وجوه بشرية معذبة في لوحات المغربي يوسف سعدون

2020-08-13

إبراهيم الحجري:

يُعد الفنان التشكيلي المغربي يوسف سعدون من التشكيليين القلائل الذين يعنون بتغيير «الستايل» أو الاتجاه orientation أو النمط الفني، أو الإيقاع، حسب متطلبات العملية الإبداعية، والرؤية للعالم، أو الغاية الجمالية من القطع الفنية، أو المشروع الفني، أو تبعا للسياق الجمالي، والأدوات الفنية، والمعدات المتوفرة، والحوامل الفنية، أو التكوين المتحصل عليه.

يمثل يوسف باقتدار ووعي هذه الطينة التي يشكل الانشغال بالتجريب والتنويع هاجسا كبيرا ضمن أجندتها اليومية، ومن النادر أن نلفيه يعيد الكرة ضمن النمط ذاته. ولعل هذا الولع بالتغيير نابع من أسلوب التفكير الجمالي لديه، ومرجعياته الثقافية، التي ترى اللوحة أفقا للسؤال والبحث عن الذات والحلم، والمعنى والحقائق الإنسانية.. وما إلى ذلك.

وفي سياق الاجتياح المفاجئ لوباء كوفيد 19، واضطرار مختلف الحكومات فرض الحجر الصحي على شعوبها، لتجنب تبعات الجائحة العالمية السريعة الانتشار؛ على الرغم من التبعات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لتوقف الحياة وشللها شبه التام؛ على الأنظمة والأشخاص، لمدة شهور طالت على الناس نفسيا؛ فصارت أعواما، وجد العديد من الفنانين التشكيليين أنفسهم بعيدين عن مقر سكناهم الأصلي، حيث يشتغلون باستمرار، وحيث يخصصون أفقا لأعمالهم ومشاريعهم اليومية، ويفردون ورشات ومحترفات، ومراسم وفضاءت الاشتغال الرسمية، وآفاقا للتفكير، والتأمل، وتوليد الرؤى والأسئلة والقضايا الفنية الجديرة بالمقارعة؛ تناغما مع تحولات العصر وقلق المجتمعات.

لم يسلم الفنان المغربي يوسف سعدون من هذا الوضع؛ إذ حاصره الوباء خارج قواعده، حيث توجد فضاءاته الاعتيادية، في مدينة المضيق على ساحل المتوسط. فألفى نفسه وجها لوجه أمام مقارعة أفكاره وموضوعاته الفنية المفكر فيها، مع سبق الإصرار والترصد، مجردا من عدته، وعتاده، ومراجعه، وأدواته، وحميمية مرسمه، ومتراكمه من الأعمال الناجزة والناقصة؛ وتلك التي في طور الإنجاز.

ولما أدرك، مع مرور الوقت، وسيادة حالة الطوارئ، أن الزمن الحبسي سيمتد شهورا لا أياما وحسب، تفتقت ذائقته الفنية عن أعمال جديدة لا تخلو من سمة المشروع المتناغم، بحكم أنها جاءت وليدة سياق زمني طارئ، وحالة إنسانية فردية وجماعية اضطرارية لها انعكاساتها على الذات والمجموعة، إذ عمل، بحنكته وتجربته وتكوينه في مجال تخصصه، على تكييف معطياته وموضوعاته مع ممكنات العملية الإبداعية، وسعى إلى عكس تجربته الإنسانية في قطع فنية تهيأت له حسب متطلبات اللحظة، وانسجاما مع الحاجات الفنية، وبالأساليب والأدوات المتاحة، وبما أن المعارض الواقعية غير متهيئة بحكم الطوارئ الصحية، فقد عمد إلى عرضها في منصات افتراضية عبر صفحات الموقع الاجتماعي فيسبوك، وتقاسمها مع المتتبعين والأصدقاء ومرتادي العالم الافتراضي، ومواقع التواصل الاجتماعي، لملء الفراغ، واستفراغ الشحنات السالبة، وفي الآن ذاته، استغلال الوقت في الإنتاج النافع، وطرد الرؤى السوداوية والأفكار الهجاسية، التي تتناسل في ظل العزلة، والوحدة، والصوم عن ارتياد الفضاءات الخارجية المعتادة، والتعطل القسري عن الأعمال الروتينية التي تجعل الحياة مستساغة.

  1. وجوه وأعضاء مُعذبة

ارتأى الفنان المغربي يوسف سعدون، الاشتغال في سياق الحجر الصحي على الوجه، بوصفه عضوية مكثفة الأحاسيس والملامح، وحاملا رمزيا وأيقونيا قادرا على استبطان التعابير والمشاعر والآلام والأحلام والأفراح والمباهج، مهما كانت درجات تحولاتها. فهو يشبه اللوح الأبيض أو الورقة الفارغة، يمكنه استحمال المضامين المتنوعة التي يروم الفنان التقاطها، أو استفراغ شحناتها السالبة والموجبة في الجانب الجواني الأعمق في شخصية الفرد، خاصة إذا ما استحضرنا الوضع النفسي القاسي الذي وضع في سياقه البشر قاطبة، ومنهم الفنان ذاته، وهو سياق العزلة الإجبارية، ولزوم البيوت على ضيق أفقها، ولوذ الإنسان في شتى المعمورة، بظل الحائط، والتوغل في أعماق الذات والذكريات، على اعتبار أن الذاكرة والماضي يُبقيان الكتاب الأوحد المفتوح أمام المرء في حالة الحبس، يعود إليه، فيطاوعه على التصفح، وإن بشكل متقطع، وباهت.

وإذا كان الإنسان العادي لا يهمه التقاط تفاصيل ما تسجله الذاكرة، أو القبض عليها في شكل تدوينات أو كتابات أو تسجيلات مادية تحفظها من السهو والنسيان، فإن الفنان التشكيلي ما أن يرسو شروده على ذكرى أو إحساس، أو موقف، أو خيال، أو طيف هرب منه في سياق انشغالات سابقة، حتى يهفو إلى القبض عليه، وتوظيفه، واستثماره بشكل من الأشكال، في ابتكار مضامين جمالية شعورية ذات حمولة سيكولوجية، بقدر ما تعبر عن قضية، فهي تؤرخ لحالة وجدانية وشعورية وإنسانية ترتبط بالذات والجماعة معا في السياق الذي يوحدهما.

وجوه 2-39

تتبأر رؤية الفنان في قلب الشخصية؛ لتكثف حضورَها في ملامح الوجه الإنساني الذي يتخذ تارة؛ شكل بورتريه لأشخاص غامضين يحضرون بشكل ما في المتخيل الفني، لتنحو في كثير من أبعادها صوب شكل المسوخ البشري، إذ يتحول الوجه المفرد إلى وجوه متداخلة، أو متناسلة، منضغطة أو مشوهة، وكأنها تعكس حالات نفسية موزعة بين القلق والخوف والترقب والذهول، وهي الحالات المتصلة بجو التوتر الذي يصنعه الحبس القهري.

2 ـ البوزنغ ووضعيات رسم الأشخاص:

لا تسعى البورتريهات المعروضة افتراضيا على صفحة الفنان الفيسبوكية، التي تحيلنا، بشكل مباشر، على الفن الهلليني، الذي ساد خلال القرن الثاني الميلادي، إلى التقاط قسمات الوجوه وملامحها البرانية؛ بل تجاوزت ذلك إلى رصد شخصية المرسوم فنيا؛ من خلال ما يتوفر عليه من مهارات وكفاءت تصويرية، تستطيع استثمار الانعكاس الذي يخلقه تعاقب الظل والضوء على قسمات الوجه، وملامحه البرانية. وقد التقط الفنان نماذجه الإنسانية من بين مختلف الشرائح الاجتماعية، ومن مختلف الأعمار والأجيال، إلا أن المشترك بينها جميعا؛ كون نظراتهم تعكس حدة لا يمكن أن يخطئها الملاحظ، وهي نظرات تشي بالرغبة العميقة في الانعتاق، ومعانقة الحياة الطبيعية؛ بعيدا عن قفص الجدارن الموحش، وسياج القلق والتوتر، وما يستتبعهما من غموض المصائر، علما أنه ليست كل الوجوه المرسومة هي لشباب، بل هي تشكيل متنوع وفسيفساء وأنماط متعددة من الوجوه ذات التعبيرات المختلفة، حيث نجد وجوها لكهول، وشيوخ، وأموات غادروا إلى العالم الآخر، ولم يتبق في خيال الفنان غير أطيافهم الشائهة والمخيفة. مثلما يتجسد الرابط بينها، فضلا عن ذلك؛ كونها تشربت تجارب الحياة، فخطت، في خرائطها، لغات وآثارا لا تنمحي، حيث عكست ملامحهم الذابلة ظلاً لرغبات شتى، وإخفاقات كبرى، وآلام قاسية، لكنها حملت أيضا، إرهاصات عما تؤمن به من مواقف، ورؤى، وأحلام، بدون أن تفقد الأمل، وبدون أن تغيب عنها مشيرات الفجاءة والاستغراب والذهول مما آل إليه وضعها السيكولوجي؛ مما لم يكن في الحسبان، أو البال.

 

اقتصد سعدون في استعمال الأدوات والخامات، طبقا لما هو متاح في لحظة الحجر الصحي الاحتراسي لكنه وظف كل مهاراته؛ حتى تلك التي لم يعهدها في نفسه من قبل؛ لتوصيل الفكرة في أحسن حلة

 

 

تعكس اختيارات يوسف سعدون لوجوه موديلاته وعيا أصيلا بهوية الشكل والملمح الإنساني، وتبرز درجة التمكن من خبرة التحولات والميول والأمزجة، والتفاعلات البشرية، من خلال تمثيل القسمات، ورسم الملامح في الظل والضوء. فالوجوه التي تلتقط، وهي محاطة بالضوء، لا تمتلك التأثير نفسه الذي تتميز به وجوه محاطة بالعتمة، إذ يمارس كل من الضوء والعتمة سلطتهما الجمالية والإغرائية والرمزية، ليفعلا فعلهما في تكريس معنى دون معنى، وتفوق رمزية على أخرى، إذا ما أضفنا إليهما باقي العناصر والمكونات الجمالية.

انطلق سعدون من رسم بورتريهات لمقربين، وقد أثرت عليهم مرحلة الحجر، وسعى إلى أن يبرز هذه الآثار ويوثقها فنيا، عبر إدراج الملامح الإنسانية النفسية والفيسيولوجية، وشحنها في حوامل وجهية متغيرة، تارة مشبعة بالأمل والتفاؤل، وتارة ممزقة بالبؤس والقلق والخوف، وتارات أخرى تتحول إلى مسوخ جمجمية رهيبة، تسجل الصراعات الداخلية للذات، مصورا محنتها المؤلمة أيام الحجر الصحي وإعلان الطوارئ. اعتمد سعدون يوسف مكون الجرافيك في تشخيص ملامح قطعه الفنية، على أساس أنه مجموعة التقنيات المستخدمة لتحليل وتفسير الحقائق من خلال الخطوط، والرسومات، والأشكال، والرموز الهندسية، ناهيك من كونه تخصصا واسعا، وفرعا من فروع المعرفة، يختص بالإبداع البصري، ويشمل عدة جوانب منها: الإخراج الفني، تصميم الحروف، تنسيق الصفحات وتصميمها وإخراجها… فتنجلي لنا بفضل إمكانيات التصميم، وأساليب هندسته؛ هوية الفنان ومهاراته وشخصيته، وملامح مزاجه، وتقلبات نفسيته من خلال ما تفصح عنه رسوماته وتصاميمه وأعماله الفنية.

اقتصد سعدون في استعمال الأدوات والخامات، طبقا لما هو متاح في لحظة الحجر الصحي الاحتراسي، لكنه وظف كل مهاراته؛ حتى تلك التي لم يعهدها في نفسه من قبل؛ لتوصيل الفكرة في أحسن حلة، معتمدا القسمات والملامح والتجاعيد والتقوسات وحركات العيون ولون الشعر، ووجوده من عدمه، وضعية الأسنان والجلد، وتسريحات الشعر بوصفها لغات إشارية، وتعابير سيميائية تستبطن المعاني والمفردات والمواقف والأمزجة والحالات النفسية القارة والمتحولة؛ سواء تلك الناجمة عن الظرف العالمي القاهر، أو تلك التي لها علاقة بالإكراهات والأسئلة العميقة المتواصلة أو المستجدة. وقد نجح في إبلاغ رسالته الفنية؛ وهو بعيد عن مرسمه، وورشته، ومحترفه الأداتي.

 

٭ ناقد وروائي مغربي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي