خيال مآته… الأداء لأحمد حلمي والبطولة للأقنعة والماكياج

2020-02-20 | منذ 1 شهر

كمال القاضي *

في تحول مفاجئ من الواقعية التامة إلى الفانتازيا يكتب عبد الرحيم كمال سيناريو فيلم «خيال مآته» فيثير الدهشة بتلك الصور الدرامية المتعددة لشخصية البطل أحمد حلمي، الشاب والكهل والمراهق، في مستويات عمرية متباينة، يوازيها على الجانب السلوكي والنفسي، خصال وصفات تتسم بالنصب والاحتيال والتمرد، وتدعو لقراءة مختلفة لكافة التفاصيل المتضمنة في كل شخصية على حدة، فما يُفترض أن يكون خيالياً وكاريكاتيرياً كان كذلك في ضوء التوليفة الكوميدية الغامضة والمركبة، وما يمكن اعتباره ارتداداً للماضي بما يحمله من ذكريات ومغامرات يُحتمل أيضاً إذا ربطنا بين الخلفية التاريخية للأحداث والرموز الحاضرة بقوة، كأم كلثوم التي تتردد أغانيها على امتداد زمن الفيلم، في إشارات موحية بتراثها الفني والموسيقي، ودلالة صوتها، فضلاً عن أهمية النواة الأساسية للبناء الدرامي وعلاقته بقطعة من جواهرها الثمينة المتمثلة في «البروش» الماس كعنوان للصراع الدائر بين الأبطال الكُثر.


لقد استخدم المخرج خالد مرعي الأسلوب المسرحي في عملية التداخل الزمني والدرامي، ليعدد مستويات الإثارة، ويخلق حالة ذهنية متشابكة ذات صلة بالموضوع الأصلي، وهو علاقة البطل بالواقع الذي يعيشه وافتراضية الصراع النفسي الذي يعاني منه فيدفعه إلى تقمص أكثر من شخصية في إطار واحد، كالجد والابن والحفيد، ويعبر من خلال كل شخصية إلى مدارات الأزمنة القديمة والحديثة، ليعايش الأنماط البشرية بهواياتها وميولها وثقافاتها، وينفذ إلى كل مرحلة ليُدرك سماتها وطبيعتها وما يميزها، ثم يرتد إلى زمنه الأصلي فيعود إلى شخصيته الحقيقية، «زيزو»، الشاب خفيف الظل، صاحب محل الموبايلات، الذي يعاني من جحود جده وشحه، وجفاء روحه وأنانيته، وهو المستوى الذي تقترب فيه شخصية البطل من الواقع، بقانون ومعطيات الكاتب، الذي استهوته لُعبة الفانتازيا والخيال، فتمادى فيها من غير أن يضع حدوداً فاصلة بين الواقعي والخيالي، يسترشد بها المشاهد فلا يتوه في غمرة التزاحم والتناقض والدوائر الكبيرة والصغيرة المتداخلة والحاوية للأحداث والأفكار والشخصيات.
في زخم الحكايات والصور والرؤى، تبددت الحكاية الأصلية، وانقطعت الشعيرات الدقيقة التي تصل بعضها ببعض، فبات الربط بين المشاهد والجُمل الحوارية والمكونات الدرامية، مجرد اجتهاد ومحض افتراض، لا يُفضي إلا للنزر اليسير من النتائج المنطقية لخط السير الزمني والدرامي، وموقع البطل من الحكاية الأسطورية الخيالية المتفرعة.

ثمة استنتاج يمكن استخلاصه من محاولة الكاتب عبد الرحيم كمال، الرجوع إلى الوراء قرابة نصف قرن، حيث الحياة في زمن أم كلثوم، وما تدل علية من رهافة المشاعر ورقة الإحساس والأجواء الرومانسية، وإدراك القيمة الحقيقية للأشياء، باعتبار ذلك إيحاءً بالفوارق الجوهرية بين الماضي والحاضر، ومدعاة للبكاء على ما فات، فالجوهرة النفيسة المتبقية من مقتنيات كوكب الشرق مجرد رمز لثراء أيامها وزمانها، أما الحاضر فهو المشار إليه بجرائم التقليد والتزييف، والسطو والتبديد، والبيع وإهدار التراث، والتحول إلى السمسرة والمضاربة والغش.
عناوين متصلة منفصلة استخدمها المخرج خالد مرعي لتدل على الأزمة، وتلفت النظر إلى حالة التفكك والضياع والتفريط، مُسقطاً كل المعاني على البطل وأشباهه وحياته المتراوحة بين الجدية والهزل، في حركة دوران دائم كشقي الرحى، وقد أوجد المخرج لفكرته دعائم وسندات، تمثلت في بعض الشخصيات المساعدة والثانوية والهامشية، بتنويعاتها وأدوارها المختلفة، كمنة شلبي التي قبلت بأن تكون مجرد واجهه مقبولة أمام البطل لتزيين الصورة، واستنفار طاقته الإبداعية ليُخرج أفضل ما لدية من الأداء.


كذلك لم يخرج دور خالد الصاوي عن التوظيف التقليدي لدور الرجل الثاني، كداعم للشخصية الرئيسية، فلم يزد عن كونه منشطا للحالة الدرامية، باعتباره بارعا في تجسيد دور الشرير، أما حسن حسني فلا يزال متمسكاً بموقعة كبطل مناوئ أو مضاد، يأتي تطويعه دائماً حسب السياق المطلوب، إذ يمتلك قدرة فائقة على تلوين أدائه، أما الشخصيات الثانوية الأخرى فقد ملأ بها المخرج فراغات السيناريو، وكان من الممكن الاستغناء عنها أو إسنادها إلى عدد من الكومبارس، بدلاً من قدامى النجوم، عبد الرحمن أبو زهرة ورشوان توفيق وإنعام سالوسة، الذين ظهروا ظهوراً عابراً على الشاشة من غير ضرورة، ولم يُحدثوا أي تأثير يُذكر على أي مستوى.
أعتقد أن البطولة الحقيقية كانت للماكياج الذي مثل العنصر الأقوى في عملية الإقناع وتحريك الشخصيات والأحداث، بما يلائم الظرف الزمني للصور المتخيلة للبطل، في كل مراحله العمرية، فضلاً عن براعة تصميم الأقنعة المستخدمة في تعدد الوجوه، بما تحمله من ترهلات وتجاعيد وبصمات السنين، وهي حيلة يلجأ إليها أحمد حلمي في تجاربه الصعبة وأدواره المركبة، ولا شك أنه يمتلك حرفية التعامل معها، بما يستلزم مرونة في حركة الجسم وعضلات الوجه لإعطاء التعبيرات المناسبة والانفعالات الدقيقة بامتياز هو جدير به كممثل موهوب وذكي وباحث عن المختلف.

 

٭ كاتب من مصر



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي