
واشنطن - تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما بتحسين روابط الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي خلال كلمة تنصيبه الثلاثاء الماضي 20-1-2009 وذلك بعد التوترات التي اعقبت هجمات 11 من سبتمبر/ايلول والحروب في العراق وأفغانستان. ولكن الشكوك والمخاوف من ان تعود الولايات المتحدة لتتابع سياسات القهر والقوة والابتزاز ما تزال قوية أيضا.
ويواجه الرئيس الاميركي الجديد، فيما يخص العالم العربي، قضيتين رئيسيتين هما أزمة الشرق الأوسط، والعراق. وليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت إدارته ستعمل على الدفع باتجاه تحقيق السلام أم انها ستغرق في مستنقع المماطلات وأعمال التسويف الاسرائيلية التي أبقت مساعي السلام معطلة لنحو 18 عاما.
اما في العراق، فعلى الرغم من ان الرئيس أوباما تعهد بـ"ترك العراق لشعبه" وسحب القوات المقاتلة، إلا ان الحقيقة هي انه ما يزال يزمع إبقاء "قوات غير قتالية" (في تعبير مراوغ) من اجل بقاء وجه آخر للاحتلال، كما انه ما يزال ملتزما بحماية مشروع طائفي تديره سلطة مليشيات فاسدة.
وما تزال العلاقات مع الدول العربية والاسلامية تقع تحت طائلة الضغوط المرتبطة بالحرب ضد الإرهاب والتي انتهت الى إرهاب الجميع وفقا لمبدأ "أما معنا، أو ضدنا" الذي اتبعه سلفه جورج بوش. ولكن ما يزال من المنتظر ان تظهر إدارة الرئيس اوباما سلوكا جديدا يظهر الاستعداد لاحترام الخلاف في الرأي.
وكان أوباما قال في حفل تنصيبه "بالنسبة للعالم الإسلامي.. نسعى لنهج جديد للمضي قدما استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل".
وقضى أوباما وهو مسيحي متدين عدة سنوات من طفولته في اندونيسيا أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان.
وقال اوباما "إلى من يتشبثون بالسلطة من خلال الفساد والخداع وإسكات المعارضة إعلموا أنكم على خطأ لكننا سنمد يدا إذا كنتم مستعدين أن ترخوا قبضتكم".
والحقيقة هي ان الولايات المتحدة ليست "قوة عظمى" لانها جمعية خيرية لتحقيق السلام والرخاء في العالم، وانما قوة مصالح تملي نفوذها بوسائل مختلفة، ليست القوة العسكرية سوى واحدة من مظاهرها.
وليس من المرجح على أي حال ان يحدث الكثير من التغيير في هذا الاتجاه.
وخلال عهد الرئيس جورج بوش هيمن التوتر على العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الإسلامية لاسيما بعد هجمات 11 من سبتمبر/ايلول 2001.
ويشعر كثير من المسلمين بالغضب بشكل خاص بسبب الحربين اللتين قادتهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وإنشاء سجن للاجانب المشتبه في كونهم إرهابيين بالقاعدة العسكرية الأميركية في خليج جوانتانامو بكوبا والذي ينظر اليه كثيرون على انه رمز لانتهاكات حقوق الانسان لسجناء معظمهم مسلمون ارتكبت باسم "الحرب على الارهاب".
ورحب مجلس العلاقات الاميركية الاسلامية بوعد اوباما السعي الى تحسين العلاقات مع الدول الاسلامية.
وقال نهاد عوض المدير التنفيذي للمجلس "اننا نأمل ان يساعد هذا التصريح المشجع مع تغير في السياسات السابقة لأميركا نحو العالم الاسلامي على تحسين صورة أمتنا وتحقيق مستقبل آمن مزدهر لكل البشرية".
وقال النائب الديمقراطي كيث أليسون -وهو أول مسلم ينتخب عضوا بالكونغرس الأميركي- إن تصريحات أوباما مؤشر هام على حسن النوايا تجاه المسلمين في الولايات المتحدة وباقي العالم.
وأضاف في تصريح "أعتقد أنها يمكن أن تقوض التجنيد للقاعدة" لأن "رسالتهم (القاعدة) تعتمد على محاولة تصوير الولايات المتحدة كشيطان.. كبلد معاد بطريقة او بأخرى للإسلام والعالم الإسلامي".
وقال اليسون إن سعي أوباما للتواصل سيصعب على القاعدة تأكيد رسالتها المناهضة للأميركيين.
وتابع أن كثيرا من المسلمين مبتهجون بالفعل لفوز أوباما.
وقال "إذا ذهبت إلى دمشق أو القاهرة أو القدس اليوم يمكن أن تجد قميصا عليه صورة أوباما. الناس مبتهجون بشأن الاحتمالات بخصوص ما يعنيه هذا في أنحاء العالم".
وقال إن المسلمين في الحي الذي يسكنه يؤلفون ثلاثة أو أربعة بالمئة من السكان. وبعد انتخابه عضوا بالكونجرس في 2006 انتخب عضو آخر مسلم هو الديمقراطي اندريه كارسون.
ووقع نحو 300 شاب مسلم من 76 بلدا رسالة نشرت في صحيفة "واشنطن بوست" الثلاثاء تحث الرئيس الجديد على اجراء تغييرات في السياسة تؤدي الى تحسين العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب.
وعلى الرغم من كثرة الآمال بادارة اوباما، فان الشكوك لا تتعلق بنواياه بالضرورة وانما في طبيعة التحديات الهائلة التي يواجهها أيضا.
الكثير من الإنطباعات جاء مليئا بالتفاؤل طبعا.
فقالت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت "لا اعتقد انني شاهدت يوما يتطلع فيه المجتمع الدولي الى رئيس اميركي بهذا الشكل".
وبعيد اداء اوباما القسم، تحدث رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون عن "فصل جديد في التاريخ الاميركي وفي تاريخ العالم".
من جهته، اكد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "تصميمه على العمل (مع اوباما) يدا بيد" بهدف "مواجهة التحديات الهائلة معا".
كذلك دعا رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني اوباما الى ان "نواجه معا التحديات الراهنة من الازمة المالية الى الوضع في الشرق الاوسط وافغانستان".
وقال الرئيس الايطالي جورجيو نابوليتانو ان الولايات المتحدة ستسعى بوجود اوباما، الى تحقيق "توافق معنوي"، مؤكدا ان "قوة اميركا تنبع بشكل اساسي من عمق قناعاتها وقيمها المثالية".
وعبر رئيس المفوضية الاوروبية جوزيه مانويل باروزو بتعميق العلاقات بين واشنطن والاتحاد الاوروبي. وقال "ادعو اوروبا والولايات المتحدة الى تعميق العلاقات عبر الاطلسي وضم جهودهما (...) للتعامل مع التحديات الكبرى في زمننا".
واكد رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس ثاباتيرو انه يضع "كثيرا من الامل والثقة" في اوباما، بينما قال ساركوزي "ننتظر بفارغ الصبر العمل معه وتغيير العالم معه".
وقال رئيس الوزراء الاسترالي كيفن راد "انها لحظة استثنائية ليس للشعب الاميركي وحده بل لكل الذين يؤمنون بالديموقراطية والحرية والتقدم في العالم".
الا ان قادة آخرين حذروا من المبالغة في الامل لان اوباما (47 عاما) يرث بلادا تخوض حربين في العراق وافغانستان وتعاني من ازمة اقتصادية كبيرة وستواجهه تحديات عدة من التصدي للاحتباس الحراري الى النزاع في الشرق الاوسط.
وقال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الثلاثاء قبل تنصيب الرئيس الجديد، ان اوباما يتمتع "باجماع عالمي" لكنه لا يملك "عصا سحرية" لمعالجة "كل مشكلات اميركا وكذلك مشكلاتنا".
وعبر العاهل المغربي الملك محمد السادس عن الامل في ان يعمل باراك اوباما على تسوية النزاع في الشرق الاوسط بما ينهي "مأساة الشعب الفلسطيني".
وابدى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي "ثقته" بان باراك اوباما لن يوفر "اي جهد" من اجل ارساء السلام في الشرق الاوسط.
وعبر رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت عن ثقته بان الولايات المتحدة واسرائيل ستكونان خلال ولاية اوباما "شريكين كاملين لنشر السلام والاستقرار في الشرق الاوسط".
وقال وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي ان طهران تنتظر "الافعال السياسية" للرئيس الجديد قبل ان تحكم على نياته حيال طهران.
وقال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين انه "مقتنع بعمق بان خيبات الامل الكبرى تولد من الامال الكبرى".
واكدت باريس ومثلها برلين ان اوروبا يجب ان تحافظ على موقعها على الساحة الدبلوماسية.
وقال كوشنير ان "فرنسا واوروبا ستواصلان اداء دور وهذا ما قمنا به لتونا في غزة"، في اشارة الى جهود الاوروبيين بهدف ارساء وقف لاطلاق النار بين اسرائيل وحركة حماس.
كذلك، املت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل بتعاون كبير "عبر الاصغاء لبعضهما البعض" ورأت ان "بلدا واحدا لا يمكنه ان يعالج بمفرده مشاكل العالم".
وشددت ميركل على ان الولايات المتحدة تشكل "مفتاحا" لتجاوز الازمة الاقتصادية، متمنية لباراك اوباما "حسن تدبير وحظا جيدا" لانهاض الاقتصاد الاميركي.
وفي السياق نفسه، اعرب وزير الاقتصاد الايطالي جوليو تريمونتي عن امله ان تكون خطة النهوض التي وضعها اوباما كافية لاحتواء الازمة.
وفي روما، عبر البابا بنديتكوس السادس عشر عن الامل في ان يعمل اوباما على "تشجيع السلام والتعاون بين الامم".
اما في الصين التي دعت اوباما الى "ازالة العقبات" التي تعيق التعاون العسكري مع واشنطن، فقد اشادت صحيفة "تشاينا ديلي" الرسمية بارث ادارة الرئيس جورج بوش في العلاقات الصينية الاميركية وتساءلت عن طبيعة هذه العلاقات في عهد اوباما.
وقالت ان "كثيرين يشعرون بالقلق ويريدون ان يعرفوا ما اذا كان الرئيس الجديد سيتجاهل التقدم الذي تحقق بعد جهود شاقة في العلاقات الثنائية".
وفي رانغون، عبر النظام البورمي عن امله في ان يزيل اوباما "سوء التفاهم" الماضي غي العلاقات الثنائية ويعبر عن "حسن نوايا" حيال ميانمار.
وقال مسؤول بورمي الاربعاء ان "بلدينا واجها سوء تفاهم في عهد بوش"، داعيا اوباما الى "دراسة الوضع الحقيقي لبلدنا بطريقة تسمح بتعديل سياسة (واشنطن) بطريقة مناسبة".
ولم يصدر رد فعل رسمي عن المجموعة العسكرية الحاكمة في بورما لكن رئيسها الجنرال ثان شوي وجه رسالة تهنئة الى اوباما بعد انتخابه في نوفمبر/تشرين الثاني.
وفي اوروبا الشرقية، رحب الرئيس الاوكراني فكتور يوتشنكو بـ"دعم الولايات المتحدة" لجهود بلاده بغية الانضمام الى حلف شمال الاطلسي، مصدر التوتر مع موسكو، داعيا اوباما الى الاستمرار في هذا النهج.
اما الرئيس البولندي ليش كاتشينسكي فقد عبر عن ثقته بان ينفذ الرئيس الاميركي الجديد مشروع نشر الدراع المضادة للصواريخ في اوروبا.
من جهته، قال رئيس البرلمان الكوبي ريكاردو الاركون ان خطاب اوباما "مهم جدا"، مؤكدا انه "خطيب عظيم". لكنه اضاف ان قدرته على تحقيق الآمال الكبيرة التي يثيرها "تبقى نقطة تساؤل كبيرة لدي".
واكدت رئيسة الارجنتين كريستينا كيرشنر ان خطاب اوباما "ايجابي جدا"، معتبرة انه "يؤكد الآمال التي اثارها اوباما".
وكان رئيس الوزراء الارجنتيني سيرجيو ماسا قال ان بلاده تامل في ان "يؤدي تغيير الادارة (الاميركية) الى اقامة علاقات جديدة مع اميركا اللاتينية".
وقال الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون "بقدر ما ينجح اوباما في اخرادج الولايات المتحدة من مشكلتها الاقتصادية، سيساعدنا"، ملخصا بذلك آمال الدول الاخرى.
ولم يدع رئيس فنزويلا هوغو تشافيز هذه الفرصة تمر بدون ان يؤكد ان الثورة في بلده "ستستمر ايا كان رئيس الولايات المتحدة وسياسته الخارجية".
ورأت رئيسة تشيلي ميشال باشليه ان "الازمة الاقتصادية والتداعيات الاجتماعية الناتجة عنها تشكل تحديا ضخما للحكومة (الاميركية) الجديدة".
وقال نائب وزير خارجية نيكاراغوا فالدراك جينسكي انه يأمل ان "يقيم اوباما علاقات على قدم المساواة في الاسرة الدولية (...) مع الدول الاصغر والافقر".