
الخرطوم- عندما استيقظ فوزي عبد الباقي محمد أنور في مدينة الطينة التشادية، اكتشف أن وجهه محروق، وأن عينه اليمنى لم تعد موجودة، جرّاء إصابته بضربة من طائرة مسيّرة في الجانب السوداني من المدينة الحدودية.
وتعرّض الشاب البالغ 18 عاما للضربة صباح العاشر من حزيران/يونيو، حين كان يرعى ماشية عائلته في منطقة تقع شمال شرق الطينة السودانية، ولا تزال خارج سيطرة قوات الدعم السريع.
بعد ثماني ساعات، وجد نفسه في مستشفى في المدينة التشادية التي تحمل الاسم نفسه، ويداه محروقتان ومضمدتان، وكان ابن عمه البالغ 15 عاما تاج الدين محمد أنور، إلى جوار سريره.
وأدت الحرب الدائرة منذ نيسان/أبريل 2023 في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى مقتل أكثر من 11 ألف مدني، وتسببت بنزوح أكثر من 15 مليونا بحسب الأمم لمتحدة.
- أكثر من ألف قتيل -
روى تاج الدين الذي غزت الحروق جزءا كبيرا من وجهه أن ابن عمه الآخر الذي لم يكن يتجاوز السادسة عشرة قُتل على الفور.
وقال الشاب الذي كان يرتدي جلابية بيضاء "لا أفهم لماذا استُهدفنا. لم نكن نحمل أي أسلحة".
وبعد أن أمضى تاج الدين أربعة أيام في المستشفى، خرج برفقة عمه سليمان حجار أنور البالغ 27 عاما، والذي لم يساوره أي شك في الجهة المسؤولة عن الهجوم.
وقال الشاب الذي كان يضع الكدمول الأبيض الطويل، وهو وشاح يلفه سكان المنطقة حول رؤوسهم "بما أن العالم لا يولي ما يحدث في السودان اهتماما، تستغل قوات الدعم السريع ذلك لتتصرف كالإرهابيين من خلال استهداف المدنيين".
وقدّرت مفوضيّة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان عدد المدنيين الذين قُتِلوا في ضربات بطائرات مسيّرة في السودان خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية بأكثر من ألف.
وتركّز قوات الدعم السريع على استهداف أبناء قبيلة الزغاوة التي تشكّل الغالبية الإثنية في إقليم دارفور في غرب السودان.
ولاحظت منظمة "المركز العالمي لمسؤولية الحماية" غير الحكومية الأسبوع المنصرم أن "التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة غيّر بصورة جذرية المشهد الأمني في السودان".
وشرحت أن "هذه الضربات تصاعدت في الأشهر الأخيرة بشكل كبير وأظهرت دقة متزايدة في استهداف الأماكن المدنية، ومنها الأسواق والأحياء السكنية والمستشفيات والبنى التحتية المدنية الأساسية".
وأفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن "الضربات بالطائرات المسيّرة تكثفت منذ مطلع أيار/مايو حول مدينة الطينة الواقعة في الجانب السوداني من الحدود بين تشاد والسودان".
وقد أدّى ذلك إلى تدفق جرحى هذه الضربات تكرارا على مستشفى الطينة في تشاد.
وتدعم منظمة أطباء بلا حدود هذا المستشفى. ومنذ افتتاحه في نهاية شباط/فبراير، عالج قسم الجراحة فيه نحو 300 شخص قدّرت إدارة المستشفى نسبة ضحايا الطائرات المسيّرة منهم بأكثر من 90 في المئة، بحسب مديره مالاشي مبايرامادجي.
وأوضح مبايرامادجي البالغ 31 عاما خلال جولته الصباحية في القسم أن "ضربات الطائرات المسيّرة تتسبب بحروق وكسور وجروح وتبتر الأطراف".
وعلى الجانب الآخر من غرفة ابنَي العم، كان ثلاثة سودانيين آخرين مصابين جرّاء الطائرات المسيّرة ممدّدين في أسرّتهم.
واستلقى حسن إبراهيم عبد المجيد البالغ 15 عاما على بطنه نظرا إلى احتراق نصف ظهره.
وبجواره، كان يرقد رما آدم إبراهيم (17 عاما) الذي أُخِذت رقعة من جلد فخذه لإعادة ترميم جلد قدمه اليمنى.
وفي الطرف الآخر من الغرفة، وُضِع قضيب معدني في الساق اليمنى لأحمد آدم أطيب (22 عاما) لإصلاح كسر مزدوج في عظمة الفخذ.
- نظام صحي مدمّر -
والواقع أن الجرحى السودنيين يلجأون إلى المستشفيات التشادية لاستحالة تلقيهم العلاج الطبي في بلدهم.
وقال منسّق مشروع أطباء بلا حدود في الطينة سيسي بوكاري حمادوم إن "النظام الصحي في الجانب السوداني أصبح مزعزعا كليا".
وأفاد بأن "العاملين في القطاع الصحي فرّوا، والمرافق الصحية دُمِّرت أو يستحيل الوصول إليها، لذا أصبحت الطينة أول وجهة يستطيع المصابون من الجهة الأخرى من الحدود اللجوء إليها لتلقي العلاج".
وأشار تقرير لمجموعة "إنسيكيوريتي إنسايت" نُشر هذا الشهر إلى أن 755 هجوما سُجِّلَت منذ بداية الحرب في السودان على مراكز صحية أو مستشفيات.
وأوضحت المنظمة أن قوات الدعم السريع نفّذت ثلثي هذه الضربات.
وتدعم أطباء بلا حدود مستشفى الطينة بتوفير المختصين والمعدات والأدوية له.
لكنّ حمادوم شَكا عدم قدرة المستشفى "على معالجة الإصابات البالغة الخطورة، مثلا عندما تشمل الحروق أكثر من 50 بالمئة من مجمل الجسم"، إضافة إلى نقص الإمكانات اللازمة للعناية بالجرحى.
ولاحظ أن "اللاجئين يواصلون التدفق، لكن الشركاء ينسحبون".
ويُحال ذوو الحالات الحرجة إلى مستشفى أبشي الذي يبعد أكثر من ست ساعات بالسيارة عبر طريق ترابية إلى الجنوب. ومع بداية موسم الأمطار في نهاية الشهر، قد تستغرق الرحلة ضعف الوقت.
لكنّ ثمة مخاطر أخرى أكبر من الأمطار، إذ أعربت مصادر محلية عدة عن خشيتها من هجوم وشيك تشنّه قوات الدعم السريع للسيطرة على الطينة التي دافعت عنها حتى الآن القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني.