الكون يواصل إدهاش العلماء بغرابته وتجانسه

2020-08-07 | منذ 2 شهر

أفاد عدد من العلماء أنّ فضاءنا الكوني أكثر "تجانساً" بأشواط مما يمكن توقعه، بعد إعدادهم خريطة تفصيلية للمادة الموجودة في الكون. وقد توحي تلك النتائج بأن ثمة شيئاً شديد الغرابة بشأن معرفتنا عن الكون، ربما يتطلب نوعاً جديداً من الفيزياء، أو يغيّر بشكل أساسي طبيعة فهمنا لـ "المادة المظلمة" Dark Matter. تسمى "مُظلمة" لأن البشر وأدواتهم القنية لا تتمكن من رؤيتها، عكس المادة العادية.

واستطراداً، تأتت تلك النتائج الجديدة من المشروع الفلكي "مسح كيلو- ديغري" Kilo-Degree Survey، المعروف اختصاراً بـ"كيدز" KiDS، الذي يستخدم "التلسكوب الكبير جداً" التابع لـ"المرصد الجنوبي الأوروبي" بهدف رسم خريطة تبين توزع المادة عبر الكون.

إلى الآن، توصل ذلك التلسكوب إلى رسم خريطة عن زهاء 5 في المئة من الفضاء الخارجي خارج مجرتنا "درب التبانة"، عبر تحليل 31 مليون مجرة تبعد 10 مليارات سنة ضوئية من الأرض. وفي الواقع، يفسح إعداد هذه الخريطة التفصيلية المجال أمام العلماء من أجل تفحّص ظاهرة "التجمع" المتعلقة بكيفية توزع المجرات عبر الكون. بعد "الانفجار الكبير"، بدأت سحب ضخمة من ذرات المادة العادية "تتجمع" وتشكل النجوم ثم الكواكب وغيرها. وبالتالي، تعطي خرائط النجوم ومساحات الفضاء الكوني، معلومات إلى الباحثين تساعدهم في تكوين صور عن كل المادة الموجودة في الكون، علماً أن ما نسبته 90 في المئة تقريباً منها غير مرئي، ويتكون من "مادة مظلمة" وغاز هش من طبيعة مُشابهة لـ"المادة المظلمة"، والبقية تُشكل المادة العادية المألوفة لدينا.

وعلى نحو مماثل، تتيح تلك المعلومات لعلماء الفلك فرصاً لمشاهدة العمليات التي تجعل الكون تدريجياً إما متساوياً "بالنسبة إلى توّزع المادة التي تكون النجوم والكواكب فيه"، أو أقل تجانساً، بمعنى أن تحظى أجزاء من الكون بكتلة من المادة العادية أكبر من الكتل المعتادة في أرجاء الكون. ويعني ذلك أن المناطق الأقل تجانساً تجتذب كمية من المادة العادية من المناطق المحيطة بها، ما يجعلها أقل تشابهاً مع تلك الأجزاء الاخرى من الكون. ومن ناحية أخرى، تعمل ظاهرة تمدد الكون وتباعد أرجائه عن بعضها بعضاً، على مقاومة ظاهرة تزايد تجمع المادة في المناطق الأقل تجانساً.

نظراً إلى أنّ العمليتين كلتيهما ("التجمع" والتجانس/عدم التجانس) تحركهما الجاذبية، يمكن استخدام المعلومات المتأتية من رصد العمليين في اختبار النموذج القياسي الحالي لعلم الكون والافتراضات التي تستند إليها علومنا في الفيزياء. واستطراداً، تتيح تلك المعلومات أيضاً التكهن بالطريقة التي ستتغّير بها الاختلافات في كثافة تجمعات المادة مع تقدّم الكون في العمر، ما يمكّن تالياً من وضع تلك التوقعات تحت الاختبار عبر دراسة مدى حقيقة التجانس أو قلة التجانس في توزّع تجمعات المادة في الكون. ومع أخذ المعطيات السابقة كلها بعين الاعتبار، وجدت الدراسة الحديثة أنّ تلك التوقعات كانت خاطئة. ورصدت أن الكون أكثر تجانساً بنسبة 10 في المئة بالمقارنة بما يوحي به فهمنا الحالي للفيزياء.

وعلى غرار نتائج أخرى صدرت أخيراً، من بينها التناقض الغامض في معدل التمدد الكوني أو ما يُسمى "ثابت هابل" Hubble constant "المؤشّر الذي يعبر عن ذلك التمدّد، ويفترض أن يكون متساوياً في أنحاء الكون لكنه ليس كذلك"، فمن شأن المعلومات التي تضمنتها الدراسة الجديدة أن تمثل خللاً آخر في النموذج المعتمد عن الكون في الفيزياء، وقد تتطلّب منا إعادة التفكير في التصور الذي صاغه العلماء حتى الآن عن الكون.

وفي تصريح أدلى به عن ذلك الشأن، لفت تيلمان تروستر من جامعة "أدنبرة" إلى أن "السؤال المطروح يتمثّل في مدى إمكان إيجاد حل علمي عن التناقضات الواردة آنفاً من طريق تعديل بسيط في مفاهيم الفيزياء، كأن يكون سلوك "المادة المظلمة" أكثر تعقيداً نسبياً بالمقارنة مع الفرضية المبسّطة التي تفيد أن تلك المادة المظلمة "معتمة وباردة" وخاملة تماماً".

وفي المقابل، يُحتمل أن يكون التغيير أشد عمقاً بكثير، إلى حدّ أن يشير مثلاً إلى أن نظرية ألبرت أينشتاين "النسبية العامة" ربما تحتاج إلى استبدال. وفي السياق ذاته، شدد الباحثون الذين استخلصوا الملاحظات الجديدة، على أنّ تركيزهم انصبّ أساساً على أخذ القياسات بدقة، وليس التوصل إلى قفزات بشأن ما يمكنهم إخبارنا به عن الكون، أو عمّا أخطأنا بشأنه. وفي هذا الصدد، لفت هندريك هيلدبراندت من جامعة "الرور" في مدينة "بوخوم" الألمانية، إلى أنه "بصفتك عالماً في علوم الكون، تحاول أن تحافظ على حيادك وأن تجعل القياسات دقيقة قدر الإمكان، من دون تحيزات نظرية".

وأضاف، "ثمة أمر واضح يتمثل في أننا "نعيش في أزمنة مثيرة للاهتمام". واستطراداً، سيحتاج علماء الفلك إلى مزيد من البيانات للتأكد من صحة نتائجهم. ومن جهة ثانية، ثمة إمكانية قد لا تزيد عن واحد في الألف، أنّ تكون النتائج قد جاءت نتيجة النظر إلى جزء من الكون يتمتع بغرابة خاصة.

ومن المتوقع أن تصل هذه البيانات الإضافية إلى أوساط المجتمع العلمي العالمي عمّا قريب، عندما تُنشر خريطة "الخلاصة" النهائية التي يعدها مشروع "كيدز". وبالتالي، قد تكون أكبر بـ30% من الخرائط الحالية عن توزّع النجوم والمجرّات في الكون، وستشمل جميع ملاحظات "مسح كيلو- ديغري"، ما يسمح بإجراء مزيد من الدراسات عن تلك الظواهر.

وتذكيراً، يعمل علماء الفلك في جميع أنحاء العالم على مشاريع جديدة تهدف إلى رسم خرائط تبيّن توزع المادة العادية و"المادة المظلمة"، في أرجاء الكون، ويفترض في تلك الخرائط أن تلقي الضوء على النتائج التي توصّلت إليها الدراسة الجديدة المشار إليها آنفاً، إضافة إلى تقديم بعض التفسيرات لها.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي