
لندن- لا يمثل فوز المحامي ورجل الأعمال اليميني أبيلاردو دي لاسبيريا برئاسة كولومبيا مجرد تحول سياسي محلي، بل يأتي ضمن موجة إقليمية أوسع عززت نفوذ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أمريكا اللاتينية، بعد سلسلة انتصارات لمرشحين محافظين يتبنون سياسات أمنية صارمة وعلاقات وثيقة مع واشنطن.
وفاز دي لاسبيريا، الذي يلقب نفسه بـ"النمر"، في انتخابات تنافسية متعهدا بمحاربة الجريمة بـ"قبضة من حديد"، وزيادة الإنفاق العسكري، وبناء سجون شديدة الحراسة، واستهداف قادة عصابات المخدرات خلال الأشهر الأولى من ولايته. كما أعلن عزمه الانضمام لتحالف أمني إقليمي تقوده واشنطن لمكافحة الكارتلات عبر تعزيز الطابع العسكري لقوات الأمن.
وبحسب تقرير في صحيفة تلغراف بقلم ليلي شاناغر، فإن هذا النموذج السياسي بات يتكرر في أنحاء القارة، حيث تمكن حلفاء ترمب من الفوز بجميع الانتخابات الرئاسية التي أجريت منذ عودته إلى البيت الأبيض، مستفيدين من تصاعد الغضب الشعبي تجاه الجريمة والفساد والأوضاع الاقتصادية، ومن تراجع شعبية الحكومات اليسارية التي هيمنت على أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية خلال العقدين الماضيين.
هيمنة أمريكية
ويرى التقرير أن ترمب لم يخف طموحه لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي، من خلال دعم حكومات يمينية تتبنى اقتصاد السوق، وتمنح واشنطن وصولا أوسع إلى الموارد الطبيعية، مقابل التعاون الأمني والدعم السياسي.
وينقل التقرير عن جون فيلي، السفير الأمريكي السابق لدى بنما، قوله إن اهتمام ترمب بالمنطقة يتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية، ويرتكز على النفط والذهب والمعادن الإستراتيجية، معتبرا أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى فرض نفوذ مباشر يخدم المصالح التجارية والاقتصادية الأمريكية، حتى إنه استخدم منصاته للتأثير علنا في السياسة الداخلية لدول أخرى، وهو تطور غير مسبوق في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.
ويضيف التقرير أن الخطاب الأمني المتشدد أصبح القاسم المشترك بين العديد من القادة الجدد. ففي بيرو، فازت كيكو فوجيموري بعد حملة ركزت على مكافحة الجريمة وتعزيز التعاون مع أمريكا، بينما وصلت لورا فرنانديز ديلغادو إلى رئاسة كوستاريكا متعهدة بشن "حرب صارمة" على الجريمة المنظمة وتعميق الشراكة مع واشنطن.
وفي الإكوادور، يواصل الرئيس دانييل نوبوا توثيق تعاونه مع الولايات المتحدة عبر شراكات أمنية لمكافحة ما يسميه "إرهاب المخدرات"، إلى جانب فتح المجال أمام استثمارات في قطاع التعدين، بينما أعادت بوليفيا استقبال عناصر إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بعد سنوات من القطيعة.
يقول جون فيلي، السفير الأمريكي السابق لدى بنما، إن اهتمام ترمب بمنطقة أمريكا اللاتينية يتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية، ويرتكز على النفط والذهب والمعادن الإستراتيجية.
تأييد اليمين
ويشير التقرير إلى أن واشنطن تستعد للاستفادة من هذا التحول السياسي عبر توسيع تعاونها العسكري مع الحكومات الجديدة. ووفقا لمصادر تحدثت إلى تلغراف، قد تشهد كولومبيا خلال المرحلة المقبلة عمليات أمريكية تستهدف معاقل إنتاج الكوكايين وقادة الكارتلات، بعد أن لوح ترمب سابقا باستخدام القوة العسكرية ضد شبكات تهريب المخدرات.
وتوضح الكاتبة أن هذا التحول يتزامن مع ارتفاع التأييد الشعبي لسياسات اليمين في المنطقة، مدفوعا بما يسميه فيلي "تصويت العقاب"، إذ فقد كثير من المواطنين ثقتهم في الحكومات التي أخفقت، من وجهة نظرهم، في توفير الأمن ومواجهة العصابات والجريمة المنظمة.
وفي المقابل، يحذر التقرير من أن تشديد القبضة الأمنية قد يؤدي إلى تصعيد العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، مع احتمال رد الجماعات المسلحة بقوة على السياسات الجديدة، خصوصا في دول مثل كولومبيا.
ويخلص تقرير تلغراف إلى أن إدارة ترمب تنظر إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها ساحة إستراتيجية لاستعادة النفوذ الأمريكي ومنافسة الصين، عبر الجمع بين التعاون الأمني، وتوسيع الاستثمارات، وضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية، في إطار رؤية تعتبر أن ازدهار أمريكا يبدأ من تعزيز هيمنتها داخل نصف الكرة الغربي.