نداء بلال.. إلهام الإسلام وتحولاته في الشتات الأفريقي بالعالم المعاصر

2020-06-26 | منذ 1 أسبوع

منذ العصور الوسطى حتى اليوم كان المسلمون من البلدان الأفريقية يتنقلون كمسافرين وحجاج وتجار وعلماء وفنانين وبدو ورحالة ومتصوفين، وقبل القرن الـ20 كان الملايين منهم مستعبدين، واستقروا قسرا في مجتمعات أجنبية عنهم في أوراسيا والأميركتين وحتى في القارة السمراء نفسها.

وفي مؤلفه "نداء بلال.. الإسلام وتحولاته في الشتات الأفريقي" يعتبر الأكاديمي الأميركي إدوارد كيرتس أن الشتات الأفريقي أصبح عالميا منذ فتح الأندلس بداية القرن الثامن الميلادي وحتى اليوم، إذ تحرك المسلمون من أصل أفريقي جنوبي الصحراء في أوروبا وعاشوا فيها وأثّروا وتأثروا بها.

وأضاف الأستاذ في جامعة إنديانا والمختص بالدراسات الأميركية والأفريقية أنه بينما كان للمجتمعات المعاصرة للمهاجرين المسلمين السود تأثير كبير على الحياة في الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وجلبت تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي أكثر من مليون مسلم إلى العالم الجديد حافظ أغلب هؤلاء على هويتهم التي ورّثوها لأبنائهم، ليتشكل مجتمع أفريقي إسلامي كبير في العالم الجديد بحسب الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة كارولينا الشمالية.

ويستكشف هذا الكتاب الممارسات الدينية لكل هؤلاء المسلمين المنحدرين من أصل أفريقي، أولئك الذين سمعوا -على الأقل رمزيا- "نداء بلال"، ويقدم حسابا لانتشار الإسلام بين الشتات الأفريقي والعالمي، ويشرح الطرق المختلفة التي يمارس بها الإسلام من قبل المنحدرين من أصل أفريقي، كما يستكشف كيف تتأثر ممارسات الإسلام بهذه التجربة عبر الشتات.

ورثة بلال

ويقول الكاتب إن البشرة السوداء أو الداكنة لم تكن وصمة في الجزيرة العربية، ولم يكن اللون الأسود مرادفا للعبودية في الشرق الأوسط، فقد كان العبيد متعددي الأعراق والألوان، ويمكن العثور -آنذاك- على مستعبدين من ذوي البشرة البنية أو البيضاء.

ويؤكد المؤلف أن كتابه ليس عن الصحابي بلال بن رباح، ولكن عن أصداء سيرته بين المسلمين الأفارقة، إذ ينظر كثيرون من المسلمين المنحدرين من أصل أفريقي لتراث بلال الأخلاقي وعمله مؤذنا باعتباره نموذجا للنشاط الإبداعي والروحي للمسلمين الأفارقة، وتعد سيرة بلال بمثابة تذكرة للحضور الأفريقي المبكر في الدين والمجتمع الإسلاميين.

واستخدم مصطلح بلاد السودان في اللغة العربية للإشارة إلى أقاليم غرب ووسط وشرق أفريقيا، والتي تمتد اليوم من موريتانيا وغينيا إلى إثيوبيا والصومال.

ويتتبع الكتاب إسهام المسلمين الأفارقة في توسيع الدولة الإسلامية المبكرة، ويروي قصص الذين خدموا في جيوش الخلفاء وفي الإمبراطوريات الأموية والعباسية التي فتحت مدنا مختلفة في أوروبا وأفريقيا وآسيا، ويبين كيف ساعد المسلمون الأفارقة في تشكيل التقاليد الإسلامية السنية والشيعية التي أصبحت تمثل معظم الممارسات الدينية للمسلمين في العالم الإسلامي.

ويؤكد الكاتب أن الأفارقة المسلمين هم من أنشؤوا المؤسسات والشبكات والحكومات التي ساهمت في أسلمة أجزاء واسعة من القارة السمراء بحلول نهاية القرن السابع الميلادي، ولم يكن تحول الأفارقة للإسلام قسرا، بل استغرق الأمر عدة قرون قبل أن تقوم أغلبية البربر وغيرهم من سكان شمال أفريقيا بالتحول إلى الإسلام.

تحولات عبر الزمن

ويشير الكتاب بشكل خاص إلى دور المتصوفين المسلمين الأفارقة والتجار والقادة الأقوياء في نشر الإسلام عبر العديد من المؤسسات والمدارس والمعاهد، ويتناول نماذج لحكام أفارقة مثل منسا موسى (توفي عام 1337 م) الذي حكم إمبراطورية مالي الثرية بالذهب ومعاهد العلم مثل جامعة سنكوري أو جامع تمبكتو الكبير، وسني علي الذي حكم إمبراطورية سونغاي في مالي والنيجر وغرب أفريقيا في الفترة من (1464- 1492 م)، وخلفه أسكيا محمد الذي توسعت الإمبراطورية في عهده.

ويؤرخ الكاتب لتحول اللغة السواحيلية إلى لغة إسلامية شائعة على طول ساحل شرق أفريقيا من القرن الـ12 إلى الـ15، وأوضح أنه بالنسبة لعدد أكبر من المسلمين الأفارقة تُرى تجربة الشتات من خلال عدسة مأساة تاريخية ترجع أصولها إلى التشتت الفيزيائي من أفريقيا إلى مناطق مختلفة حول العالم.

وتابع أن "ظلم ووحشية تجارة الرقيق هما ذاكرة مشتركة لمسلمي أفريقيا في المملكة المتحدة ومنطقة البحر الكاريبي وأميركا الشمالية".

وبالنسبة للعديد من المسلمين الأفارقة فإن الإسلام هو إرث سرقه الرق والاستعباد، وبالتالي فإنهم لا يتحولون إلى هويتهم الدينية الأفريقية الأصلية، بل يعودون إليها بدلا من ذلك، ويُروى تاريخ الشتات الأفريقي بهذه الطريقة مرتبطا بنضال أوسع ضد الاستعمار الأوروبي والتفوق الأبيض.

أميركا والعالم الجديد

وفي الفصل الخامس من الكتاب "المسلمون الأفارقة في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي" يكشف المؤلف عن  وجوه الممارسة الإسلامية في السياسة من خلال تتبع أشكال مشاركة الأفارقة المسلمين السود في العالم الجديد، ويقول إن الممارسة الإسلامية ارتبطت منذ فترة طويلة بالكفاح ضد العنصرية وأشكال المقاومة الأخرى التي سعت غالبا لتحدي العبودية والعنصرية المضادة للسود.

وفي أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي صنفت السلطات الاستعمارية -الإسبانية والبرتغالية- المسلمين المستعبدين من أصل أفريقي -سواء كانوا من الأندلس أو شمال أفريقيا أو غربها- "مشاغبين"، وفي عام 1530 ومرة ​​أخرى في عام 1532 -على سبيل المثال- حظرت السلطات في سانتو دومينغو (عاصمة جمهورية الدومينيكان) استيراد المزيد من العبيد المغاربة، لكن ذلك لم يغير الواقع كثيرا، فبحلول عصر نهاية تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي في القرن الـ19 ربما كان أكثر من مليون -من أصل 12 مليون أفريقي الذين نقلوا عبر المحيط- مسلمين.

وبينما وصل عشرات الآلاف من المستعبدين الأفارقة المسلمين إلى أميركا الشمالية "البريطانية" والولايات المتحدة المبكرة تم نقل الأغلبية العظمى منهم إلى المستعمرات والبلدان في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي وأميركا اللاتينية، وذلك على الرغم من مخاوف المستوطنين من ثورات المستعبدين المسلمين المتكررة.

ويقول الكاتب في الفصل السادس عن المسلمين الأفارقة في أميركا الشمالية إن حركة الأفارقة عبر المحيط الأطلنطي -التي انطلقت لأول مرة بسبب تجارة الرقيق- كانت بداية لحركة هجرة حديثة دفعت الأفارقة وغيرهم إلى البحث عن رأس المال في العالم المتقدم اقتصاديا.

ويعتبر الكتاب أن العبودية يمكن أن تكون قد انتهت، لكن القوى التي تستقدم العمالة والمواد الخام من أفريقيا بتكلفة منخفضة لم تنته، وينظر إلى الإسلام في كثير من الأحيان على أنه وسيلة لاستعادة الذات المكسورة والمشتتة بطريقة أو بأخرى، فيما أصبح في كثير من الأحيان وسيلة للبقاء وحتى الصمود في مواجهة العنصرية وأشكال القمع الأخرى بالنسبة للمسلمين الأفارقة في الشتات العالمي.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي