
تستمر موجة الحر الشديد في أوروبا الأربعاء، حيث وصلت درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، ما ترك عشرات الآلاف من دون كهرباء وانعكس ارتفاعا في مبيعات أجهزة التكييف، في قارة غير مجهّزة للتعامل مع هذا القيظ الحارق.
ومن المتوقع أن تطال مستويات حرارة تتجاوز 35 درجة ما لا يقل عن 94 مليون شخص في أوروبا الأربعاء، معظمهم في فرنسا وإسبانيا، وفقا لحسابات وكالة فرانس برس.
وتشير تقديرات فرانس برس، المستندة إلى تحليل توقعات الأرصاد الجوية الألمانية والتقديرات السكانية لعام 2025 الصادرة عن مركز الأبحاث المشترك، إلى أن مستويات الحرارة القصوى ستتجاوز 30 درجة مئوية بالنسبة لأكثر من 350 مليون شخص، أي ما يزيد على ثلثي سكان القارة.
ووفقا لدراسة علمية نُشرت هذا الأسبوع، فإن موجة الحر الحالية "تتفاقم بشكل كبير بسبب تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري"، والذي لولاه لكانت مستويات الحرارة الحالية أقل بمقدار درجتين إلى أربع درجات.
ويعزو خبراء هذه الظروف الجوية القاسية إلى أنماط الغلاف الجوي ودوران الهواء التي تُبقي الهواء الساخن محصورا في مكانه لأيام، وتتفاقم هذه العوامل بفعل الاحترار المناخي.
وحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس الأربعاء، من أن موجة الحر تعرض صحة الأوروبيين للخطر، وحث قادة القارة على الاستثمار في جعل خدماتهم الصحية أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ.
- نشعر بالاختناق -
وبلغ مؤشر الحرارة الوطني للدرجات القصوى في فرنسا، الذي يمثل معدل أعلى درجات الحرارة المسجلة في 30 محطة مرجعية، 38,2 درجات مئوية الثلاثاء، متجاوزا المستوى القياسي السابق (37,7 درجة) الذي يعود الى الخامس من آب/أغسطس 2003، وأتى حينها في خضم موجة قيظ استمرت لنحو أسبوعين وراح ضحيتها نحو 15 ألف شخص.
ومع إدراج أربع مناطق فرنسية إضافية ضمن أعلى مستوى من الإنذار من الحر الأربعاء، يتأثر نحو 44 مليون شخص بموجة الحر الاستثنائية، وفق حسابات وكالة فرانس برس.
وبالإضافة إلى المقاطعات الـ31 المشمولة حاليا بالإنذار البرتقالي، فإن أكثر من 90% من سكان فرنسا معرضون لدرجات الحرارة المرتفعة المتوقع أن تتراوح بين 39 و41 درجة الأربعاء من بريتاني إلى منطقة باريس، وفي معظم أنحاء الجنوب الغربي.
وأدت درجات الحرارة المرتفعة إلى جعل الظروف في المدارس والمكاتب والمصانع غير محتملة، ما دفع إلى الإغلاق المبكر والعمل من المنزل.
وقال نور الدين الكاوري (48 عاما) العامل في مصنع رينو بمدينة دواي شمال فرنسا "نشعر بالاختناق".
وأضاف لوكالة فرانس برس "نشعر بموجات من الحرارة. حتى أن بعض الناس يُغمى عليهم أحيانا. من الصعب جدا مواصلة العمل".
وفي موقع بناء بلندن قال هاريسون هاموند (29 عاما) وهو كهربائي، إن رؤساءه طلبوا من الموظفين التعامل بجدية مع موجة الحر.
لكنه قال إن الوضع "مختلف تماما" عندما عاد إلى منزله بالقطار إلى إسكس، شرق العاصمة البريطانية، مساء الثلاثاء. وأضاف: "لم يكن هناك أجهزة تكييف. كان الجميع يعانون بشدة".
- انقطاع الكهرباء -
وتسببت موجة الحر في انقطاع التيار الكهربائي عن حوالى 68 ألف منزل في شمال غرب فرنسا الأربعاء، وفق ما أفادت السلطات، في أول انقطاع كبير للكهرباء تشهده البلاد خلال موجة الحرّ الأخيرة.
وفي المملكة المتحدة، حيث من المتوقع أن تصل مستويات الحرارة إلى ما يقارب 40 درجة، حذرت شركة نيسو، المشغلة لشبكة الكهرباء، من تأثر الإمدادات بسبب الضغط على الشبكة.
وارتفعت مبيعات المراوح وأجهزة التكييف بشكل كبير وفُقدت من العديد من المتاجر، في بلد معظم مبانيه غير مصممة لتحمُّل درجات الحرارة المرتفعة.
والاثنين، باعت سلسلة متاجر كارفور 30 ألف من تلك الوحدات بحلول الساعة 6,30 مساء، أي "ألف ضعف ما يُباع في يوم عادي"، بحسب ما صرّح به المدير التنفيذي ألكسندر بومبارد.
واشتكت المهندسة يانا ماركفيتش من القيود القانونية في المملكة المتحدة على تركيب أجهزة التكييف، والتي انتقدها بعض الناشطين البيئيين بسبب استهلاكها العالي للطاقة.
وقالت لفرانس برس "نحن نعيش بالفعل في عالم تزداد فيه موجات الحر حدة. لا أعتقد أن حرمان الناس العاديين من الحصول على التبريد المناسب في منازلهم يمثل سياسة مناخية جادة".
- ضربة للسياحة -
ويُعد شهر حزيران/يونيو فترة مهمة للسياحة في أوروبا، لكن عدداً من المعالم الشهيرة، بينها برج إيفل ومتحف اللوفر في باريس، ومتحف أتوميوم الفولاذي في بروكسل، اضطرت إلى الإغلاق في وقت أبكر من المعتاد بسبب الحر الشديد.
قال جون بيلر، وهو مهندس أميركي يبلغ 45 عاما، إنه وزوجته يعانيان من حرارة خانقة في العاصمة الفرنسية.
وأضاف لوكالة فرانس برس حاملا مروحة صغيرة "زيارة باريس في هذا الحر أمر لا يُطاق".
وتابع "نشعر بالاختناق في الشوارع وفي المترو وحتى في شقتنا المستأجرة"، مضيفا أنه سينتقل مع زوجته إلى غرفة مكيّفة في فندق.
وقال أمناء متحف غرانت لعلم الحيوان التابع لكلية لندن الجامعية إن بعضا من آلاف العينات التي يضمها المتحف من مختلف أنحاء العالم معرضة للخطر.
وأفادت رئيسة قسم علم الحيوان والمجموعات العلمية تانيس ديفيدسون، بأن أحد أوعية حفظ العينات انكسر بسبب الحرارة العام الماضي.
وأضافت "ندرس حالياً متى قد نضطر، كإجراء وقائي، إلى إفراغ عدد من أوعية العينات ونقل محتوياتها إلى أوعية أخرى".
ومن المتوقع أن تمتد موجة الحر إلى شرق أوروبا خلال الأيام المقبلة.
وأصدرت هيئة الأرصاد الجوية البولندية تحذيرات من ارتفاع درجات الحرارة في غرب البلاد من الخميس إلى السبت، متوقعة أن تتجاوز مستويات الحرارة الرقم القياسي المسجل عام 1921 والبالغ 40,2 درجة.
كما وضع ساحل البحر الأدرياتيكي الشهير في كرواتيا تحت أعلى مستوى تحذير يومي الجمعة والسبت، فيما أعلنت المجر التي تخضع للمستوى الثاني من التحذير، رفعه إلى أعلى مستوى من السبت إلى الثلاثاء مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.