ميديابارت: لماذا يستعصي التوتر بين فرنسا والجزائر على الحل؟

2026-06-30 | منذ 1 ساعة

ويُذكِّر “ميديابارت” أن العلاقات بين باريس والجزائر قد تعرضت مؤخرًا لزلزال كاد يقود إلى قطيعة دبلوماسية، عقب اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون في أكتوبر عام 2024 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية (ا ف ب)توقف موقع “ميديابارت” الفرنسي عند واقع العلاقات الفرنسية الجزائرية بعد مرور عام كامل على سجن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز في الجزائر، وهي قضية أصبحت رمزًا للأزمة التي ترسخت بين باريس والجزائر، حيث تتأرجح العلاقات بين الواقعية الدبلوماسية وثقل الإرث التاريخي والسياسي، بل وحتى الحسابات الانتخابية، يقول الموقع الاستقصائي الفرنسي، مستبعدا أن تبلغ العلاقات بين البلدين حالة الاستقرار قريبًا.

فبعد نحو خمسة أشهر من زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر، والتي قُدمت حينها على أنها بداية نهاية واحدة من أعمق الأزمات في العلاقات الفرنسية-الجزائرية، ما تزال مؤشرات العودة إلى الوضع الطبيعي غائبة. وما يزال المشهد الدبلوماسي بين البلدين يطغى عليه جو من البرودة، حيث يبدو أن التوتر ما زال يتفوق على أي بوادر انفراج حقيقي. فلماذا يستمر الجمود؟ يتساءل “ميديابارت”.

ينقل الموقع عن دبلوماسي فرنسي متقاعد، قوله بنبرة يائسة، إن طرح هذا السؤال يعكس سوء فهم لطبيعة هذه العلاقة الخاصة. ويضيف: “مع المغرب، إما أن تكون الأمور سوداء أو بيضاء. فعندما تستأنف العلاقات بعد أزمة، تعود بسرعة وبقوة. أما مع الجزائر، فاللون الرمادي حاضر دائمًا. ويجب في كل مرة إعطاء الوقت للوقت، الكثير من الوقت”.

ويُذكِّر “ميديابارت” أن العلاقات بين باريس والجزائر قد تعرضت مؤخرًا لزلزال كاد يقود إلى قطيعة دبلوماسية، عقب اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون في أكتوبر عام 2024 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، خلال خطاب أمام نواب مغاربة استقبلوه بتصفيق حار. هذا القرار الفرنسي تجاه الرباط أعاد إلى الواجهة جملة من الملفات الحساسة التي كانت الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا تحاول إخفاءها، وعلى رأسها الإرث الاستعماري والذاكرة التاريخية، إضافة إلى ملف الهجرة، ولا سيما مسألة أوامر مغادرة الأراضي الفرنسية للمهاجرين الجزائريين.

وفي خلفية هذا المشهد، تبرز قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون منذ عام في الجزائر رغم النداءات المتكررة للإفراج عنه، وقد عبَّر المدير العام لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، تيبو بروتان، عن أسفه لأن كأس العالم لكرة القدم تُقام “بمقعد فارغ يحمل اسمه في منصة الصحافة، في حين أن اعتماده الرسمي يذكر بأن مكانه الطبيعي هو في الملاعب، بين الصحافيين الذين يغطون الحدث، وليس داخل زنزانة”. وتأمل عائلته في إطلاق سراحه، خاصة بعد أن سحب استئنافه أمام محكمة النقض في منتصف شهر مارس المنصرم، على أمل الحصول على عفو رئاسي.

كما تعلّق الأسرة آمالها على التغير النسبي في نبرة الخطاب بين فرنسا والجزائر، بعد أقل من عامين على اندلاع الأزمة. ففي الآونة الأخيرة، عاد خطاب التسوية ليظهر من جديد، بل بدا أنه يتفوق على خطاب التوتر. ويتجلى ذلك في نشاط دبلوماسي وسياسي مكثف بين البلدين.

حراك دبلوماسي وسياسي

إلى جانب زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز شهر فبراير الماضي، شاركت الوزيرة الفرنسية المكلفة بشؤون الجيوش، أليس روفو، يوم الـ 8 مايو بمدينة سطيف في إحياء ذكرى المجازر التي ارتكبتها القوات الاستعمارية قبل 81 عامًا في سطيف وقالمة وخراطة، وهو حدث تاريخي يمثل أول مشاركة لعضو في الحكومة الفرنسية في هذه المناسبة.

وبعد عشرة أيام من ذلك، قام وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بزيارة رسمية إلى الجزائر شملت قصر المرادية، مقر الرئاسة الجزائرية، حيث استقبله الرئيس عبد المجيد تبون. وذكرت مصادر رسمية أن المحادثات تناولت “التعاون القضائي، وتسليم المطلوبين، والآليات القانونية لتسهيل العلاقات الإدارية بين البلدين”.

ومن الجانب الجزائري، أُوفد وزير الداخلية سعيد سعيود إلى باريس يوم الأول من يونيو، حيث التقى نظيره الفرنسي، كما اجتمع بالرئيس إيمانويل ماكرون.

وإلى جانب هذا الحراك، برزت زيارات متكررة لسيغولين روايال، التي تحركت بصفة أقل سياسية وأكثر جمعوية، بصفتها رئيسة جمعية “فرنسا-الجزائر”. وبعد لقائها بالرئيس تبون، زارت سجن القليعة غرب الجزائر، حيث التقت بالصحافي كريستوف غليز.

حتى الرئيس ماكرون نفسه دخل على خط التهدئة. ففي زيارة ميدانية له إلى إحدى المستشفيات يوم الـ 27 أبريل، انتقد ظروف عمل الأطباء الأجانب، مشيرًا إلى أن 38.8% من الأطباء المسجلين في فرنسا تخرجوا من الجزائر، واصفًا من يدعون إلى القطيعة مع الجزائر بـ”المجانين”.

وقد كان هذا التصريح موجّهًا بشكل مباشر إلى وزير الداخلية السابق برونو روتايو، الذي رد سريعًا ببيان قال فيه: “مواجهة المشكلات الحقيقية والتحلي بالشجاعة والصرامة لحماية الفرنسيين وضمان احترام فرنسا، هو دور رئيس الجمهورية”.

ورغم هذه التحركات، – يوضح “ميديابارت”- ما يزال التقارب يواجه صعوبات في الترسخ بشكل دائم. وتقول الباحثة السياسية خديجة محسن-فنان: “التعاون الأمني عاد، والعلاقات الاقتصادية استؤنفت، والتنسيق بين الحكومتين قائم من جديد، والمفاوضات مستمرة. لكن لا تزال هناك توترات يصعب تفسيرها”.

وتضيف أن السبب يعود إلى الطبقة السياسية في البلدين، موضحة: “نحن في فترة ما قبل الانتخابات: رئاسية في فرنسا وتشريعية في الجزائر. وفي مثل هذه الفترات، تتصاعد الخطابات الحادة وتبرز القضايا التعبوية”.

“الثقة مكسورة”

في فرنسا، أطلق مرشح حزب “الجمهوريون” للانتخابات الرئاسية 2027، برونو روتايو، حملته يوم الـ 20 يونيو في متنزه “بارك فلورال” بباريس، بحضور الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال، حيث طغى الخطاب المعادي للنظام الجزائري.

وأعلن صنصال أنه سيصوت “على الأرجح” لصالح روتايو، وقال خلال التجمع إنه عندما كان مسجونًا في الجزائر بين نوفمبر عام 2024 ونوفمبر عام 2025، “برز اسم واحد داخل السجن وأصبح مشهورًا فورًا، بل تحول إلى بطل في جميع السجون الجزائرية، وكان اسمه برونو روتايو، لأنه كان يواجه النظام”.

في المقابل، ومع اقتراب الانتخابات التشريعية في الجزائر، يتصاعد الخطاب الوطني المرتكز على الذاكرة التاريخية، والذي أصبح أداة تعبئة سياسية.

وفي هذا السياق، اعتبر الدبلوماسي ووزير الاتصال السابق عبد العزيز رحابي، في مقابلة مع قناة “فرانس 24” بتاريخ 12 يونيو، أن الرئيس ماكرون “جزّأ” ملف الذاكرة، من خلال معالجته بشكل انتقائي، دون مقاربة شاملة.

كما ربط رحابي ذلك بقضية الصحراء الغربية، مؤكدًا أن اعتراف ماكرون بسيادة المغرب على الإقليم “تجاوز حتى ما كان يطلبه المغاربة”، مضيفًا أن هذا الموقف يتعارض مع المصالح الدبلوماسية للجزائر، ليخلص إلى أن “الثقة مكسورة بين رئيسي البلدين بشأن هذه القضية”.

ويبقى السؤال مطروحًا: إلى متى ستستمر هذه العلاقة المتأرجحة بين فترات انفراج وتوتر خفي، تؤثر على مسار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؟ يتساءل “ميديابارت”. ش

وربما لا توجد عبارة تلخص طبيعة العلاقات الفرنسية-الجزائرية أفضل من قول الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين عام 1974 “العلاقات بين فرنسا والجزائر يمكن أن تكون جيدة أو سيئة، لكنها لا يمكن أن تكون عادية”، يختتم “ميديابارت”.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي