يقظة اللاوعي.. وذاكرة تتلاشى في الصور

2020-04-05 | منذ 2 شهر

عادل خزام

تظل قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، جذراً متأصلاً في إبداعات الفلسطينيين الذين عاشوا ويل هذه المأساة، وظلوا يتمسكون بإرث ذاكرة الأرض والأمكنة، وعلى مدى أجيال كثيرة، كانت فلسطين حاضرة في الموسيقى والشعر واللوحة والهواجس والأمنيات. رولا الحلواني، وهي مواطنة من القدس الشرقية، أرادت في معرضها الجديد بـ«غاليري أيام» في دبي، أن توثق لسيرة وقصة أماكن كانت قد زارتها مع والدها في الطفولة، حملت كاميرتها وذهبت في رحلة إلى ما يشبه الذاكرة المفقودة، إلى الأثر الذي ظل حاضراً رغم تلاشي ملامحه وغياب الأصوات من حوله وفيه.

في هذا المعرض المؤثر، تأتينا صور الأمكنة التي لم يعد أحدٌ يلتفت إليها، وكأنها مواقع شبحية مهجورة، تأخذنا الفنانة إلى بقع كأننا نراها لأول مرة، شواطئ ضبابية منسية، وبقايا قصور منحوتة في الجبال، وأرياف مهملة، وأراض جرداء لا يظهر فيها سوى الدبابات التي جاءت لتسكن بقبحها في خصوبة هذه الأرض. تقدم رولا صورها هذه بالأبيض والأسود، بما يضفي على اللقطات مسحة من ذكريات بعيدة، وفي سياق تقديمها لهذا المعرض الذي حمل اسم «من أجل أبي»، تسردُ شيئاً من طفولتها عندما زارت هذه الأماكن مع والدها، وهي تعيد إهداء هذا العمل إليه، وكأنها تربط نفسها بماض أصبح عصياً على الإمساك، وعلى وطن ظلت ملامحه تتلاشى.

ولدت رولا حلواني في عام 1964، ودرست التصوير في جامعة ساسكاتشوان في كندا (1989)، وأتبعت ذلك بالماجستير من ويستمنستر في لندن، وهي حالياً المدير المؤسس وأستاذ مشارك في برنامج التصوير الفوتوغرافي في جامعة بيرزيت، وسيلاحظ المشاهد أنها لجأت في هذا المعرض إلى مجموعة من التقنيات في تعتيم بعض الزوايا، وإضفاء الظلال على روح الصورة بما يبعث على السكون، حتى إنها تتعمد إخفاء ملامح الشخوص في إشارة عميقة إلى هذا الانمحاء والزوال لحياة جميلة كانت هناك، حيث زرقة السماء وصفاء البحر.

تقول رولا التي شاركت في معارض كثيرة حول العالم: هل تتذكر يا أبي الأماكن التي ذهبنا إليها مع إخوتي؟ كانت مليئة بالناس الذين يعرفوننا من جميع أنحاء فلسطين، الأمر مختلف جداً الآن، وقد احتل أناس جدد هذه المساحات، اختفت ذكريات طفولتي، وفلسطين التي عرفتها قد اختفت.

 يقظة صفوان داحول

المعرض الثاني في الغاليري، خصص للفنان السوري المعروف عالمياً صفوان داحول. يمكن للمشاهد أن يلمح على الفور الأسلوب الفني الذي تمرّس فيه هذا الفنان، عبر تقديم الوجوه والملامح لبشر لا نعرفهم، بشر ربما افتراضيين، وظيفتهم إثارة السؤال العميق عن هوية الإنسان، الذي يجد انعكاساً ما لذاته في هذه الملامح المحصورة في لونين أو ثلاثة من نفس الدرجة، مع تعمد الفنان نثر التدرجات والبقع التي توحي بأن كل شيء قابل للتداعي والانهيار.

عرف عن صفوان اعتماده الدائم على ثيمة وجه المرأة، وتكراره المتعمد للإبقاء على هذه الثيمة في معظم لوحاته، وكأنها لازمة مستمرة، أو راوية تسردُ سيرة الفنان من جهة، وتنقل لنا تحولات الزمن من جهة ثانية على صورة البشرية في معناها الأصفى وهي المرأة. ويغلب عليه كما نرى، اتباعه لإيحاءات المدرسة التكعيبية كما قدمها بيكاسو، وبالأخص في لجوءه إلى اللون الواحد تقريباً، مع المراهنة على كبر حجم اللوحات، ولكن ذلك لا يشكل عبئاً على المشاهد الذي يلمس منذ اللحظة الأولى، تفرّد الفنان في معالجة موضوعاته بأفكار جديدة، رغم تكرار نمطها الواحد.

وقد اختار صفوان الإقامة في دبي منذ عدة سنوات، حاملاً معه مسيرة مهنية تمتد لثلاثة عقود، ويعد أحد أبرز الرسامين في العالم العربي اليوم، وفي هذا المعرض الذي جاء بعنوان «يقظة»، نراه يعود إلى استخدام خصائص الرسم لإعادة الشعور باللاوعي، وبالاغتراب، والتأكيد المتاهة التي نراها تتجلى في عيون هذه المرأة التي تحدّق أحياناً في الفراغ، بوجه حاد الملامح، وبملامح جسدية ملتوية في انحناءاتها.

القيمة الفنية التي تتجلى في هذين المعرضين، هي أنهما يتسقان في الرؤية والخطاب، وإن اختلفت اللغة والأدوات.

ويمكنكم زيارة المعرضين ومشاهدتهما بالتقنية ثلاثية الأبعاد على الرابط:

https:/‏/‏www.alserkal.online/‏ayyam-gallery-safwan-dahoul

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي