أعمال التشكيلي سيروان باران: التعبيرية الحديثة وسرد مآسي العراق

2020-08-06

القاهرة - محمد عبد الرحيم -  «لم أمت ولكن رأيتهم كيف ماتوا» ربما تكون هذه العبارة التي ذكرها الفنان العراقي سيروان باران، في حوار صحافي تكون هي وجهة النظر الفنية، أو الرؤية الشاملة التي من خلالها يتم تنفيذ لوحاته، والتي وإن اتخذت الأسلوب التعبيري في شكله الحداثي، إلا أنها لم تنتهجه تقليداً، بل من خلال الوعي بطبيعة العالم الذي عايشه الفنان، كجندي في الجيش العراقي، علم جيداً وعاش المأساة التي لم يزل يعيشها شعب العراق، بل امتد الأمر لعدة دول عربية أخرى، على رأسها سوريا.

وبنظرة أشمل نجد أن ما تعبّر عنه لوحات باران تتوافق وحال كل المجتمعات العربية، التي تعاني قهراً من أنظمتها الحاكمة، حتى لو ابتعدت عن الشكل التقليدي لقوى الاحتلال الخارجية، فقد أصبحت الأنظمة الحاكمة تقوم بالمهمة على الوجه الأكمل.
سيروان باران من مواليد عام 1968، تخرج في كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل عام 1990. وأقام معرضه الأول بعد تخرجه بعام في قاعة الرواق في بغداد. حاز عدداً من الجوائز، منها، الجائزة الذهبية لمهرجان الفن العراقي المعاصر 1995، وسام تقديري من بينالي القاهرة الدولي 1999، جائزة تقديرية من بينالي بغداد العالمي الثالث 2002.

 

الدراما

ما بين الشخوص والمكان والحدث، تتحدد الخطوط الدرامية للوحة عند باران، عنصر الزمن هنا ممتد لعدة سنوات، وأنظمة حكم مختلفة، سواء نظام صدام حسين، ثم العدوان الأمريكي على العراق، وصولاً لتفتت المجتمع العراقي الآن، تحت نظام حكم هش، تتنازعه الفتن الطائفية. طوال هذه الفترة ومن خلال عدة أماكن أشهرها السجون والمعتقلات، تتجمع الشخصيات في مجموعات ـ كتل لونية ـ مساجين بملابسهم الزرقاء، وصولاً إلى مجموعة أخرى في زيّها الأحمر، وهو اللون الشهير لمنتظري تنفيذ أحكام الإعدام. هذا في ما يخص أفراد الشعب، ولكن ما مصير أفراد الجيش؟ هنا أيضاً يتأسى باران لجنود وقادة الجيش العراقي الذي كان، والذي تم الزج به في معارك كانت انتصاراتها في مخيلة رأس النظام، أو دولة الاحتلال في ما بعد. هؤلاء أصبحوا أشبه بمجرمي الحرب، وقد نالوا ما نال غيرهم من أفراد الشعب العادي، الذين يعيشون في دولة بوليسية لا ترحم.
لنا أن نتخيل حيوات هؤلاء، كيف كانت وكيف أصبحت، وهل بموافقتهم تم ذلك، بمعنى هم المسؤولون عن هذه المهزلة، وهل تمت المساواة للمرّة الأولى بين الجنود وجموع الشعب العراقي في السجن، وعمليات التعذيب بعد الاحتلال الأمريكي، الذي جعل من جنود الجيش العراقي عدوه الأول. هنا نشهد القادة في مقام المواطن العادي، بل حاله يدعو للرثاء أكثر.

اللغة البصرية

يعتمد باران في أكثر اللوحات على لون واحد يتسيد ويتصدر المشهد، كالأحمر مثلاً، كدلالة على التعذيب والدماء، فضلاً عن لون الزي العسكري، الذي أيضاً يشغل المساحة الأكبر من اللوحة، حينما يكون الضحايا من العسكريين، مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين، لا يدرون مصيرهم. أما الأسلوب التعبيري الذي ينتهجه باران، فهو يستند إلى تراث بصري راسخ، نشأ في ألمانيا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حال ألمانيا وقتها التي ضيعها زعيمها، وشعبها الذي تشتت وتفتت، وقد كان كل ما هو ألماني يعد سُبّة يجب التخلص منها. الحال نفسه الآن في العراق، لذا كان هذا هو الأسلوب الأمثل من وجهة نظر الفنان لمعالجة موضوعات تتماس وويلات الحروب.
من ناحية أخرى، وبجانب الشخوص وتفاصيلها وحكاياتها، نجد استحضاراً لافتاً لحيوان مثل (الكلب) الذي بدوره يتخذ عدة دلالات تختلف من لوحة لأخرى، فهو مصدر الرعب في دوريات التفتيش، حيث يتقدم الجنود في رحلاتهم، وهو أيضاً رمزاً لانتقال الإنسان من الحياة إلى الموت، كما في الحضارة الافريقية، أو يعبّر عن مرحلة انتقال الحيوان إلى الإنسان، كما في حضارة المايا. فكرة الموت ربما هي الأقرب، ففي إحدى اللوحات نجد مجموعة من الكلاب المسلوخة الجلد، وكأنها أشبه بالأجنّة البشرية.
وبالنسبة إلى الخامة التي من خلالها يتم تنفيذ اللوحة، نجد أن الفنان لا يهتم بفكرة الاقتصار على خامة معينة، فقد يستخدم ألوان الزيت على الكانافاه، أو الألوان المائية، وصولاً إلى النحت، وهو ما تحقق مؤخراً في عمله النحتي المعنون بـ»آخر الجنرالات».

آخر الجنرالات

في هذا العمل نجد جنرالاً مُستلقياً في قارب، تعلو صدره النياشين، ورغم الهيبة المزعومة، إلا أن النياشين هي التي تظل باقية، حتى ولو كانت تزيّن سترة رجل ميت، فهو بدوره ضحية ليس أكثر، والموهوم الأكثر من الجميع. فالعمل أقرب إلى عمليات التحنيط في مصر القديمة، بمعنى كونها شعيرة مقدسة، ففكرة الرجل المستلقي في قارب يغوص به في النهر، شعيرة جنائزية سومرية، حيث يوضع الميت في قارب صغير، ويحمل معه أهم ما يمتلكه، وفي العصر الحالي، أصبح الجندي أو القائد لا يهتم، حتى وهو ذاهب إلى الحياة الأخرى، سوى بما حصل عليه من علامات المجد العسكري!









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي