

القدس المحتلة- رويترز
شبه مسؤولون إسرائيلون الهجوم الجوي الذي بدأ على كل قطاع غزة، السبت 27-12-2008، بالاستراتيجية الافتتاحية لحرب لبنان في عام 2006، حيث أدى كمين نصبه مقاتلو حزب الله إلى حملة قصف مذهلة ومدمرة.
وحقيقة فإن القوات والدبابات الاسرائيلية اندفعت بعد ذلك الى لبنان، وسيطرت على اراض وضغطت على المجتمع الدولي من اجل فرض وقف لاطلاق النار، يشير الى ما قد يحدث بعد ذلك في غزة ما لم توقف حماس إطلاق الصواريخ عبر الحدود.
ويقر المتحدث باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية ييغال بالمور بالتشابه بين العمليتين، مشيراً إلى وجود "أوجه شبه محددة بين ما نراه الآن وتنفيذ الحرب في لبنان".
لكن، ورغم دعوة القوى الدولية القلقة الى استئناف التهدئة التي توسطت فيها مصر، وانتهت في 19 ديسمبر، إلا أنه يبدو أن للإسرائيليين خططاً اخرى؛ فهم يتحدثون عن "الهدوء المطلق"، وليس اطلاق الصواريخ بشكل متقطع الذي استخدمته حماس مرارا لدعم مطالبها بإنهاء حصار غزة، او لتحذير اسرائيل حتى لا تهاجم الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
وقال أمين مجلس الوزراء الاسرائيلي اوفيد حزقيل، لراديو اسرائيل "لن نسمح بالعودة للسنوات السبع الماضية..السنوات العجاف".
هجوم اسرائيل على غزة والخسائر غير المسبوقة في ارواح الفلسطينيين وبنيتهم التحتية، يهدف الى اجبار نشطاء حماس على هدنة بشروط مواتية اكثر للاهداف الدبلوماسية للدولة العبرية على المدى الطويل.
وحتى اليوم الاثنين 29-12-2008، يبدو الهجوم الإسرائيلي على غزة، الذي دخل يومه الثالث، خالياً، الى حد كبير، من الانتكاسات التكتيكية التي لاحقت اسرائيل اثناء حرب لبنان. فالبلدات الاسرائيلية الحدودية صارت أفضل استعدادا لإطلاق الصواريخ على سبيل الثأر، بينما تجنب ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاٍسرائيلي التعهد بتحقيق اي انتصارات كبرى.
وعلى النقيض من لبنان، الذي كان يتمتع عام 2006 بسنوات من الهدوء النسبي، كما كان يسعى حزب الله الى حشد الدعم السياسي، يبدو أنه من الصعب اخافة اهل غزة الذين يغمرهم القتال المستمر والحرمان. وهو ما يبدو أنه دفع رئيس حكومة "حماس" في القطاع، اسماعيل هنية، للقول إنه حتى لو شنقهم الاسرائيليون وجرت دماؤهم في شوارع غزة وحتى لو قطعت جثثهم اربا فلن يقدموا تنازلات ولن يتراجعوا.
ورفضت اسرائيل مطلب حماس بان تشمل اي تهدئة رفع الحصار. وألمح مسؤولون إسرائيليون الى شروطهم الجديدة، وهي انهاء تهريب الاسلحة من قبل حماس واطلاق سراح الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شليط. وقال مسؤول دفاعي اسرائيلي إن "حماس تعرف مطالبنا وليس هناك جدوى من الحديث عنها علنا.. والى ان تشير حماس الى انها مستعدة للتراجع فكل ما نستطيع ان نفعله هو ان نفرض ثمنا باهظا على هجماتها الصاروخية".
عدم يقين
غير ان صمت إسرائيل النسبي بشأن الشروط ربما يخفي ايضا انعدام اليقين حول المدى الذي يمكن ان يصل اليه الهجوم. ورغم ان قوتها احتشدت على الحدود فان اسرائيل لا تتعجل اعادة احتلال الجيب الفلسطيني المزدحم والفقير والمعادي لها بشدة. وهذا يعني استنفاد "مخزون" مواقع حماس التي يمكن ان تقصفها القوات الجوية الإسرائيلية، على الرغم من ان حرب لبنان اثبتت ان مثل تلك الغارات يمكن فجأة ان تدفع بعدد القتلى المدنيين الى أعلى.
وتساءل دبلوماسي إسرائيلي عن "ما الذي نفعله عندما ينتهي مخزون الأهداف.. وما الذي سيحدث إذا ما انتهينا بقانا أخرى"، في اشارة الى قرية ادى فيها مقتل العشرات من اللبنانيين غير المسلحين الى استنفاد الدعم الأجنبي لطرد حزب الله بعيدا عن الحدود.
وبينما انتهت حرب لبنان بوقف لإطلاق النار توسطت فيه الأمم المتحدة عزز وجود قوة حفظ سلام في معقل حزب الله السابق، الا ان حماس استبعدت مثل ذلك الوجود في غزة. ووفقا لما يذكره مسؤولون دفاعيون فان اسرائيل لديها خطط طوارئ لـ "سحق" حماس، وتسليم غزة إلى عباس الذي يسعى الى التعايش مع إسرائيل خلافا للحركة الأكثر تشدداً.
غير أن بالمور رفض مثل تلك الفكرة باعتبارها "حماقة" اذ تخاطر بتصوير عباس على أنه ليس أكثر من تابع لإسرائيل. وقال بالمور ملخصا سيناريو يفترض من خلاله الحد من السطوة السياسية لحماس "اننا نريد الهدوء وان يكون الفلسطينيون والإسرائيليون قادرين على معالجة خلافاتهم من خلال الحوار".
ولم تظهر مصر التي تتاخم غزة أيضا رغبة في فك الحصار. ويمكن للقاهرة ان تقترح بدلا من ذلك أن تسلم حماس لعباس، مقابل إنهاء إسرائيل لهجومها على غزة وتخفيف القيود الاقتصادية على القطاع. وفي انتظار ذلك يبدو أن إسرائيل تستهدف الحدود المصرية مع غزة كجزء من جهودها لحصار حماس. وربما أدى القصف الإسرائيلي إلى تدمير مئات الأنفاق التي سمحت لأبناء غزة بالالتفاف على الحصار.