ذي أتلانتك: ترامب حوّل الشعب الأمريكي إلى روبوت بدون برمجة أو ذاكرة ويدور في حلقة مفرغة

2026-06-25 | منذ 1 ساعة

الرئيس الاريكي دونالد ترامب (ا ف ب)قال توم نيكولز في مجلة “ذي أتلانتك” إن تراجع الرئيس دونالد ترامب المخزي بشأن إيران يكشف عن أن السياسة الخارجية الأمريكية تدور حول رجل واحد. وقال الكاتب إن ترامب لا يعتقد أنه استسلم أمام إيران، فالاستسلام هو تخلٍ عن مبادئ جوهرية، أما هو فلا يملك أيا منها. وبالنسبة له، فإيران هي مجرد صفقة أخرى، ولكن بالنسبة للأمريكيين فالأمر أخطر.

وقال نيكولز إن كل شيء في إدارة ترامب يبدو وكأنه فكرة غير منطقية لمسلسل تلفزيوني، إذ يزخر بالعديد من الحبكات الغريبة والتحولات غير المتوقعة، لدرجة أن أكثر المنتجين إبداعا سيرفض معظمها، لكن لا شيء يشبه “الحرب الإيرانية” كحبكة فرعية خارجة عن المألوف تحير العقل: عملية عسكرية ضخمة بدأت بوعود مدوية بتغيير النظام في طهران وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تتلاشى الآن مع وقوف نائب الرئيس جيه دي فانس مكتوف الأيدي في سويسرا، بينما إيران، التي لا تزال تواجه تحديات داخلية، تطالب بمزيد من الإصلاحات.

فالتناقضات حادة للغاية والنتائج سخيفة لدرجة أن أي كاتب سيناريو عاقل لن يحاول تسويق أي من هذا كقصة متماسكة.

فقبل أربعة أشهر، وعد ترامب الشعب الإيراني بأنه سيقصف حكامهم لإخراجهم من السلطة، وأنه بمجرد أن ينقشع الدخان سيتمكنون من انتزاع حكومتهم من الملالي الذين حكموهم منذ عام 1979. وسيحصل هو على لقب “محرر الفرس الممجد”.

وقد حاول بعض في دائرة ترامب المقربة تخفيف حماسته، لكن المجد مغر، وكان ترامب مصمما على المضي قدما، ففي مقطع فيديو نشر خلال الليلة الأولى من بدء القصف، أكد ترامب أن النظام الإيراني لن يُسمح له أبدا بالحصول على سلاح نووي. لكن الجزء الأخير من الرسالة أوحى بأن تجاوزات إيران الماضية وطموحاتها المستقبلية لا تغير شيئا: فالنظام سيزول.

وقال في رسالة بدء الحرب للشعب الإيراني: “حان الوقت الآن لتولي زمام مصيركم وإطلاق العنان لمستقبل مزدهر ومجيد بات في متناول يدكم. هذه هي لحظة العمل”.

وبالطبع، لم يسقط النظام، وسرعان ما بدأت الإدارة الأمريكية تبحث عن أهداف جديدة. بدأ ترامب ومساعدوه في استعراض مجموعة من التفسيرات للحرب، بما في ذلك الإرهاب والأسلحة النووية، وحتى مشيئة الله.

ومن جانبه، بدأ ترامب ينكر أن تغيير النظام كان هدفا على الإطلاق، “لم أهتم أبدا بتغيير النظام”، كما قال قبل أسابيع، بينما أكد في الوقت نفسه أنه قد أحدث تغييرا في النظام بالفعل بقتله العديد من كبار القادة الإيرانيين.

وتخلى ترامب منذ ذلك الحين حتى عن تلك الحجة: فهو يتفاوض مع أعضاء النظام الإيراني نفسه الذي كان موجودا قبل أربعة أشهر، لكن ترامب يصفهم الآن بأنهم “أشخاص عقلانيون للغاية” و”من الجيد التعامل معهم”، و”غير متطرفين”، و”كما تعلمون، يتطلعون إلى مساعدة بلادهم”.

ثم بدأ ترامب في عملية تخل مذهل مماثل عن أهدافه الحربية المعلنة الأخرى. ولأسابيع، ادعى ترامب أن القدرات الصاروخية الإيرانية، الترسانة التي تقلق إسرائيل ودول الخليج بحق، قد “دمرت”، مثل الكثير من القدرات الأخرى في إيران. لكن اتضح أن إيران تمكنت من الحفاظ على الجزء الأكبر من قواتها الصاروخية، إلى جانب الطائرات المسيرة التي تهدد مضيق هرمز. لذا، سرعان ما تحول ترامب من تدمير الصواريخ إلى تبرير وجودها. فإيران، كما يرى، يجب أن تمتلك صواريخ، فالجميع يمتلكها في نهاية المطاف.

وقال أثناء وجوده في فرنسا قبل أكثر من أسبوع: “أعني، لا بد أن يمتلكوا بعضها، لأن الآخرين يمتلكونها. لا بد أن يكون لديك بعضها”. وأضاف الرئيس: “الصواريخ ليست هي المشكلة”. وبمقارنة الصواريخ بالأسلحة النووية، قال ترامب: “الصواريخ تلحق ضررا بسيطا، لكنها لا تفجر الكوكب”.

ثم انتقد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعمليته في لبنان. وقال أوائل حزيران/يونيو إن نتنياهو “شخص صعب المراس، وبصراحة، عليه أن يكون ممتنا لنا جدا على ما فعلناه”. ويفسر نيكولز كلام ترامب بأنه موقف يصب عمليا في مصلحة إيران، ويقول للإسرائيليين إن عليهم التوقف عن الرد على حزب الله.

وبينما كان الأمريكيون يشنون حربا على إيران جوا وبحرا، انتهج الإيرانيون استراتيجية غير متكافئة وأغلقوا مضيق هرمز، وهو أمر كان متوقعا من أي متابع للأحداث، باستثناء ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث.

ولم ينج النظام الإيراني فقط، بل بات يمتلك تأثيرا أكبر على الاقتصاد العالمي عبر السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية. وبناء على ذلك، أضاف ترامب هدفا جديدا للحرب، معلنا أن أمريكا ستجبره على إعادة فتح المضيق أمام الجميع، دون أي رسوم أو ضرائب أو أي شيء آخر يذهب إلى النظام الظالم في طهران.

وقال ترامب إن المضيق، الذي كان بالطبع مجانيا قبل الحرب، سيظل “مجانيا بشكل دائم”. ولكن ليس بهذه السرعة. قبل أيام، أعلنت إيران وعُمان عن تشكيل فريق عمل لـ”إدارة الملاحة في مضيق هرمز مستقبلا، والخدمات التي ستقدم في هذا الشأن، والتكاليف المرتبطة بها وفقا للمعايير الدولية”. ولا يزال العمانيون متمسكين بموقف ترامب بأن المرور سيكون مجانيا، لكن الإيرانيين يؤكدون فعليا سيطرتهم على المضيق، وهو مستوى من التحكم في الممر المائي لم يكن لديهم قبل أربعة أشهر، ويبدو أن ترامب غير مدرك أو غير مكترث لما يحدث.

وهكذا أيضا، تبددت فكرة إمكانية إبقاء النظام الإيراني في قفصه بقصفه حتى إفقاره. في بداية الحرب، تباهى ترامب ومساعدوه بأن إيران “تباد” و”تدمر” وغيرها من المصطلحات التي لا تعكس الواقع على الأرض. ورغم أن إيران تكبدت أضرارا جسيمة في جيشها وبنيتها التحتية، إلا أنها على وشك الحصول على دعم مالي ضخم لمساعدتها على النهوض من جديد.

ويبدو أن ترامب قد تقبل الآن شرط حصول إيران على نحو 300 مليار دولار، كجزء من برنامج إعادة الإعمار. وللتوضيح: فقد انتهت حرب للقضاء على ديكتاتورية دينية داعمة للإرهاب بموافقة الرئيس على خطة إقليمية لإعادة بناء تلك الديكتاتورية بمليارات الدولارات التي لن يسيطر عليها سوى رجال الدين والحرس الثوري.

وعندما تمت مواجهة ترامب بهذا الأمر، لجأ إلى الادعاء السخيف بأن الإيرانيين كانوا على مسافة “أسبوعين” من تطوير سلاح نووي.

ولكن لم يكون الإيرانيون كذلك. فلم يقدم ترامب ولا أي شخص آخر دليلا على أن إيران كانت تطور سلاحا نوويا.

مع ذلك، فلنسلم بأن إيران كانت أقرب إلى امتلاك قنبلة نووية مما يمكن لأمريكا تحمله. ويفترض أن هذا البرنامج قد دمر أو “أبيد” الصيف الماضي. قبل أسابيع، طالب ترامب بتسليم جميع “الغبار النووي”، وهو مصطلح غريب يستخدمه لوصف المواد الانشطارية، إلى الولايات المتحدة. بل إنه فكر في عملية لدخول إيران واستعادة هذا الغبار، وهي فكرة كارثية أقنعه مستشاروه، وللمرة الأولى، بالعدول عنها.

الحرب، كما كتب المنظر العسكري البروسي العظيم كارل فون كلاوزفيتز، هي عمل عنف لإجبار العدو على الخضوع لإرادتنا. الإيرانيون هم من يفرضون إرادتهم علينا، مما يوحي بأن إيران قد انتصرت في هذه الحرب، وترامب يقبل شروط المنتصر. يبقى السؤال: لماذا يتخلى بهذه السرعة عن الأهداف القصوى التي التزم بها في بداية الصراع؟

الجواب هو أن ترامب انتهازي بحت، ولا يظهر أي مبادئ توجيهية سوى مصلحته الشخصية. فكما يتخلى ترامب عن أصدقائه وحلفائه إذا أصبحوا مصدر إزعاج أو عبئا، ومعلنا كما هو معهود عنه أنه لم يكن يحبهم أصلا، يتخلى الرئيس أيضا عن السياسات والمبادرات للسبب نفسه تقريبا. فإذا بدا أن شيئا ما سيعود عليه بالنفع بطريقة أو بأخرى فسيفعله. وإذا ساءت الأمور، فسيفعل أي شيء للخروج منها، بغض النظر عن التكاليف التي يتكبدها الآخرون.

ومن هنا، فإن سطحية ترامب تعني أن الولايات المتحدة لا تملك سياسة خارجية حقيقية. فالأمة الأمريكية، بكل مواردها الاقتصادية والعسكرية الهائلة، أصبحت الآن أشبه بروبوت ضخم حذفت برمجته ومحيت ذاكرته. ترامب، المالك الجديد الذي لم يكلف نفسه عناء قراءة التعليمات، يعبث بمقابض جهاز التحكم عن بعد، ويدير الأقراص ويضغط على الأزرار، بينما تتخبط الولايات المتحدة الأمريكية العملاقة والقوية وتدور في حلقات مفرغة، تصطدم بالجدران، وتحطم الأشياء، بلا هدف أو غاية.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي