لوموند: عنف سياسي وإفلات من العقاب.. هذا ما تكشفه قضية نافالني عن نظام بوتين

2020-08-26 | منذ 1 سنة

بوتين ونافالني

قالت لوموند Le Monde الفرنسية إن تأكيد تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني يعيد طرح السؤال "من المذنب؟". علما بأن القتل والاعتداءات ذات الدوافع السياسية المرتكبة في روسيا، على مدى 20 عاما ضد السياسيين والصحفيين، تشترك جميعا في حقيقة أنها تبقى دائما دون فاعل معروف.

ورجحت الصحيفة -في تقرير لمراسلها من موسكو بينوا فيتكين- أن هذا السؤال عن المجرم سيبقى بلا جواب لفترة طويلة، بالنسبة للمراقبين في روسيا وكل المهتمين. إذ إن البعض سيشير مباشرة بأصابع الاتهام إلى الكرملين، بحجة أن مثل هذا الهجوم الخطير لا يمكن تنفيذه دون موافقة السلطات العليا، في حين يهز الآخرون أكتافهم غير متقبلين فكرة أن الرئيس فلاديمير بوتين يمكن أن يكون متورطا في فعل يضر بصورته، على افتراض أن معيار السياسة الروسية هو حكم الغرب عليها.

ونبه المراسل إلى أن مسألة المسؤوليات رئيسية وثانوية في نفس الوقت، موضحا أن العديد من الروس على وسائل التواصل الاجتماعي لم ينتظروا نقل نافالني إلى برلين ليعلنوا وسم #نعرف القاتل.

ووراء هذه الكلمات -حسب المراسل- هناك حقيقة بسيطة تفيد أن العنف السياسي متأصل في نظام بوتين، وأن ضمانه هو الإفلات من العقاب، لأن تحديد الجناة ومعاقبتهم لا تتم إلا عن طريق العدالة التي ليس من دورها في روسيا إثبات الحقيقة، بل مجرد أداة في أيدي الأجهزة الأمنية، ولذلك يبقى المجرم في حالات القتل والعنف السياسي غير معروف.

وقد روى العديد من الشهود رد فعل بوتين على اغتيال بوريس نيمتسوف في فبراير/شباط 2015، حيث قيل إنه أصيب بصدمة حقيقية لمقتل نائب رئيس الوزراء السابق هذا، الذي كان يعرفه جيدا، ومع ذلك لم يتحرك القضاء إلى أبعد من أشخاص معدودين قادمين من الشيشان، ودون التشكيك في مسؤولية السلطات في غروزني.

أما في قضية نافالني -كما يقول المراسل- فإن لجنة التحقيق التي كلفت بالموضوع الساعات الأولى من 20 أغسطس/آب لم تعلن حتى الآن عن فتح التحقيق.

تسيير الإفلات من العقاب

وقال المراسل إن الإفلات من العقاب يبدو أكثر من مجرد قرار سياسي، إنه طريقة في التسيير والإدارة، لأن عدم التخلي عمن يقدمون الخدمات الأمنية والنخبة السياسية مسألة مبدأ، والدليل أنه عندما قامت المملكة المتحدة عام 2007 بتسمية المسؤولين عن اغتيال العميل السابق ألكسندر ليتفينينكو، كان رد موسكو أن تعرض على قائد فرقة القتل مقعدا في البرلمان.

وأضاف أن قضية المحامي سيرغي ماغنيتسكي -الذي قُتل في السجن لفضحه الاحتيال الضريبي- تعد شاهدا آخر على هذه المدرسة، حيث لم تكن المسألة قضية دولة، بل مجرد جشع بعض أفراد الشرطة الفاسدة وأجهزة الأمن الذين كان من شأن معاقبتهم أن تخدم المصلحة العامة ومصلحة المواطنين.

وتساءل المراسل: كيف أصبح العنف منتشرا إلى هذا الحد في المجال السياسي كوسيلة لحل النزاع، لينبه إلى أن مقتل نيمتسوف رأى فيه البعض الخصوصية الشيشانية، حيث إن العادات العنيفة للشيشان أثرت في موسكو على عكس ما هو منطقي؟

وأشار إلى أن العنف حاضر بقوة في النقاش السياسي على التلفزيون الروسي، على شكل دعوات للكراهية وشجب "للأعداء" و"الخونة" الذين كان نافالني أحدهم، حتى منع من الترشح وتعرض للمراقبة والمضايقات.

حراس النظام

أسباب هذه الوحشية وتهوين العنف -يقول المراسل- ليست مجرد انتهازية، بل متجذرة في تاريخ المسؤولين عن الدولة المحيطين بضابط المخابرات السوفياتية السابق (بوتين) حيث لم يتم استيعاب صدمة العنف السياسي التي ارتكبت خلال هذه الحقبة خاصة أن الموجودين بالسلطة ورثة مختلف قوى الشرطة السياسية.

وقد جلب هؤلاء معهم إلى قمة السلطة -كما يقول المراسل- أساليب بوليسية لا تنفصل الآن عن إدارة شؤون الدولة، إضافة إلى إرث المافيا في التسعينيات، حيث لامس العنف كل جزء من الحياة العامة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.

وفي السنوات الأخيرة، ابتكرت البوتينية -بتعبير المراسل- طريقة أخرى لاستخدام العنف، بتفويضه إلى جهات فاعلة "خاصة" أو إلى مجموعات داخل جهاز المخابرات يمكنها العمل خارج مسؤولية قادتها الرسميين، للحفاظ على نظافة يد النظام، خاصة أثناء العمليات في الخارج.

ويشير العديد من المراقبين إلى أن نافالني أصبح لديه الكثير من الأعداء الشخصيين بسبب إدانته لفساد النخب، ومن بينهم بعض هؤلاء الذين تسميهم عالمة السياسة تاتيانا ستانوفايا "حراس النظام". وأشهر من يمثل هذه القلة العنيفة المنتفعة من النظام يفغيني بريغوجين، المرتبط بمرتزقة فاغنر التي ورد اسمها في حالة تسميم زوج إحدى المقربات من نافالني.

وختم المراسل بأن هذا لا يرفع المسؤولية عن بوتين الذي يعتقد أنه وراء استمرار العنف السياسي الذي ساعد على تثبيت أركان سلطانه، مؤكدا أن التخلص من هذا السرطان المغروس عميقا في الدولة سيعد أمرا حيويا يوما ما.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي