الكتاب الذي يجب تدريسه للعرب.. اقرأ «عشر خرافات عن إسرائيل»

2019-11-07 | منذ 2 أسبوع

كتاب عشر خرافات عن إسرائيلقراءة : صالح الشحري


كتاب مهم للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، ترجمته سارة عبدالحليم، وإيلان بابيه هو أحد أهم المؤرخين الجدد. ورغم أنه ليس كل ما في الكتاب جديد لكن الوضوح والوثائق التي اعتمد عليها تعتبر حديثة إلى حد ما. أيام كانت قضية فلسطين قضية عربية فوق قطرية كانت معظم الكليات العربية تدرس كتاب المجتمع العربي والقضية الفلسطينية كمتطلب جامعي. أعتقد أن كتاب بابيه الذي نحن بصدده يصلح ليقرر في أي مرحلة من مراحل التعليم الجامعي أو العادي بدلاً من اجتهادات في الكتابة تؤلف على هوى السلطة في البلد الذي تُدرس فيه القضية.

السؤال هو لماذا يهتم المؤرخون الإسرائيليون الجدد بإظهار الحقيقة؟
روجت إسرائيل لمجموعة من المقولات على أنها حقائق، وهذه هي التي أتاحت للصهيونية أن تبني دولتها على أساس نظري أقنع العالم بحق اليهود في فلسطين، ولكن ما وصل إليه المؤرخون الجدد يفند هذه الأسس جميعاً ويثبت أن ما يروج على أنه حقائق إنما كان مجموعة من المغالطات التي لا تصمد أمام البحث العلمي النزيه. قيمة هذه الأبحاث أنها قامت لتحمي اليهود من أنفسهم أي من الصهيونية. يقول الكاتب، إن كتابه في النهاية من تأليف يهودي إسرائيلي حريص على مجتمعه تماماً كما هو حريص على المجتمع الفلسطيني، ومن شأن دحض الخرافات والأساطير التي تكرس الظلم أن يعود بالفائدة على كل من يعيش في الدولة أو يرغب في العيش فيها. فالدولة تشكل قاعدة يمكن لكل قاطنيها الاستمتاع بالمزايا والإنجازات الكبرى التي يقتصر التمتع بها حالياً على جماعة واحدة.

الكتاب مكون من جزأين الأول يناقش مغالطات الماضي والثاني يناقش مغالطات الحاضر. إن المغالطات المتشكلة عن الماضي والحاضر تعوقنا عن فهم جذور الصراع، كما يتعارض التلاعب المستمر بالحقائق ذات الصلة مع مصالح كل الضحايا الذين سقطوا جراء سفك الدماء والعنف المتواصلين. تمت صياغة هذه الخرافات بصورة ماكرة بحيث تشكك في الحق الأخلاقي للفلسطينيين في أرضهم. وتلقي هذه الخرافات قبولاً من وسائل الإعلام والنخب السياسية الغربية بوصفها مسلمات وحقائق. وقد اعتمدتها الدعاية الإسرائيلية مبرراً تسوق فيه ممارساتها ضد الفلسطينيين. كما يفسر القبول الضمني لهذه الخرافات إعراض الحكومات الغربية عن التدخل بأي طريقة بناءة في الصراع. الخرافات التأسيسية المعروفة بالمسألة الفلسطينية الإسرائيلية لخصها الكاتب في عشر خرافات. الخرافة الأولى تقول إن فلسطين كانت صحراء خالية حين وصل الصهاينة إليها في القرن التاسع عشر، وأن الصهاينة هم من قام بزراعتها، ولكن الحقيقة التي توصل إليها المؤلف تكشف عن وجود مجتمع مزدهر سابق على وصول الصهاينة، وكان هذا المجتمع يشهد عمليات متسارعة من التحديث وبلورة النزعة القومية.

الخرافة الثانية تقول إن اليهود الذين وصلوا فلسطين عام ١٨٨٢م ينحدرون من اليهود الذين طردهم الرومان عام ٧٠ للميلاد. ولكن جهداً بحثياً عظيماً أظهر أن اليهود إبان الحكم الروماني لفلسطين ظلوا في الأرض، متحولين إلى المسيحية أولاً ثم إلى الإسلام. أما يهود اليوم فهناك مؤشرات على أنهم من الخزر الذين اعتنقوا اليهودية في العام التاسع للميلاد، ولعل اختلاط الأعراق عبر ألف عام يجعل الإجابة الواثقة عن أصلهم مستحيلة.

قبل ظهور الصهيونية كانت عودة اليهود إلى فلسطين مشروعاً مسيحياً، وبعد القرن السادس عشر أصبح مشروعاً بروتستانتياً، وإنجليكياً بوجه خاص، أما علاقة المجتمعات اليهودية في العالم بفلسطين قبل ظهور الصهيونية فكانت علاقة روحية دينية وليست سياسية. لقد تلاعبت الصهيونية باليهودية لأسباب سياسية، ومساواة الصهيونية باليهودية مغالطة أخرى، وكان القصد منها جعل معاداة الصهيونية معاداة للسامية مثلما تسمى معاداة اليهودية.

تصور الصهيونية نفسها على أنها حركة تحرر قومية ليبرالية. وهذا يعني أن إسرائيل مجرد دولة صغيرة تدافع عن نفسها. وهذا يعني أن الحركات التي تقاومها هي حركات إرهابية. ولكن الحقيقة أن الصهيونية لم تكن إلا مشروعاً استعمارياً استيطانياً. وهذا يغير صور حركات المقاومة من حركات إرهابية إلى حركات تحررية تعمل ضد مشروع استعماري.

الخرافة التالية هي خرافة الخروج الطوعي للفلسطينيين إلى مناطق غير مناطق سكناهم قبل حرب ١٩٤٨م. والخرافة السادسة التي يناقشها الكاتب هي أن حرب ١٩٦٧ إنما كانت حرباً فُرضت على إسرائيل. وبالتالي لم يكن ثمة خيار أمام إسرائيل إلا الحرب. يفند المؤلف هذا الزعم فقد توصل إلى أن حرب ١٩٦٧ كانت جزءاً من رغبة إسرائيل في الاستيلاء على كل فلسطين. بدأ التخطيط لاحتلال الضفة وغزة في الحقيقة عام ١٩٤٨. لم يتوقف التخطيط الإسرائيلي لذلك حتى سنحت فرصة تاريخية عام ١٩٦٧م. إن السياسات الإسرائيلية تثبت أن إسرائيل توقعت الحرب ولم تباغت بها.

يرى الكاتب أن عملية أوسلو لم تكن عملية سلام مُنيت بالفشل وإنما كانت حيلة إسرائيلية لتكريس الاحتلال. ثم يفند المؤلف الخرافة التي تحظى بقبول واسع النطاق. تقول الخرافة أن مأساة غزة سببها الطبيعة الإرهابية لحركة حماس. وأخيراً يفند المؤلف الخرافة القائلة بأن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام ويناقش الأبحاث التي تطرح حلولاً بديلة.

أهمية الكتاب أنه يساعد المثقفين العرب على تفنيد الخرافات الإسرائيلية الشائعة وخاصة عند الأوروبيين، يضاف إلى ذلك أن الكثير من العرب أخذوا يتبنون الخرافات الصهيونية، إما عن جهل أو عن هوى. والكتاب -وخاصة وأن مؤلفه إسرائيلي- يسهل التصدي لأمثال هؤلاء.


*كاتب وطبيب فلسطيني



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي