
في كلّ عطر حكاية تعبّر عن صاحبه، فبعض العطور تفرض هيبةً وحضورًا لا نظير له في المناسبات، وبينما تتسلّل رائحة عطرك بين الحاضرِين، فإنّ جاذبيتك حينها لا تُقاوَم؛ إذ كسَر العطر الحواجز النفسية لدى المحيطين، وبات حضورك طاغيًا بعد أن رششت قليلًا من العطر على رقبتك، بحسب الرجل.
كلّ هذه المزايا النفيسة التي توفّرها العطور لا يمكِن إنكارها، ولكننا نتوقّف هنا عند رش العطر على الرقبة؛ فهناك من يحذّر من وصول بعض مكونات العطر إلى الغدة الدرقية، بينما يرى آخرون أنّ بشرة الرقبة رقيقة، ولذا فقد تتضرّر بل يتغيّر لونها إلى لونٍ داكن جرّاء رشّ العطر عليها، فهل ينبغي أن يحرمك ذلك من حضورك المُميّز أم يمكِن الاستمرار في رشّ العطر على عنقك بأمان؟
بدايةً ينبغي أن تعلم أنّ الرقبة موطِن الغدة الدرقية، ولذا فإنّ رشّ العطر في تلك المنطقة يمكِن أن يكون له تأثير في الغدة الدرقية، كما أنّ جلد الرقبة رقيق، وهذا قد يكون له تداعياته أيضًا.
الغدة الدرقية في مرمى عطرك
أشارت دراسة عام 2025 في دورية "Journal of Chromatography A" إلى أنّ أنواعًا مُعيّنة من مكونات العطور يمكِن أن تسبّب خللًا في الغدد الصماء، وتترك أثرًا على هرمونات الغدة الدرقية التي تشارك في عمليات التمثيل الغذائي لجسمك.
وتقول الدكتورة "إليزابيث بيرس" اختصاصية الغدد الصماء في المركز الطبي في بوسطن: "إنّ بعض العطور قد يكون لها خصائص تعطّل الغدة الدرقية، لكن لا علاقة بهذا بالامتصاص المباشِر من الرشّ على الرقبة".
فعندما ترشّ العطر على رقبتك، من المُرجّح أن تُمتصّ مكوناته من خلال بشرتك إلى الأوعية الدموية الصغيرة الموجودة تحتها، قبل أن تصل إلى الغدة الدرقية.
ولذا فإنّ الخطر يظلّ قائمًا لو رششت العطر المحتوي على مكوّنات ضارة بالغدد الصماء على أي مساحة من الجلد غير الرقبة، لأنّ آلية الامتصاص واحدة، من الجلد إلى مجرى الدم، ومنه إلى الغدة الدرقية.
مكونات العطور التي تهدّد الغدة الدرقية
لأجل ذلك يُوصِي الخبراء بالحد من التعرّض للمواد الكيميائية التي تزعِج الغدة الدرقية كُلّما أمكن، مثل الفثالات والبارابين.
تقول الدكتورة "فلورنس كوميت" اختصاصية الغدد الصماء المقيمة في مدينة نيويورك: "ليس من السيء أبدًا أن ننظر إلى ما نعرّض أنفسنا له؛ سواء في البيئة، بسبب المواد المُسبّبة لاضطراب الغدد الصماء، مثل الفثالات، التي تُستخدم في العطور لجعل الرائحة تلتصق ببشرتك، وأنواع أخرى من المواد المسبّبة لاضطراب الغدد الصماء".
فالأشخاص الذين تتراكم لديهم مستويات الفثالات في الدم، قد تكون لديهم مستويات أعلى من أحد هرمونات الغدة الدرقية T3، وهو ما قد يعني زيادة نشاط الغدة الدرقية عن الحد الطبيعي المُفترض.
كذلك الروائح الخشبية الثقيلة يمكِن أن تحتوي على روائح أساسية مع الجالاكسوليد والتوناليد، وهي مواد أخرى يمكِن أن تعرقِل وظيفة الغدة الدرقية الطبيعية.
هل يلائم عطرك البشرة الرقيقة للرقبة؟
يتفق أطباء الجلد على أنّ الرقبة منطقة حساسة؛ إذ البشرة هناك:
ويمكِن أن يؤدي الرشّ المتكرر للعطر على بشرة حساسة إلى الاحمرار أو الحكّة أو الطفح الجلدي أو اسمرار البشرة بمرور الوقت.
وعند ذوي البشرة الحساسة أو المصابين بالإكزيما، فإنّ الخطر يكون أكبر؛ إذ يمكِن أن يؤدي رش العطر على الرقبة إلى تهيج مزمن.
اسمرار الرقبة.. هل يُسبِّبه عطرك؟
فرط التصبغ أو التغيّر إلى لون داكن هو استجابة شائعة لأي نوع من تهيّج الجلد، وفي حالة العطور، فإنّ الكحول هو المتهم الأول.
فالعطر الذي يحتوي على مستوىٍ عالٍ من الكحول يمكِن أن يضرّ البشرة الحساسة في شكل التهاب الجلد التماسي والاحمرار والحكة وغير ذلك.
وإذا كانت المكونات سببًا محتملًا غير مؤكّد، فهناك أشعة الشمس التي تتفاعل مع جلد الرقبة، والتي تدفعه إلى رد فعل، قد يزيد من حساسية الجلد تجاه الضوء، ما يجعله أكثر تفاعلًا مع تسلّط ضوء الشمس عليه.
الجهاز التنفسي يتفاعل مع عطرك أيضًا
لا يُوصِي الأطباء برشّ العطر على الرقبة، حتى لو كانت الغدة الدرقية في مأمن، لأنّ رش العطر قريبًا من وجهك، قد يجعلك تستنشق بعضًا منه دون قصد، ومِنْ ثمّ فقد يحطّ العطر رحاله في رئتيك، وهذا قد يثِير أعراضًا تنفسية عند بعض الأشخاص، حسب دراسة عام 2023 في دورية "Journal of Xenobiotics".
وهذا يعني أنّ العطور قد تفاقِم الربو، ومِنْ ثمّ يُنصَح مرضى الربو بتجنّب العطور القوية.
ولكن إذا لم تكُن مصابًا بالربو أو لا يضرّ العطر جهازك التنفسي بدرجةٍ كبيرة، ولا تزال ترغب في رشّه بالقُرب من رقبتك، فتقترح الدكتورة "فلورنس كوميت" حبس أنفاسك ورشّ العطر في الهواء، ثُمّ المرور عبر رذاذه، ثُمّ أخذ نفس عميق بمجرّد تجاوز منطقة الرذاذ.
هل العطور الطبيعية أو القائمة على الزيوت العطرية أكثر أمانًا؟
قد تظنّ أنّ العطور الطبيعية أو القائمة على الزيوت العطرية أفضل لك من المحتوية على مواد كيميائية، مثل الفثالات، ولكن يرى الخبراء أنّ هذا المفهوم خاطئ إلى حدٍ كبير.
فالزيوت العطرية، مثل زيوت الحمضيات، مُركّزة بدرجةٍ خاصة، كما يمكِن أن تحتوي على مُسبِّبات الحساسية والمهيجات، التي يمكِن أن تسبّب ردود فعل جلدية تحت ضوء الشمس.
بل بخلاف مكوّنات العطور المُصنّعة في المختبر، فإنّ الزيوت الطبيعية غير مُتوقّعة بعض الشيء، ويمكِن أن يختلف رد الفعل الناجم عنها تبعًا لتركيبة العطر، ما يجعل مسألة ضبطها أكثر صعوبة.
كيف تستمتع بعطرك بأمان وثبات يدوم طويلًا؟
يوصِي أطباء الجلدية ببعض التغييرات البسيطة وليس تجنّب رشّ العطر في المطلق، مثل:
ختامًا، لبعض العطور رائحة لا تُقاوَم؛ تفرض حضورًا قويًا لنا وتعطِي انطباعًا مختلفًا عن شخصيتنا، ولكن هذا لا يعني رشّ العطر على الرقبة مباشرةً؛ إذ إنّ بعض المركبات الضارة تصل إلى الغدة الدرقية عن طريق الدم، كما أنّ جلد الرقبة الرقيق قد لا يتحمّل عطرك المُميّز.