الحب في زمن الرقمية

2020-06-25 | منذ 1 أسبوع

قراءة في كتاب "قوانين الحب الجديدة":

أتصور أن الناشر وهو يحمل في يده مخطوطة عالمة الاجتماع ماري بيرجستروم، قد قرر أخيرا أن يضع عنوانا جذابا لهذه المخطوطة هو «قوانين الحب الجديدة» حتى لا يؤدي عرضها بشكل أكاديمي مفرط إلى صرف انتباه عموم القراء عنها . ليس لأن النص صعب، بل على العكس من ذلك تمامًا لأنه يجب أن يقرأ بمتعة أخاذة نظرًا لأنه موضوع شاسع وتحليله دقيق وأسلوبه أنيق.

يثير هذا الكتاب العديد من الدراسات الاجتماعية، ويقدم نتائج المسح الذي أجري في فرنسا بواسطة المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية والمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية بين 2013- 2014 وكذلك المسح الشامل الذي أجري بشراكة مع موقع ويب خاص باللقاءات الحميمية.

هل ستستحوذ مواقع الويب للقاءات الحميمية على مجلة «القناص الفرنسي»، وغيرها من مجلات «وساطة الزواج» التي طالما كانت تستخدم من قبل العزاب في الأرياف، أو العائلات التي ترغب في توثيق نسلها بشكل سليم؟ لقد سهلت الرقمية اليوم لقاءات العشاق بشكل كبير، وذلك بتوسيعها لنطاق البحث عن الشركاء، وأيضًا من خلال إزالة البحث عن طريق النظرة وتحكم الأقرباء. تستحضر الكاتبة في هذا الصدد تهميش اللقاءات، التي يمكن أن «تعقد خارج دوائر التواصل الاجتماعي» وفي كثير من الأحيان من دون علمها.

إنها تصف الطوعية الزواجية بـ»الظاهرة» قائلة «عند اقترابنا من سن الثلاثين، تنتهي حرية الشباب المؤجلة: تصبح طموحات الحياة الزوجية أقوى، وكذلك التحفيز من طرف المحيط قصد تشكيل زيجات «وبالنظر إلى التطور الهائل لمواقع الويب الخاصة بالمواعدة واللقاءات الحميمية في بداية القرن الحادي والعشرين، فمن كان يمكن أن يتصور أن هذا الارتفاع في مستوى الزيجات، يمكن أن يؤدي في الثلاثينيات من العمر إلى «انخفاض في قيمة العزوبية»؟

هناك خاصيتان تجعلان من كتاب ماري بيرجستروم مثيرًا للاهتمام بشكل خاص. أولاً التأكيد على أنه على الرغم من أن التكنولوجيا الرقمية، غيرت ظروف اللقاءات تغييراً عميقاً، فإنها لم تحدث ثورة في السلوك، خاصة في العلاقة الجنسية التي ما زالت تخضع لقواعد النوع الاجتماعي. ثم إن هناك الفكرة القائلة بأن البحث التفاعلي عبر الإنترنت لم يؤد إلى خلخلة في النموذج الاقتصادي، حيث نجاح رواد الأعمال الحميمية، ما زالوا يعتمدون على نموذج تقليدي جدا .

إننا ندرك جيدا أن كثيرا من التطبيقات والمواقع قد قلبت سيناريوهات اللقاءات الحميمية: في حين أن اللقاءات المباشرة وجهاً لوجه عادة ما تكون عبارة عن مجموعة من المقدمات، لأي علاقة حب «لا يحدث هذا فقط سوى في مرحلة ثانية عندما نعرف بالفعل الكثير «عن الشخص الذي تم الاتصال به عبر الإنترنت. وبسبب هذه المرحلة المترسخة يضع بعد هذا، المرشحون للعلاقة معايير لتوجيه اختياره : الشعور هذا الشعور بالارتباط العفوي، والدعابة وأسلوب الحياة، ولكن أيضًا الاشمئزاز من سوء تركيب الجمل، التي تشكل وسيلة اتصال شديدة التمييز (عبر الإنترنت) «وفقًا لرأي بيرجستروم.

تنضاف إلى هذه العلامات الاجتماعية توقعات متباينة تبعا للشخص، في ما إذا كان امرأة أو رجلا يبحث عن شريك. وعليه ففي الإنترنت كما هو الحال في أي مكان آخر يُتوقع من النساء أن يبدين تحفظا جنسيا معينا، حتى لا يعرضن شرفهن للخطر، وأيضا حرمتهن الجسدية للانتهاك»، بالإضافة إلى ذلك «بالنسبة للنساء فإن كشفهن عن الاحتياط والتحفظ، هو أيضًا استراتيجية لإظهار نوع من التفاوض في ما يتعلق بطبيعة علاقتهن الحميمية الناشئة».

بالمقابل فالمبادرة الذكورية تشكل «مبدأً تنظيمياً حقيقياً للتعارف عبر الإنترنت الذي يشكل جميع مراحل التعارف». من هذه النتائج استخلصت ماري بيرجستروم فكرة مثيرًة للاهتمام مفادها أن: «التعارف عبر الإنترنت لا يشكل في رأيها ثورة جنسية. إنه يندرج ضمن جزء من التطورات ذات الأمد الطويل. هذه التغييرات هي أولاً وقبل كل شيء الاستقلالية المتزايدة في النشاط الجنسي، مقابل الاقتران أو الزواج». وخلصت في هذا الصدد أيضا إلى أن «التعارف عن طريق الإنترنت هو مثال متميز لهذا المطلب المعاصر، الذي يجعل من التحكم في الذات الوسيلة الرئيسية لتنظيم النشاط الجنسي».

الجانب الآخر البارز في هذا الكتاب هو تحليله للنموذج الاقتصادي المتعلق بالمواقع والتطبيقات الخاصة بعلاقات التعارف. جلها يبدأ في الشركات الناشئة لكن بمجرد أن تثبت مردوديتها المالية، فإنها تصبح تتودد لوكلاء اقتصاديين مرموقين، على سبيل المثال مجموعات الوسائط المتعددة أو المؤسسات الاستثمارية التي تسعى إلى تنويع مداخلها. في الولايات المتحدة كما في أي مكان آخر – خاصة في فرنسا – يؤدي هذا الاتجاه إلى ما يشبه الاحتكار، «حيث يكون في نهاية الأمر عدد قليل من اللاعبين الكبار الذين يملكون معظم العلامات التجارية». من الأمثلة المعروفة في هذا الصدد «ميتيك» أول شركة فرنسية صغيرة قبل أن تصبح شركة دولية تابعة لمجموعة «ماتش» بعشرة مواقع واثنتي عشرة لغة .بالإضافة إلى ذلك وباستخدام المقابلات التي أجرتها بنفسها أظهرت الكاتبة بيرجستروم الطابع التقليدي تمامًا للنموذج الذي يدعم النجاحات التجارية لهذا القطاع. وتشير إلى أنه في الغالبية العظمى من الحالات، فإن مصممي المواقع والتطبيقات، هم من الجنسين تنعكس معاييرهما حسب الجنس في تصميم المنتجات وظهورها. وتؤكد أيضًا على التقليد الذي أظهره هؤلاء المقاولون مثلا «كاراميل» في فرنسا التي حاولت تقليد بشكل واضح خدمة هوتميل الأمريكية. وأكدت على التوحيد القوي للمنتجات والخدمات المقدمة، حيث لا يكاد صاحب المشروع يدعي أن لديه أي خبرة (في علم النفس أو العلاقات الإنسانية)، ولكن حيث يوفر المنخرطون أنفسهم المواد الخام والفضول الضروريين، فضلا عن رسوم التسجيل أو الاشتراك أو تسعير بعض الخدمات.

يعتبر التجزيء سمة أخرى من سمات هذا الكتاب، من الموقع الذي يعد جيدًا من جميع النواحي إلى مزود التخيلات المحددة من البوابة الخاصة بالشركاء الجادين، إلى منصة العلاقات خارج نطاق الزواج، ومعظمها في الواقع تندرج في ما سماه الفيلسوف جوديث بتلر بتخمينات الجنسين، ذكرا كان أم أنثى. إلى جانب هذا الاتجاه السائد فإن العديد من المواقع الأخرى تهتم بمجتمعات المثليين بجنسيهما وبرموزهما الخاصة.

خلاصة القول تلاحظ الكاتبة ماري بيرجستروم بخصوص اللقاءات الرومانسية والحميمية بأن «ضعف السيطرة الخارجية لا يؤدي إلى تراخ في السلوك، بل إلى سيطرة جوانية أكثر أهمية « بأن «هذا الكون الخاص يسمح بالتجربة «وتضيف أن كتابها «يدعو لقراءة مادية للتحولات الأخيرة في الحب والحياة الجنسية». أخيرًا إنها مسألة «تقدير واعتبار للممارسة الجنسية والزوجين في فضاءات لإنتاج القيم ومعايير النوع الاجتماعي وغيرها – وليس مجرد وعاء أو تعبير عن القوى الثقافية السائدة في أي مكان آخر». هذا هو بيت القصيد في هذا الكتاب.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي