

مسقط ـ تحتفل سلطنة عمان بالعيد الوطني الثامن والثلاثين في بيئة وفاق سياسي واجتماعي تبدو وكأنها سرمدية.
ولكن الناظر الى تاريخ عمان يستطيع ان يعرف ان هذه البيئة كانت واحدة من افضل ثمار المشروع الإصلاحي الذي تبناه السلطان قابوس بن سعيد.
فالسلطنة عرفت في تاريخها من مظاهر عدم الاستقرار، ما لا يجب أحد اليوم حتى ان يتذكره.
ولا تبدو تلك المظاهر بعيدة في التاريخ إلا لأن النخبة العمانية التي تدير دفة البلاد بقيادة السلطان قابوس كانت قد اجرت مصالحة مشهودة مع التار
يخ لتجعل من عمان نموذجا ليس للاستقرار السياسي القائم على التكافل والتراضي والمسؤولية الوطنية المشتركة فحسب، وانما نموذجا للعمل السياسي البناء بين مختلف الفعاليات الاجتماعية أيضا.
وبناء على رؤية وطنية للنهوض بالبلاد تصدرها السلطان قابوس بتكريس السعي لمشاركة الجميع، فقد وجد حتى اكثر معارضي النظام تشددا في الماضي انفسهم من بين اكثر المدافعين عن استقراره. ببساطة، لانهم وجدوا ان النظام هو بالأحرى نظامهم، وأنهم يشاركون في إدارة مسؤولياته ومتابعة مهماته النهضوية من أعلى مراكز السلطة.
اليوم، يبدو ان لسلطنة عمان "تاريخ واحد" عنوانه الوفاق والمصالحة والشراكة في المسؤولية. والكل يعرف انها مسؤولية ضخمة في بلد تنقص موارده الطبيعية، وتكبر تحدياته الاقتصادية، ولكنه يقابلها بثروة الشراكة الوطنية من اجل حفظ ازدهاره وتنمية موارده.
ولكن، لكل هذا أساس. فالبلاد تشهد نهضة شاملة في جميع المجالات كالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والطرق الحديثة والنقل والاتصالات، ولكنها تفعل ذلك على أرضية سياسية ودستورية متينة، انطلقت من الرؤية التي وضعها السلطان قابوس منذ توليه مقاليد الحكم في عام 1970.
وتقوم هذه الرؤية على ترسيخ الوحدة الوطنية، وبث روح التضامن والتماسك في إطار الهوية العمانية.
وهنا شيء من معالمها:
النظام الأساسي للدولة
يمثل النظام الأساسي للدولة منذ صدوره في عام 1996 الإطار القانوني المرجعي الذي يحكم عمل السلطات المختلفة ويفصل فيما بينها حيث تستمد منه أجهزة الدولة المختلفة أسس نطاق عملها. ويوفر في الوقت نفسه أقصى حماية وضمانات للحفاظ على حرية الفرد وكرامته وحقوقه وعلى نحو يكرس حكم القانون وفق أرفع المستويات المعروفة دولياً.
وحددت هذه الوثيقة التاريخية - غير المسبوقة في التاريخ العُماني - نظام الحكم في الدولة، والمبادئ الموجهة لسياساتها في المجالات المختلفة، كما بينت الحقوق والواجبات العامة للمواطنين، وفصلت الأحكام الخاصة برئيس الدولة ومجلس الوزراء والقضاء وأشارت إلى المجالس المتخصصة والشؤون المالية ومجلس عُمان.
وبينما يتم إصدار القوانين على أساس ما يتضمنه النظام الأساسي للدولة من أحكام فإنه لا يجوز أن تتعارض معها.
الشورى العُمانيـة
كما يأتي مجلس الشورى كمنبر لتداول الشورى بمفاهيمها وتقاليدها العمانية المعروفة بعراقتها، حيث تسير نحو غاياتها المنشودة بخطى متدرجة، واثقة وقادرة في الوقت نفسه على استيعاب طموحات المواطن العُماني والتعبير عنها بما يتوافق مع طبيعة المجتمع والمرحلة التي يمر بها في مسيرة تطوره المتواصل.
وفي هذا الإطار اكتسب العام المنصرم 2007 أهمية ودلالة كبيرة بالنسبـة للشـورى العُمانيـة ولتجربـة عُمـان في العمـل الديموقراطي حيـث شهد اكتمال الإطار القانوني لانتخابـات الفتـرة السادسة لمجلس الشورى (2008 – 2011) عبر تعديل بعض أحكام نظام مجلسي الدولة والشورى بموجب المرسوم السلطاني رقم (2/2007) الصادر في 21 يناير/كانون الثاني 2007 من ناحية، وصدور اللائحة التنظيمية لانتخابات مجلس الشورى بما طرأ عليها من تعديلات من ناحية ثانية، وإجراء انتخاب ممثلي الولايات في مجلس الشورى لفترته السادسة في أكتوبر/تشرين الأول 2007 من ناحية ثالثة.
وتمارس المرأة العمانية دورها السياسي في الترشيح والانتخاب لعضوية المجلس كحق أساسي وقد جاء المرسوم السلطاني رقم 74/2003 تأكيداً على تطوير مسيرة الشورى في السلطنة والتي تتمثل في توسيع صلاحيات مجلس الشورى فيما يتعلق بمراجعة مشروعات القوانين والخطط التنموية
الخمسية والموازنات العامة للدولة التي تحيلها الحكومة للمجلس قبل اتخاذ إجراءات اعتمادها واستصدارها في صورة تشريعات نافذة كما تم زيادة فترة المجلس إلى أربع سنوات بدلا من ثلاث سنوات وفتح المجال لإعادة الترشيح مرة أخرى ، وقد وجه السلطان قابوس بعقد لقاءات مفتوحة بين مجلس الوزراء ومجلسي الدولة والشورى بكامل أعضاءهم خاصة مع كل فترة من فترات مجلسي الدولة والشورى وذلك لتحقيق اكبر قدر ممكن من التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومن ضمن المهام التي يقوم بها مجلس الشورى المشاركة في اجتماعات الاتحادات والبرلمانات العربية والإسلامية والاتصالات الثنائية المتبادلة مع المجالس الوطنية في الدول الشقيقة والصديقة.
وتأتي الجولات السنوية للسلطان قابوس من المناسبات التي أريد منها أن تكون نموذجا آخر للشورى يمارس من خلالها المواطنون في مختلف مناطق ومحافظات السلطنة أينما حط المخيم السلطاني رحاله على امتداد أرض عُمان دورهم الوطني بكل وضوح وشفافية في مناقشة العديد من الموضوعات التي تتعلق يحاضرهم ومستقبلهم وتسعى خطة التنمية الخمسية السابعة 2006-2010 إلى ترسيخ التحولات التي يشهدها الاقتصاد العماني وتحديد ملامح التنمية الوطنية في مختلف القطاعات في إطار التنمية المستدامة وتطبيق الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020م وهو يأتي أيضا في ظل الانفتاح الاستثماري والسياحي المتوازن الذي تشهده السلطنة.
وخلال هذه الفترة تم تحديث الإجراءات التنظيمية لانتخابات مجلس الشورى بهدف تسهيل وتبسيط مهمة الناخب والمترشح إلى أبعد الحدود الممكنة الذي سيدلي بصوته بكل سهولة ويسر وفق الإجراءات المبسطة حيث أن الناخب اكتفى ابتداء من هذه الفترة بتقديم بطاقته الشخصية يوم التصويت بعد إلغاء بطاقة الانتخاب المستخدمة في الفترات الماضية، ويعتبر اكتمال الإطار القانوني للانتخابات لا يحول دون استمرار تطوير نهج ومؤسسات الشورى في إطار التطور المتواصل للدولة والمجتمع العماني.
مجلس عُمـان
يعقد مجلس عُمان الذي يتكون من مجلس الدولة ومجلس الشورى بدعـوة من السلطان قابوس. ومنذ الفترة الثانية فان المجلس يجتمع في دور انعقاد سنوي حيث يلقي السلطان قابوس خطابا سنويا شاملا لإلقاء المزيد من الضوء على مختلف القضايا وتحديد خطوط العمل للمرحلة القادمة ، ويقوم مجلس الدولة بدور حيوي على صعيد التعاون بين الحكومة والمواطنين بحكم تكوينه ومهام اختصاصاته العديدة أبرزها إعداد الدراسات التي تسهم في تنفيذ خطط وبرامج التنمية ومراجعة مشروعات القوانين قبل اتخاذ إجراءات إصدارها، باستثناء القوانين التي تقضي المصلحة العامة رفعها مباشرة إلى السلطان قابوس ، كما يدر
س المجلس ما يحيله إليه السلطان قابوس أو مجلس الوزراء من موضوعات لإبداء الرأي فيها. ويبلغ عدد أعضاء مجلس الدولة (71) عضوا بينهم (14) امرأة، وقد اختيرت إحداهن لتمثيل السلطنة في عضوية الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ويأتي مجلس الشورى ليشكل رافدا آخر لتداول الشورى بمفاهيمها وتقاليدها العمانية العريقة المعروفة حيث يضم المجلس ممثلين منتخبين عن مختلف الولايات ويقوم المواطنون ممن بلغوا سن (21) ميلادية بانتخاب ممثلي ولاياتهم في المجلس وفق الأسس والقواعد المنظمة لذلك والتي تجعل حق الانتخاب والترشيح من الحقوق الأساسية للمواطن العماني متى توفرت لدية الشروط الضرورية لذلك ودون أي تدخل من قبل الحكومة.
على هذه الأسس، بنت سلطنة عمان تجربة للديمقراطية تقوم على التوافق والمصالحة والمشاركة الوطنية الجامعة. أساسها الشورى وسقفها النهضة الاقتصادية والتقدم الاجتماعي.
ولا تقول عمان ان تجربتها تصلح لتكون نموذجا للجميع، إلا أن مختلف أطراف المجتمع العماني يعرفون انهم يبنون تجربة تستمد مقوماتها وقيمها من حاجاتهم ومعارفهم وثقافتهم وتقاليدهم. وهذا ما يصلح للجميع بالفعل.