدفوعات الألمانية وايركارد (Wirecard).

واكتشف مدقق حسابات مستقل أن مبلغ 1.9 مليار يورو مفقود من حسابات شركة وايركارد، وأن أصابع الاتهام تشير إلى مسؤولية مارساليك عن ذلك. وأفاد موقع "بلينغكات" الاستقصائي البريطاني أن مارساليك فر من ألمانيا إلى روسيا البيضاء (بيلاروسيا) عبر إستونيا، ومن هناك نقلته وكالة المخابرات العسكرية الخارجية للاتحاد الروسي (GRU) إلى روسيا.

وأظهر تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن لمارساليك صلات وثيقة بالمخابرات العسكرية الروسية التي بدت نشطة جدا في الآونة الأخيرة.

ويورد تقرير ديلي بيست أن من بين المعلومات السرية -التي كانت بحوزة مارساليك قبل فراره- مجموعة من الأوراق تتعلق بالتحقيق الذي أجرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بخصوص المادة الكيميائية المستعملة في محاولة تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا بتاريخ 4 مارس/آذار 2018 في مدينة سالزبوري البريطانية.

وتمكنت المنظمة الدولية من تتبع مصدر الأوراق التي يحملها مارساليك، حيث اتضح أنها سُرِّبت إليه من وزارات نمساوية.  وإذا تأكدت صحة صلة مارساليك بروسيا، فإنه سيكون واحدا من بين قائمة طويلة من المواطنين النمساويين الذين يعملون لصالح روسيا سواء عن قصد أو غير قصد.

وتذكر ديل بيست أنه -وفي أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن المنصرم- كان هناك مستشار للشؤون الخارجية بمكتب الرئيس النمساوي، اسمه هانز أدولف بومغارتن. وقد حاول العملاء السوفيات بادئ الأمر تجنيده بأن عرضوا عليه المال مقابل إعطائهم معلومات. لكن محاولتهم باءت بالفشل، فقد رفض بومغارتن التعاون مع السوفيات، الذين كانوا على وشك التخلي عن مهمة تجنيده، إلا أنهم أعادوا النظر في الأمر عندما أدركوا أنهم أساؤوا التقدير واستخدموا أسلوبا خاطئا في التعامل معه.

وجاءت إعادة النظر بعدما اكتشف العملاء السوفيات أن بومغارتن من المناوئين للزعيم النازي الألماني أدولف هتلر، وأنه كان يؤمن بأن الديمقراطية الليبرالية قد تساعد ألمانيا في تحقيق الريادة في العالم، وأن على النمسا الانضمام إليها لبلوغ تلك الغاية.

وبدا للعملاء السوفيات أن هذا هو الخيط الذي سيقودهم إلى مبتغاهم، فقرروا تجنيد بومغارتن لصالح مخابرات ألمانيا الغربية. كانت تلك عملية تجنيد باتباع سياسة اصطلح على تسميتها "الراية المزيفة" وهو أسلوب يتبناه منفذ العملية لإخفاء هويته الحقيقية التي تحولت على ضوئها إلى هوية مزدوجة أو حتى ثلاثية.

وفي عام 1965 نشر جهاز "كي جي بي" دليلا إرشاديا تحت عنوان "المستشار: دراسة استقصائية حول التجنيد بأسلوب الراية المزيفة" قام بتوزيعه على العاملين معهد الراية الحمراء ليوري أندروبوف، المسمى حاليا أكاديمية المخابرات الخارجية، وهو واحد من المؤسسات التعليمية الرئيسية لأجهزة المخابرات في روسيا الاتحادية والاتحاد السوفياتي سابقا.

 

ويقدم الدليل -وهو واحد من كتيبات تدريب جواسيس جهاز المخابرات- معلومات مباشرة عن أمزجة وعقليات وسلوكيات العملاء السوفيات في ميادين العمل، وآراءهم حول هدف غربي عالي القيمة أوقعوه في حبائلهم.

وتطرق مقال ديلي بيست بعد ذلك -نقلا عن كتيب "المستشار: دراسة استقصائية حول التجنيد…"- إلى رجل أطلق عليه اسم "سافو" في منتصف العقد السادس من العمر، عمل في خدمة 3 أجهزة استخبارات مختلفة لكنه أخلص لواحد منها فقط.

ولد سافو (وهو اسم حركي ورد بالكتيب) في أسرة من ألمان الفولغا الذين استوطنوا على ضفاف نهر الفولغا جنوب شرق أوروبا بالقرب من مدينة ساراتوف ما بين روسيا و كازاخستان حالياً.

وكان على مشارف التقاعد عام 1960. وقد جندته قبل ذلك المخابرات العسكرية السوفياتية، حيث عمل صحفيا مواليا للحزب الشيوعي إبان الحرب السوفيتية الفنلندية عام 1939.

وما لبث أن نُقل إلى المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (NKVD) -وهي مؤسسة سوفياتية جمعت آنذاك بين أنشطتي الشرطة والشرطة السرية- إذ أُسند إليه مهمة اختراق شبكات التجسس التابعة لألمانيا النازية متنكرا في هيئة مراسل صحفي موال للحركة الفاشية.

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أصبح سافو مواطنا نمساويا بالقانون بمساعدة مسؤوليه السوفيات. واستأنف تنكره كصحفي، وهذه المرة في صحيفة موالية للولايات المتحدة ومناوئة للسوفيات في مدينة سالزبورغ النمساوية.

والتحق بعد ذلك بجهاز استخبارات ألمانيا الغربية، مما جعله في موقع جيد جدا يستطيع من خلاله اصطياد شخصية هامة في المستشارية النمساوية. وكانت تلك الشخصية هي هانز أدولف بومغارتن مستشار الشؤون الخارجية بمكتب الرئيس النمساوي نفسه.

واستخدم سافو أساليب خداع معقدة للإيقاع ببومغارتن. ولكي ينفذ خطة جهاز الاستخبارات السوفياتي، استطاع تجنيد بومغارتن لصالح المخابرات ألمانيا الغربية، أو هكذا أراد للعميل الجديد أن يصدق.

وكانت العقبة الأخرى في طريق إقناع بومغارتن -على الاعتقاد بأنه يتجسس لصالح ألمانيا الغربية- هي أن يطلب منه السوفيات تسليم معلومات ذات أهمية للألمان، خاصة تلك التي تتناول علاقات النمسا مع دول الكتلة الشرقية، والتي بالكاد تحتاجها موسكو، عوضا عن المختصة منها بعلاقات النمسا مع الغرب والتي تعتبر روسيا في أمس الحاجة إليها.

وعبر طرق شتى من المكر والدهاء، تمكن سافو من تجنيد بومغارتن في جهاز "كي جي بي". ولكن من غير المعروف ما إذا كانت أجهزة مكافحة التجسس النمساوية قد تمكنت من الإمساك ببومغارتن، أو أنه تقاعد عن العمل مع "كي جي بي" في وقت ما بعد عام 1965، على غرار ما فعل العديد من الجواسيس من أمثاله.

أما سافو فقد تم تهريبه عبر خطة معقدة من النمسا إلى كندا، ومن ثم إعادته إلى روسيا.

وروى موقع ديلي بيست كيف أن موسكو استغلت عملية تجنيد بومغارتن في توطيد نفوذها داخل النمسا، التي كانت قد حصلت على استقلالها من ألمانيا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

بيد أن ذلك الاستقلال لم يكن حقيقيا في واقع الأمر، بحسب مقال الموقع الإخباري الأميركي. فقد ظلت النمسا محتلة من قبل القوات الأميركية والبريطانية والسوفياتية حتى عام 1955، وهي الفترة التي التحق فيها سافو بمخابرات ألمانيا الغربية.

وفي ذلك العام نفسه، وافقت قوات الاحتلال الأجنبية أخيرا على الانسحاب من النمسا والسماح لها بأن تصبح دولة حرة وديمقراطية ذات سيادة. غير أن السوفيات اشترطوا لانسحابهم بأن تبقى النمسا على الحياد، وهو ما يعني ضمنيا أنها لن تستطيع الانضمام لحلف شمال الأطلسي (ناتو).

وقد أُدرج وضع النمسا المحايد ضمن بنود دستورها، مما جعلها تعتمد في تعاملاتها مع الناتو على علاقات الاتحاد السوفياتي، ومن بعده روسيا مع الحلف نفسه.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي