تهريب الأسلحة إلى اليمن مسارات مخفية لتغذية الصراع في البلد

2020-07-08 | منذ 1 شهر

تصاعدت عمليات تهريب الأسلحة من وجهات ومواقع جغرافية مختلفة صوب اليمن، على الرغم من الحظر المفروض بقرار مجلس الأمن منذ أبريل (نيسان) 2015، بينما تؤكد الجماعة الحوثية أنها "ليست بحاجة إلى شراء الأسلحة"، وأنها "بدأت تصنيع بعضها، وتطويرها في الداخل".

وأعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن نهاية يونيو (حزيران) الماضي عمليتين نوعيتين، ضبط خلالهما كميات كبيرة من الأسلحة الإيرانية، التي كانت في طريقها إلى الميليشيات الحوثية باليمن، وهو ما تنفيه طهران باستمرار، وتؤكد أنها "لم تقدّم دعماً عسكريّاً لجماعة الحوثي".

وفي مقابل النفي الإيراني، أكد تقرير فريق الخبراء الدوليين التابع إلى مجلس الأمن أن جماعة الحوثي "باتت تستخدم نوعاً جديداً من الطائرات المسيَّرة من طراز (دلتا)"، إضافة إلى "نموذج جديد من صواريخ كروز البرية"، وهي الأسلحة التي لم تكن ضمن تسليح ومعدات القوات اليمنية قبيل دخول مسلحي الحوثي صنعاء، وهو ما يرجّح ضلوع النظام الإيراني في تزويد الجماعة الحوثية بمختلف أنواع الأسلحة، فضلاً عن وجود عشرات المتخصصين الإيرانيين ومن عناصر حزب الله اللبناني في مناطق سيطرة الجماعة، للإشراف على إعادة تجميع الصواريخ واستخدامها.

ويعتقد فريق الخبراء الدوليين أن هناك اتجاهين ظهرا عام 2019 قد يشكّلان انتهاكاً للحظر، يتمثّل الأوّل في "نقل قطع غيار متوافرة تجاريّاً في بلدان صناعيّة"، مثل محرّكات طائرات بلا طيّار، التي تُسلَّم إلى الحوثيين عبر مجموعة وسطاء، في حين يتمثل الاتجاه الثاني في "استمرار تسليم الحوثيين رشاشات وقنابل وصواريخ مضادّة للدبابات ومنظومات من صواريخ كروز أكثر تطوراً".

وأوضح الخبراء، في تقريرهم، أن هذه الأسلحة لديها خصائص تقنية مشابهة لأسلحة مصنوعة في إيران، حيث يبدو أن القِطَع غير العسكريّة والعسكرية، حسب تقديرهم، أُرسلت عبر مسار تهريب يمر بسلطنة عمان والساحل الجنوبي لليمن، عبر مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، وصولاً إلى صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين.

وعلى الرغم من جزم البعض بوجود متخصصين إيرانيين في اليمن يعملون مع الحوثيين، فإن ذلك ليس ملزماً، فحسب مجلة "الحرب الطويلة" الأميركية فإن إيران "صدّرت بالفعل تكنولوجيا السلاح إلى الحوثيين"، لصنع صواريخ باليستية، وهو ما تجلّى في الصواريخ التي يطلقها الحوثيون باتجاه الحدود اليمنية السعودية بشكل مستمر، مثل صاروخ بركان، الذي يتطابق في وصفه مع صاروخ شهاب الإيراني.

وأظهرت الصور التي نشرها التحالف العربي كميات الأسلحة الكبيرة والمتنوعة، مثل المناظير الليلية والنهارية والمضادات الحرارية، والأجهزة الخاصة بتوجيه الطائرات دون طيار "درون"، وقطع كهربائية للتفجير عن بعد، والعشرات من القناصات، والمعدات والأسلحة المتوسطة.

وفي مقابلة تلفزيونية مع قناة "بي بي سي"، نفى القيادي محمد علي الحوثي لجوء جماعته إلى الحصول على الأسلحة عن طريق التهريب. وقال "بإمكان أي متابع العودة إلى استعراضات القوات اليمنية خلال الفترات التي سبقت 2014 (أي قبل دخول جماعته صنعاء واستيلائها على السلطة بقوة السلاح)، سيجد أن لدى هذه القوات ترسانة عسكرية".

وأوضح، "بعض الأسلحة حصلت عليها الجماعة مغانم من المعارك، التي حققت فيها القوات انتصارات على القوات الحكومية والفصائل الموالية، وآخرها عملية (نصر من الله)، وغنمت فيها الجماعة أسلحة كثيرة ومتطورة، إضافة إلى معارك نهم".

ونفى أي إعادة تجميع لأسلحة أو طائرات مسيرة إيرانية في اليمن، وقال "إذا كان البعض يعتقد أن جميع ما لدى الشعب اليمني إيراني، فليذهبوا إلى إيران ليحاربوها".

ضبط شحنات

وخلال سنوات الحرب كثيراً ما اعترضت سفن وبارجات البحرية الأميركية أو تحالف دعم الشرعية قوارب وسفناً إيرانية وأخرى مجهولة المصدر تحمل أسلحة ومتفجرات، كانت في طريقها إلى اليمن، ويُعتقد أن وجهتها جماعة الحوثي.

وآخر هذه الشحنات المضبوطة ما أعلنه التحالف في عمليتين، كانت أولاهما في الـ17 من أبريل (نيسان) 2020، وأحبطت قوات التحالف البحرية محاولة تهريب شحنة من الأسلحة الإيرانية على متن "دهو"، قبالة سواحل محافظة المهرة شرقي اليمن، كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية.

والعملية الثانية كانت في الـ24 من يونيو (حزيران) 2020 بحضرموت، تمكّنت القوات البحرية التابعة للتحالف من إحباط تهريب شحنة أسلحة إيرانية قبالة السواحل اليمنية كانت في طريقها إلى الميليشيات الحوثية.

بينما قالت القيادة المركزية الأميركية، إنها في التاسع من فبراير 2020 أوقفت البحرية الأميركية على متن السفينة يو إس إس نورماندي (CG 60)، مركباً شراعياً، واكتشفت فيه مخبأ كبيراً للأسلحة، وذلك في أثناء قيامها بعمليات الأمن البحري في منطقة عملياتها.

وضبطت البحرية الأميركية على متن المركب نحو 150 صاروخاً مُضاداً للدبابات من نوع "دهلاويه" (ATGM)، وهي نسخ إيرانية من صواريخ كورنيت الروسية، إلى جانب مكونات أسلحة أخرى إيرانية الصنع، منها ثلاثة صواريخ أرض - جو، ومناظير أسلحة تصوير حراري، ومكونات إيرانية لمركبات مُسيَّرة جوية وسطحية، وذخائر أخرى وأجزاء أسلحة متطورة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن عديداً من أنظمة هذه الأسلحة مُتطابقة مع أخرى مُتقدمة، استولت عليها مدمرة الصواريخ الأميركية USS Forrest Sherman)) في بحر العرب في الـ25 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 الماضي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2019 أعلن المتحدث باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي اليمني وضاح الدبيش ضبط البحرية الأميركية سفينة تحمل العلم الإيراني في بحر العرب، تحمل صواريخ ومعدات وأسلحة إيرانية في طريقها إلى قبالة ميناء الصليف في الحديدة، لتفريغها بزوارق صيد يمنية، ونقلها إلى الحوثيين.

وأوضح الدبيش، أن طاقم السفينة الإيرانية اعترف في أثناء التحقيقات الأولية أنه كان سيُجرى استقبالهم من قِبل زوارق صيد قبالة جزيرة كمرانٍ عقب دخول السفينة المياه الإقليمية اليمنية، لتُفرِّغ حمولتها في الصليف.

وكان مسؤولون يمنيون في محافظة الحديدة قد تحدثوا عن رصد أكثر من 12 زورقاً من زوارق الصيادين، تحمل أسلحة وذخيرة ومعدات لجماعة الحوثي، وصلت إلى ميناء الحديدة، إذ يرجّح أنها نقلت حمولتها من على متن سفن مجهولة في عرض البحر الأحمر.

مسارات التهريب

يمتلك اليمن شريطاً ساحليّاً كبيراً على البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي وخليج عدن، هذه السواحل العملاقة يصعب مراقبتها بشكل دقيق، ولذلك تصل الأسلحة بعدة طرق إلى البلاد، أغلبها عن طريق البحر، ثم براً إلى أيدي المشترين.

وفي عام 2016 نُشِر تقريران، الأول لنشرة "أنتلجنس أون لاين"، الاستخبارية الفرنسية، والثاني لوكالة "رويترز"، إذ سلط تقرير النشرة الفرنسية الضوء على التهريب عبر البحر العربي والمحيط الهندي للأسلحة المقبلة من إيران، بينما تقرير "رويترز" يشير إلى الأسلحة المقبلة عبر المهربين من أميركا اللاتينية وأفريقيا عبر البحر الأحمر، الأمر الذي كشفته محاكمة شركة أسلحة برازيلية باعت قرابة 11 ألفاً من البندقيات لمُهرب السلاح فارس منّاع (القريب من الحوثيين)، الذي كان محافظاً لصعدة بين 2011 - 2014.

وتتحدث تقارير إعلامية أن تاجر السلاح اليمني الموالي جماعة الحوثي يمتلك مخزوناً من السلاح لا ينفد في أفريقيا، وأنه يستخدم مناطق في دول عدة بأفريقيا مخازن للأسلحة التي يشتريها من شركات بأميركا اللاتينية وفرنسا وكندا وتايلاند.

وتتهم الجماعة الحوثية من قِبل خصومها بأنها تعمل مع شبكات تهريب واسعة لتهريب محركات الطائرات المسيَّرة وقطع غيارها وبعض الأسلحة النوعية، خصوصاً المستخدمة في صناعة المتفجرات أو كوقود للصواريخ، وتهريبها سواء عبر سواحل الحديدة، وسلْك طرق وعرة، تمر عبر مناطق القوات الحكومية، في تعز أو شبوة والبيضاء، وصولاً إلى مناطق الحوثيين.

وسبق للقوات الحكومية أو المشتركة أن ضبطت أكثر من مرة شحنات طائرات مسيّرة، وقطع غيار تدخل في صناعتها، ناهيك بضبط شحنات من سماد اليوريا المستخدم في صناعة الألغام والمتفجرات.

سافيز

وترسو سفينة إيرانية تدعى سافيز على مقربة من السواحل اليمنية منذ أكثر من عامين، وهو ما يشير إليه مراقبون أنها تقدّم الدعم اللوجيستي لجماعة الحوثي، مثل المراقبة والاتصالات، أو تنظيم عمليات تهريب الأسلحة إلى الجماعة.

وأكد مهتمون بالشأن اليمني أن بحرية التحالف رصدت أكثر من مرة السفينة في أثناء تفريغ مواد مشبوهة في أثناء الليل، وتفريغها على متن زوارق بحرية، وهو ما يثير الشبهات حول الدور الإيراني في تزويد الحوثيين بالأسلحة.

تهريب التقنية

المتخصص العسكري العميد ثابت حسين، اعتبر أن تهريب الأسلحة "نشاط أساسي من نشاطات جماعات الاسلام السياسي، سواء الحوثي أو غيرها"، مؤكداً أن المصدر الرئيس للأسلحة الحوثية هو "إيران، والحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني".

وأشار ثابت إلى أن "عدم السيطرة الكاملة على المنافذ والحدود البرية والبحرية اليمنية ترك لهذه الجماعات مساحات كافية وطرقاً ومسارات لتهريب الأسلحة، وإيصالها إلى مسلحيها وتخزينها وتوزيعها في الجبهات".

ولفت إلى "دخول عامل جديد في تهريب الأسلحة إلى اليمن والمتمثل في تركيا، التي بدأت دعم ذراعها في اليمن"، المتمثل حسب قوله في حزب الإصلاح، أو حتى لجماعة الحوثي في إطار الحرب الباردة في جبهة، والمشتعلة في جبهات أخرى بين نظام أردوغان مع الأمة العربية.

ونوه المتخصص العسكري إلى أن الأخطر في عملية التهريب الجديدة تلك "الشحنات المضبوطة، والمتعلقة بتهريب التقنيات الجديدة الخاصة بأسلحة متطورة ما يتيح لهم إعادة تجميع الطائرات المسيَّرة أو تطوير مدى وقدرات الصواريخ الباليستية، وإعادة توجيهها، بإشراف متخصصين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني، وهي أخطر أنواع التهريب، لأن الأسلحة التقليدية لم يعد لها أي تأثير كبير في موازين المعارك بالميادين والجبهات.

وأشار إلى أن تهريب المدافع أو حتى الرشاشات لم يعد ذا أهمية، بقدر أهمية تهريب الأسلحة والتقنيات التي تكون ذات طابع إرهابي، مثل الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية، التي تشبه إلى حد كبير العمليات الإرهابية، ولنا في مقتل عدد من القادة العسكريين في قاعدة العند خير مثال، وهذه الأسلحة تحصل على دعم تقني لتحديد أهدافها.

استراحة محارب

الصحافي إبراهيم مجاهد أكد أن جماعة الحوثي تستخدم الاتفاقات والمفاوضات كاستراحة محارب، لتزويد نفسها بالسلاح. منذ بدء حروب الدولة على المتمردين الحوثيين في صعدة، وهي تحذو في ذلك حذو حزب الله اللبناني، وكلاهما نهل من المدرسة الإيرانية في اقتناص الفرص والمراوغة وتكديس الأسلحة وتهريبها وتخزينها.

وأفاد مجاهد أن تقرير فريق الخبراء الدوليين حول تهريب الحوثيين الأسلحة إدانة واضحة لجماعة الحوثي، مذكراً الأمم المتحدة ومجلس الأمن بواجباتهما تجاه تطبيق حظر توريد الأسلحة إلى جماعة الحوثي بموجب قرار مجلس الأمن 2216.

وأكد أن تصاعد عمليات تهريب الأسلحة إلى اليمن لأي طرفٍ كان، يطيل من أمد الصراع والحرب في اليمن، ويفتح بؤر توتر جديدة في البلاد، ويدخلها في حروب بالوكالة، تحرِّكها أجندة وقوى إقليمية ودولية.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي