عدلي رزق الله: لا أعول على المؤسسة الرسمية والجاهلون هم وحدهم الذين يتهمونني بالتكرار!

القدس العربي - خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2008-11-07 | منذ 12 سنة

القاهرة ـ  من محمود قرني: يستعيد الفنان التشكيلي الكبير عدلي رزق الله نشاطه المكثف بعد سنوات من الاعتكاف أما المناسبة فهي إقامة عدد من المعارض المتصلة بمناسبة بلوغه السبعين، وقد بدأت السلسلة بالفعل بمعرض قاعة إبداع بمصر الجديدة يتبعها معرض بقصر الفنون بدار الأوبرا وآخر بمركز الجزيرة للفنون، وقد استطاع عدلي رزق الله في الفترة الماضية أن ينجز أكثر من مئة لوحة صغيرة عن البحار والأسماك تمكنت من مشاهدتها بمنزله وهي في طور العرض الداخلي فقط، بالإضافة إلى لوحاته الأساسية التي تنضم للمعارض الجديدة، وخلال خمسين عاما مع المائيات لم يكف خلالها عدلي رزق الله عن تحويل كائناته بأشكاله المتنوعة إلى خامات رئيسية في مائياته، ويستطيع المتابع أن يرى الأعضاء البشرية كلها وقد تحولت إلى مائيات مستفيدة في ذلك من كل مدارس الفن وعلى رأسها التعبيرية والتجريدية، وذلك في إطار من الانسيابية التي تميز مائيات عدلي رزق الله في تناغم لا نهائي، حتى لا يمكننا رصد لون واحد يمثل حالة من حالات النشاز ولعل تواصل عدلي مع معطيات بيئته هو ما جعله من أقرب التشكيليين المصريين إلى قلوب وعقول مشاهدي لوحاته لا سيما من الشعراء، وهو لهذا السبب من أكثر التشكيليين الذين استوطنوا قصائد العديد من الشعراء بداية من حقبة السبعينيات وحتى الآن، بل كانت بعض لوحاته مبعث كثير من القصائد المهمة لبعض الشعراء كما حدث لدى عبدالمنعم رمضان في قصيدته 'ناريمان عدلي رزق الله' وكذلك لدى حلمي سالم ومحمد سليمان وآخرين.
وعبر رحلة طويلة مع الفن تجول رزق الله عبر العالم وتوقف عند محطته المهمة 'باريس' التي عاش فيها أكثر من ثلاثة عشر عاما، وهي المحطة التي يؤكد أنها صاحبة الفضل الأكبر عليه في مشواره الذي لا زال يمثل قوسا مفتوحا على آفاق أرحب هذا رغم أن عدلي رزق الله في عقده السابع الآن، وحول هذا المعرض الاستعادي ومائياته الجديدة يتحدث رزق الله، وهنا نص الحوار:


في البداية لماذا سميت معرضك الأخير 'المعرض الاستعادي' وهل لذلك علاقة بأنك طويت صفحة عامك السبعين بقليل؟
استطيع التأكيد أولا على أن مشواري مع التشكيل كان مع لوحتي الأولى عام 1971 ولوحتي الأولى كانت نتاج دراسة مضنية وبحث وصل إلى مشارف المستحيل.
كان ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن قد انقضى، وكانت الحركة التشكيلية في مصر قد أعطت كوكبة من الفنانين وجهها المضيء بينهم راغب عياد، محمود سعيد، حامد عبدالله، أما الذي أكن له تقديرا خاصا فهو رمسيس يونان وأعتقد انه كان العقل الأول في الحركة التشكيلية المصرية واعتقد انني العقل الثاني في هذه الحركة، ثم بعد ذلك كمال خليفة الذي يمثل العذوبة والنبل في آن واحد.
وكانت هناك انجازات أخرى بالطبع تتمثل في بعض انجازات فنانين آخرين مثل آدم حسنين وأعماله الأولى وكذلك حسن سليمان.
ولكي يأتي فنان بعد كل هؤلاء عليه أن يعرف دوره، وأن يعي أين يضع قدميه، كانت الحركة التشكيلية قد أقامت عشرات المعارض الناجحة وكان حمد عبدالله هو أول المتفرغين حقا، لقد قدم لنا النموذج لكنه للأسف اضطر الى الرحيل غربا حتى يستطيع أن يتفرغ للفن، وكنت قد رأيت النموذج واقتنعت به خاصة أن الغرب مليء بنموذج الفنان المتفرغ كل الوقت، وقد عرفت أيضا أن حامد عبدالله لن يستطيع أن يحتفظ بنفسه في الغرب ويقول كلمته كلها.
وكان قرار التفرغ ضرورة وفي مصر أيضا وليس خارجها، كان قراري ليس إقامة معارض فحسب ولكن إقامة عروض فنية وكان هذا الأمر يعتبر جديدا بالنسبة لما حدث في العشرين سنة الأخيرة حتى عام 1980 يوم اخترت بداية عروضي الفنية بالقاهرة.
هذا إذا استثنينا ما قام به السورياليون المصريون بقيادة جناحي التجربة الأكثر وعياً جورج حنين ورمسيس يونان وبمعاونة آخرين، كانت الحركة التشكيلية التي عاصرتها تنقصها العروض الفنية بمعنى أن يكون للوحة دور وللشعر دور وللموسيقى دور.
كل هذا متجاور متحاور نابض في عروض يقدمها ويخدمها المستنسخ الملون جيد الطباعة كضرورة حتمية تاريخية لوصول اللوحة إلى بيوت غير القادرين.
بعد كل هذه الرحلة التي أسفرت عن ثلاثين معرضا عبر عشرين عاما كان لا بد لهذا الجهد أن يتوقف ليلتقط أنفاسه، ويقدم عرضا شاملا استعاديا شاهدا ومعطيات للملتقي جرعة وافية سواء كان هذا للاستمتاع أو للدراسة أو لتقديم ما رأيته في رحلتي الباريسية الأولى التي استمرت أكثر من عشر سنوات حيث كان معرض 'فرناند ليجيه' الشامل والذي أثارني حتى الثمالة والذي جعلني أحلم بإقامة معرض الألف لوحة منذ ثلاثين سنة بالتمام والكمال وقد حدث.
هل ـ على نحو ما تحدثت ـ تم تجاوز هؤلاء الرواد الذين تحدثت عنهم، وكيف تصف نفسك بأنك العقل الثاني للحركة التشكيلية المصرية؟
تريد أن تتحدث عن التجاوز أم عن التجاور؟
أنا من ناحيتي لا يمكنني النظر إلى هذه المرحلة باعتبار مفاهيم التجاوز فالطفولة غير الصبا، غير الكهولة، وأنا أخشى استخدام كلمة تجاوز بمعنى أن هناك أدواراً ترتبط بزمن حدوثها بشكل أو بآخر.
بالضرورة الفن يتجاوز زمن حدوثه، اقصد الفن الحقيقي، حينئذ أخاف من استخدام كلمة اللوحة الراهنة باعتبارها تجاوزاً للآخرين، لكن تكرار التجربة مرفوض بالكامل وما أبدعته لم يكن مسوقا وهو أحد شروط الفن وعليك أن تتذكر أنه عندما قدم إلينا صلاح عبدالصبور مشروعه الشعري خلف مقلدين لا حصر لهم، ولكن التاريخ لم يذكر ولن يذكر واحدا منهم، إذن تكرار الصوت لن يفيد الفن، والصوت المغاير هو الذي يجب أن يطرح سؤال زمنه الجديد وهو لا يمكن أن يقارن بسابقه وعليك أن تذكر أن العامة يقولون 'أن مخترع الإبرة قد يكون أهم من مخترع الماكينة'.
فكرة الخداع والإيهام في الفن، التي تتجلى بوجود الأشكال المجسمة هي بنت التأثيرية التي تعتمد على لمسات الفرشاة المتجاورة والسريعة والمنفصلة وهو بداية ثورة

الفن الحديث هل تعتقد أن الولاء للأسلوب أو الشكل سيتتبع قطع كل علاقة مع الأساليب الأخرى؟
أنا لا أتصور ذلك لأنني لا أتصور أن هناك أسلوبا تجاوز الآخر، لأنني أيضا أعتقد بشكل مطلق بأن الشكل والمضمون لحمة واحدة يلد احدهما الآخر، ولا تستطيع أن تضع يدك على بداية الشكل أو بداية المضمون أو أين ينتهي الشكل وأين ينتهي المضمون، والفنان يتراوح بين الصعود والهبوط والتمثيلات والينابيع والروافد، لكنه يظل يملك فرادته والينابيع والروافد، لكنه يظل يملك فرادته ووحدته.
انظر إلى أعمالي مثلا وستجد أن لوحة الجسد مثل الطائر، والسيدة مغايرة تماما للوحات السمكة 2000، وهما مغايران للوحات المتجردات حيث 'المودل' حاضرة، ناهيك عن شهادات الغضب وهي مجموعة الأم.
لكنك ستقول أبدا أمام لوحتي أن روح الفنان تنبض على سطح العمل تعطيه شخصيته لكن العمل لن يقع في مقبرة 'الأسلبة' حيث يتحول أسلوب الفنان الى ميثاق له قوانينه الأكاديمية التي تتحول بدورها ـ مع تكرارها إلى المدرسية ـ والتي ستقع في برودة وصقيع النمط ثم المقبرة حيث الموت للعمل الفني، واستطيع التأكيد على أن التأثيرية تتجاوز إلى جانب أساليب أخرى في كل الأعمال الفنية المتمايزة وكل تجاوز في الفن ليس نفيا لسابقه، ولاحظ أن ذلك يبدو واضحا في الفن فقط.
لكن ثمة اعتقادا ساد في مصر في النصف الثاني من القرن الماضي بأن التجريدية هي المحطة الأخيرة في الفن، ولأنها مدرسة تعتمد على الفكرة وليس على التقنية فقد انتهبها غير الموهوبين، ما رأيك في ذلك؟
الاعتقاد الذي تشير إليه صحيح، لكنني لا يمكن أن أصدق ذلك، ولا أتصور أن أدين له في لحظة من اللحظات، أنا لم أكن أعرف أن السمكات الألف التي رسمتها قد ولدت عام 2000، ولم أعرضها حتى الآن، وعندما أقدمت على تسجيلها لم أكن اعرف كيف ارسمها ولكنها أملت اسلوبها وشكل أدائها ولن أحدثك عن شكل رعشة المياه التي رأيناها معا سواء كنا نربي السمكة أو نلمسها بأيدينا.
ارتعش سطح اللوحة وأعطى ما لم أكن أعرفه، وكلما استمر وجود الإنسان ولد الجديد في الفن وفي التشكيل وفي كل شيء، وقد طبعت مرة ـ على كتالوغ عام 1983 ـ أن 'الفنان هادم لقانون، خالق لقانون، أبدا'، حتى ان استقرار القانون داخل أعمال الفنان يقتل عمله، فعليه إذن هدم القانون وخلق القانون الجديد حتى تنتهي الحياة حتى يرتاح في الأبدية.
ألا تتذكر أنني قلت 'الكل باطل الأباطيل والفن ليس قبض ريح' أنا كنت ضد التوارة، وأعتقد فيما أقول.
إلى أي مدى أسهم الفكر التشكيلي الأوروبي في رفد التشكيل المصري وأثر عليه، وإلى أي مدى تم تجاوز هذه التأثيرات؟
القضية التي تطرحها عليَّ تجعلني أفكر في كلمة التقليد والخلف مرة أخرى، واستطيع الجزم بأن أي تقليد مصيره سلال القمامة، بينما كل جديد سيحفظه التاريخ فناً خالداً.
وقد يكون التقليد لتراث شعبي له علاقة بالمكان لكنه سيظل تقليدا، فالتقليد ليس قاصرا على النمط الأوروبي، فالتقليد واحد رغم كل المقولات الخادعة مثل استعادة الفن المصري القديم أو القبطي أو الإسلامي هذه كلها أدوية بالية لتغطية البضاعة الفاسدة، شأنها شأن النقل عن أوروبا.
وعليَّ ـ في جميع الحالات ـ أن أتعامل مع التراث الإنساني بدرجة عالية من الموضوعية والرغبة في التواصل، على أن يكون عليَّ بعد ذلك هضم هذا التراث وتحويله إلى جينات خاصة، تتواءم مع أسئلتي الإنسانية وفي هذا الحال لن تنقطع صلتي بالقديم ولن يحول ذلك في نفس الوقت من اجتهادات الكشوف الجديدة.
إذا كانت هناك ضرورة للاعتراف برفد الفن الأوروبي للفن المصري فإنني في نفس الوقت أؤكد لك أن المقلد للقديم مثله مثل المقلد للجديد تماما، والوافد مثل الموروث في هذا الموقف.
اطلب منك ذكر بعض الأمثلة؟
تقصد بعض الأسماء للتدليل؟
إذا كنت تقصد ذلك، فأنا لن أفعلها أبدا، أخلاقي الفنية تمنعني ودعني أقول لك عملاق الأقزام قزم أيضا، ومنازلة الصغار مضيعة للفن.
عندما نتوقف أمام عبارة تقول أن عمر التشكيل المصري مئة عام فقط، هل نعني بالضرورة نفي التاريخ الحضاري التشكيلي السابق على ذلك بآلاف السنين؟
هناك ـ لا شك ـ انقطاعات حدثت لكن ليس معنى ذلك أن هذه العلامات التي تركها فنانون كبار مثل محمود سعيد أو حامد عبدالله أو رمسيس يونان أو عدلي رزق الله تضع نفسها موضع مقارنة بأي شكل من الأشكال مع الفن المصري القديم الذي استمر سبعين قرنا أو يزيد، والفن المصري في عصوره المختلفة ـ العصر القبطي والإسلامي ـ وإن كنت لا أحسب نسبة الفن للديانة، إلا أن هذه الفنون استمرت قرونا، وكل هذه القرون أثمرت فنا عظيما دام وسيدوم ونتمنى أن تدوم أعمالنا لتتجاور مع هذه الفنون، وهذه هي الحقيقة.
ولعلي أجد أطياف الفرعون في مجموعة المعبد في أعمالي، فلمسة الضوء على رقبة تمثال مصري قديم ترقد في عيني احيانا على سطح أبيض في لوحتي.
التكنولوجيا المعاصرة في تخليق المواد والإضاءات أدت إلى اختلاط الأجناس التشكيلية والتعبيرية، فهل ساهمت التكنولوجيا في تطوير الفن، أم ساهمت التكنولوجيا في تطوير الفن، أم ساهمت في نفي الفنان الصانع؟
من حق الفن أن يرتاد ما لا نعرفه مسبقا، ليست هناك محظورات في الفن، لكن يجب أن يكون هذا الفن صادقا ومعبرا عن حالة حقيقية وليس تقلـــيدا لصيحة في الغرب، فلا تستطيع كل القيم الفنية صنع لوحة بينما في اللوحة كل القيم الفنية.
والفن ليس هو الصواب بل يوجد الفن في الخطأ أيضا، ومهما كان دور الدور الأول في الفن، أقصد الفنان الفرد بنبضه الخاص، ولن يستطيع الكمبيوتر مثلا ـ مهما أعطوه من موسيقى ـ أن يؤلف أوبرا، أو أن يقوم بدور الإنسان، والخطأ العظيم له دور في الفن.
تشيع وزارة الثقافة في مصر أن إنفاقاتها على الفن التشكيلي فاقت كل التصورات كما لم يحدث من قبل. ما مدى صحة ذلك، وهل استطاعت المؤسسة أن ترتقي فعلا بالذائقة المصرية للمواطن العام؟
أنا لا أرى أن هناك انفراجة أو إنفاقات على الفن التشكيلي كما يجب أن يكون لكن ـ وإقرارا للحق ـ حدث في العشر سنوات الأخيرة مجهود لا بأس به في إقامة قاعات العرض ومحاولة تجديد أو إقامة بعض المتاحف الجادة والجديدة، ولا زال أمامنا الكثير خاصة أن متحف الفن الحديث مثلا يحتاج إلى الكثير من العون وهو متحف شديد الأهمية بالنسبة لدارس الفن أو للمتذوقين من عامة الناس، وعندما تدخل هذا المتحف مثلا تجد عددا من الأواني فسفورية الألوان لا تمت للفن بصلة، ومن المضحك أو المبكي حقا أن يكون هذا أمام متحف يتكدس باطنه بآلاف القطع من الفن المصري القديم، بالله عليك كيف ترى هذا؟!
وأنا في ذلك لا أعول على المؤسسة وحدها، فلا بد من توافر الوعي أولا ودعني أكررها عشرات المرات.
 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي