ما أنكره العالم عن الضحايا المسلمين بمذبحة سربرنيتسا.. تبوح به لوحات فنية بعد ربع قرن

2020-07-11 | منذ 4 أسبوع

محمد شربي - سراييفو

اليوم، في 11 يوليو/تموز الجاري، يكون قد مرّ ربع قرن على الهجوم الوحشي على مدينة سربرنيتسا من قبل مليشيات صرب البوسنة الأرثوذكس، مما اضطر السكان المسلمين العُزّل إلى الهروب عبر الغابات المحيطة تاركين بيوتهم وحقولهم وكلّ ممتلكاتهم.

لكن المليشيات الصربية طاردتهم وقامت في يوليو/تموز 1995، بقتل 8372 شيخا وشابا وطفلا، واعتدوا بوحشية لا نظير لها على آلاف النساء اللاتي وقعن في أيديهم، كل ذلك تم على تحت سمع وبصر قوات "الحماية الدولية" التابعة للأمم المتحدة، التي تواجدت في المدينة لحفظ الأمن بها تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 819 الصادر في أبريل/نيسان 1993، باعتبار سربرنيتسا منطقة آمنة.

يكرّم المسلمون في مثل هذا اليوم من كل سنة موتاهم بإقامة شعائر صلاة الجنازة لمن تم العثور على رفاتهم خلال نفس السنة، ثم يتم دفنهم في مركز النصب التذكاري الموجود في سربرنيتسا، بحضور الأهالي وجمع غفير من المسلمين ومناهضي الظلم، ليس من البوسنة فحسب بل من كل دول العالم.

صوت سربرنيتسا للعالم

يشهد هذا العام حدثا مختلفا، فقد قام عبد الله سكاكا عمدة مدينة سراييفو بمبادرة حازت موافقة الجميع. يقول سكاكا "هذا العام، أردنا أن يصل صوت سربرنيتسا للعالم بطريقة مختلفة، أردنا توصيل هذا الصوت من خلال لوحات الفنان صَفت زيتس، لقد شعرنا أن الأعمال التي تجولت في العالم، والتي تصور كل الرعب والألم والمعاناة والمأساة، يجب أن تأتي إلى المكان الذي تتحدث عنه".

وأضاف سكاكا قائلا "قررنا أن تُعرض اللوحات في مصنع البطاريات السابق الذي تمت فيه كل الأعمال الوحشية من قِبل المجرمين الصرب، والذي كان مجرد ذكره يبعث الرعب في النفوس، قررنا أن نرد على الجُرم بالنبل وعلى القبح بالجمال".

واختتم عمدة سراييفو كلمته "نحن فخورون أن تكون مدينة سراييفو الراعي لهذا المشروع، فنحن نؤمن أن الفن بما يحمل من عناصر العاطفة، يمس الحالة الداخلية للإنسان، والصورة والعمل الفني الذي نراه يترك علينا تأثيرا أقوى من الكلمات".

عبد الله سكاكا عمدة سراييفو في كلمته أثناء افتتاح المعرض

مرارة النزوح

يشمل المعرض 4 مجموعات فنية، هي: "الوجوه" و"خبز الرحمة" و"العِناق" و"النُّزوح"، وهي اللوحات التي استغرق إعدادها 20 عاما، وقد قرر زيتس أن يسمي المعرض "النُّزوح".

وعن سبب اختياره لهذا الاسم، قال صفت زيتس في حديث صحافي "في الحروب والنزعات يتعرض الإنسان لأنواع كثيرة من الابتلاءات، قد يُصاب وقد يُقتل، وقد يفقد أحبابه، لكني أعتقد أن أصعب ما قد يتعرض له الإنسان هو أن يترك وطنه، أن ينزح عنه مضطرا، وقد جربت النزوح مرتين في حياتي: المرة الأولى وأنا طفل، عندما حملتني أمي هربا بعد أن اعتدى الصرب على قريتي وارتكبوا الجرائم الوحشية عقب الحرب العالمية الثانية، ثم المرة الثانية بسبب العدوان الصربي الغاشم على البوسنة سنة 1992، فغادرت مع عائلتي إلى إيطاليا".

ولد صفت زيتس عام 1943 في مدينة روغاتيتسا بشرق البوسنة، درس الرسم والفن التطبيقي، وتفوق حتى وصل للعالمية وأصبح أحد الدعاة الرئيسيين لأسلوب الفن الحديث المعروف باسم "الواقعية الرومانسية".

وعن بداية الموهبة، قال "علاقتي بالفن بدأت منذ الصغر، في طفولتي المبكرة كنت أطمح لأن أصبح رساما عظيما، وأدرك من حولي أنني موهوب، لذا التحقت بالمدرسة الثانوية للفنون التطبيقية في سراييفو وعملت ومارست باستمرار لإتقان جميع المهارات التي كنت أعرف أنني سأحتاجها، ثم التحقت بأكاديمية الفنون الجميلة في بلغراد عام 1969. في الأكاديمية كان بإمكاني عمل لوحة في نصف ساعة أو ساعة، حيث كان باقي الطلاب يستغرقون عدة أيام في عملها".

حصل زيتس على الماجستير عام 1972 من نفس الأكاديمية، ثم عاد إلى البوسنة بصحبة زوجته الفنانة إفانكا، ثم اضطرته الحرب لترك وطنه، إلا أن الوطن ظل بداخله كما يقول، "بعد أن تركت البوسنة مع عائلتي، ذهبنا إلى مدينة أوديني بإيطاليا معتقدا أن الحرب ستنتهي سريعا وسنعود إلى البوسنة، لكن بعد أن طال أمدها انتقلنا، إلى مدينة البندقية حيث أقمت مرسمي وبدأت العمل. العجيب أنني في تلك المرحلة غير المستقرة تمكنت على الفور من بدء العمل، لا أعرف كيف فعلت ذلك، ربما كان نوعا من الهروب، أو التعبير عن الغضب أو محاولة الانتقام، لا أعرف"، ويضيف "وجدتني أسخر طاقتي الإبداعية ضد العدوان، ضد الظلم، ومن أجل أن يصل صوت البوسنة إلى كل مكان".

تبلغ أعمال زيتس أكثر من 250 لوحة، وأصبح عضوا في جميع الجمعيات الفنية المهمة في أوروبا، وقام بتنظيم أكثر من 70 معرضا منفردا في وطنه وفي مدن كبرى حول العالم، وعن ذلك يقول "بدأت عرض لوحاتي وإقامة المعارض في مدن إيطاليا، ثم في مدن أوروبية وغير أوروبية: في باريس، وبراغ، وكولن، وعمّان، كان الناس يعجبون باللوحات فيستفسرون، وكنا نكلمهم عن البوسنة والظلم الذي يحدث فيها".

من المجموعة الفنية “الوجوه” في معرض “النزوح” للفنان صفت زيتس

في عام 2004، قام الناقد والمؤرخ الفني الفرنسي باسكال بونافو باختيار لوحة لصفت زيتس تسمى "اللوحة الشخصية المسروقة"، لمعرض باسم "أنا" للوحات الشخصية في القرن العشرين، وضعت جنبا إلى جنب مع لوحات فنانين عالميين مثل بيكاسو ومارسيل دوشام، كما حصل زيتس على أكثر من 20 جائزة عن إبداعاته الفنية، من أهمها وسام "فارس الفن" من فرنسا عام 2007.

وحول علاقة الفن بالحرب، وجملته الشهيرة "الحرب هي أبشع موضوع يمكن أن يتناوله الفنان في لوحاته"، رد موضحا "الفن شيء جميل بل هو أجمل شيء يصنعه الإنسان، والحرب هي أبشع شيء يقوم به الإنسان، وأنا أهتم بالتعبير عن المشاعر والأحاسيس، أنا أهتم بالتفاصيل المرئية التي تزخر بها الحياة اليومية، أعبر عن الوطن من خلال واجهات البنايات السكنية، سطوحها الملساء، نوافذها الموصدة والمشرعة، بالآنية والجرار والكراسي والأسرة المبعثرة، وأحواض الغسيل والمرايا، وغيرها من الرموز الدينية، ومشاهد الطبيعة الصامتة والحية، وجميعها تنهل من مخزون ذاكرة طفولتي ومن حنيني إلى وطني، مثلا مجموعتي "العناق"، كما ترى: هذا أنا، وأمي تحملني بين ذراعيها، وتهرب بي من المعتدي الذي دمر بيتنا وقتل أحبابنا".

مجموعة “العناق” من مخزون ذاكرة الطفولة للفنان صفت زيتس

وعن رأيه في قول الناقد والمؤرخ الفني الإيطالي روبيرتو بوداسي "تبدو لوحات (صفت زيتس) وكأنها تحتوي على قُدرةٍ سِحريةٍ دائمةِ التردد بين الظهور والاختفاء، وكأنها تفشي سرا؛ تارة يشقينا وتارة يسعدنا"؛ يقول زيتس "هذا صحيح تماما، أحيانا تبدأ في قراءة رواية تتكلم عن أحداث حزينة ومؤلمة، لكنك تقرأها بشغف، وتكملها حتى نهايتها رغم ما تشعر به من حزن وألم، والسبب، هو أن المؤلف استخدم جمال اللغة بعبقرية شديدة كي يوصل لك الأحداث المؤلمة، أنا أفعل نفس الشيء، أستخدم جمال الرسم والتصميم، أستخدم فني كي أوصل الرسالة الحزينة المؤلمة، فتتأرجح مشاعر من يشاهدها بين الإعجاب بجودة اللوحة والسعادة لمشاهدته، وفي نفس الوقت الحزن والألم بسبب محتوى الرسالة التي تحملها اللوحة".

وعن العلاقة الخاصة التي تربطه بسربرنيتسا، قال بحزن شديد "ما حدث في سربرنيتسا مأساة غير إنسانية لا يمكن وصفها، كثيرا ما أشعر أنه لم يحدث، وأن هذا كابوس وسينتهي، ربما لأني لا أريد أن أصدق أنه يوجد إنسان يمكنه أن يفعل ذلك، إن ما حدث إهانة للإنسانية"، وأضاف "أنا كإنسان قبل أن أكون فنانا، لا يمكنني أن أفهم سبب ما حدث!! أتساءل في كل مرة أذهب إلى سربرنيتسا، لماذا؟ لماذا فعلوا هذا؟ في طريقي بالأمس من سراييفو إلى سربرنيتسا كنت أنظر إلى الغابات الجميلة، والأنهار البديعة، وعيون الماء المتدفقة في كل مكان، المكان واسع ورحب، يتسع للجميع، إذن لماذا قتلوهم؟! ماذا كسبوا؟ كل ما كسبوا هو اللعنة التي ستلاحقهم طوال التاريخ".

 

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي