
تل أبيب- تعيش إسرائيل قبل أشهر قليلة من انتخابات عام 2026 مفارقة غير مسبوقة؛ فبينما تقف المنطقة على صفيح ساخن جراء التوترات العسكرية المتصاعدة مع إيران ولبنان، وتواجه الجبهة الداخلية تحديات أمنية واقتصادية طاحنة، تدار المعركة الحقيقية داخل أروقة الائتلاف الحاكم لضمان بقاء النخبة السياسية.
وفي هذا السياق، تحولت شراكة نتنياهو مع الأحزاب الحريدية وقوى الصهيونية الدينية إلى عنصر مركزي في معادلة الحكم، بما تحمله من تفاهمات قد تؤثر في مؤسسات الدولة وتوازناتها قبل انتخابات نهاية أكتوبر/تشرين الأول.
وفي تقرير للمحللة السياسية آنا بارسكي في صحيفة معاريف ، ظهرت معالم الأزمة العميقة التي يواجهها نتنياهو حتى داخل حزبه؛ حيث درس إلغاء الانتخابات التمهيدية (البرايمريز) لحزب الليكود لمرة واحدة واستبدالها بـ"لجنة تنظيمية دائمة" لتجميع قائمة الحزب.
وتشير بارسكي إلى أن نتنياهو يفضل آلية تمكنه من "السيطرة بشكل أكبر على تشكيل القائمة، خشية أن تؤدي الانتخابات التمهيدية الدائمة إلى وصول مرشحين ذوي أصوات عالية وشعبوية مما قد ينفر ناخبي اليمين المعتدل"، غير أن هذه الرغبة تصطدم بمعارضة شرسة داخل الحزب والتماسات قضائية تفرمل "جموحه الديكتاتوري".
معضلة الترشح
وتتفاقم هذه الأزمة لتتحول إلى حالة من "الذعر التام" والارتباك الواضح في محيط رئيس الوزراء؛ حيث كشف المحلل السياسي ماتي توخفيلد في صحيفة معاريف أن الركنين الأساسيين اللذين بُنيت عليهما حملة نتنياهو الانتخابية -وهما الارتباط المباشر بالرئيس ترمب والإنجاز العسكري في الشمال- باتا يترنحان بشكل مقلق، خاصة مع استحالة تسويق جبهة لبنان كـ"تحول إستراتيجي" إذا انتهت بوقف إطلاق نار لا يضمن عودة سكان الشمال.
وإدراكاً منه لهذه التصدعات، بدأ نتنياهو في هندسة خريطة اليمين المتطرف لضمان عدم "هدر" أي أصوات قد تطيح بكتلته؛ حيث كشف المحلل السياسي عميت سيغال عبر القناة 12 العبرية عن مناورة انتخابية جديدة يقودها رئيس الوزراء.
ووفقاً لسيغال، فإن نتنياهو يضغط بقوة لترويج "تحالف شكلي بحت" بين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذي يواجه معضلة عدم تجاوز نسبة الحسم، عارضاً عليهما في المقابل مقاعد مضمونة في قائمة حزب الليكود، حتى لو كان ذلك على حساب شركائه الآخرين مثل وزير الخارجية جدعون ساعر وزئيف إلكين، مع إعطائهما الضوء الأخضر للانفصال فور انتهاء الانتخابات.
وتتزامن هذه الهندسة الحزبية المضطربة مع كابوس سياسي ودولي فجرته تقارير صحفية متواترة؛ إذ كشفت مراسلة صحيفة هآرتس ، نوعا شبيغل، أن هذا المسعى التشريعي المتسارع لاسترضاء الأحزاب الحريدية يهدف بالأساس إلى دفعهم لمنح نتنياهو الضوء الأخضر لاختيار موعد الانتخابات الذي يفضله وهو نهاية أكتوبر/تشرين الأول (وتحديداً في 20 منه).
كما كشف مراسل صحيفة هآرتس، بن سامويلز كواليس مقابلة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع قناة إيه بي سي (ABC)، والتي أعرب فيها علناً عن شكوكه بشأن ترشح نتنياهو مجدداً.
وفي مقال للكاتب أوري مسغاف في صحيفة هآرتس فكك خلفيات تصريح ترمب العابر، مؤكداً أنه "ليس منفصلاً تماماً عن الواقع، بل يتضمن تنبؤات وتمنيات تبدو منطقية بالنسبة له"، كما يطرح مسغاف تساؤلاً جوهرياً حول عقلانية سلوك نتنياهو، ويرى أنه يفتح الباب أمام سيناريوهين محتملين أحلاهما مرّ.
الأول هو سيناريو الانسحاب أو الهروب؛ إذ يدرك نتنياهو، وفق هذا التصور، حتمية الهزيمة، فيطيل بقاءه حتى أكتوبر/تشرين الأول لترتيب مواقع النفوذ وتحصين نفسه من المساءلة، قبل أن ينسحب بذريعة صحية ويبرم صفقة قضائية تتيح له مغادرة المشهد، تاركاً لورثته تبعات الهزيمة وإرث الأزمة.
أما الثاني فينبني على تعطش نتنياهو للفوز فيرفض إجراء الانتخابات في موعدها عبر وسيلتين، إما إشعال مزيد من الجبهات والحروب للادعاء بتعذر الاقتراع وأهمية حكومة الطوارئ، أو تخريب الانتخابات عبر الفوضى والتزوير والهجمات الإلكترونية، ويستدل مسغاف على ذلك بخطوة دراماتيكية نُفذت في الخفاء الشهر الماضي، تمثلت في نقل "المديرية الوطنية الرقمية" إلى مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وتعيين مقربه "نتانئيل كوهين" رئيساً لها.
مأسسة الفساد الديني
ويتجلى الوجه الآخر لمحاولات نتنياهو استرضاء حلفائه في الدفع بتشريعات اقتصادية وهيكلية تمنح الأحزاب الحريدية ضمانات مالية واجتماعية واسعة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات لتحميل دافعي الضرائب والمجندين كلفة استمرار إعفاء قطاعات واسعة من الحريديم من الخدمة العسكرية ومن الاندماج الكامل في سوق العمل.
وفي هذا السياق، أنهت لجنة المالية إعداد مشروع قانون لمنح خصومات ومزايا في مراكز رعاية الأطفال (الحضانات) لأبناء الحريديم، في محاولة للالتفاف على قرارات المحكمة العليا والأوامر القضائية الأخيرة التي ربطت هذه المزايا بتسوية أوضاعهم العسكرية.
كما شملت حزمة الاسترضاء الديني تمرير مشاريع قوانين لإلغاء إصلاح "الكشروت" الذي أقره الكنيست السابق لتقليل اعتماد الشركات على الحاخامية ومنحها خيار الجهات الخاصة، ليعود الاحتكار المطلق للمؤسسة الدينية التقليدية، وبالتوازي مع ذلك، استؤنفت المناقشات حول "قانون التحول الديني في المجال العام" لتلبية كافة الشروط الائتلافية.
تفكيك البنية العسكرية والقانونية
ولم تقف حدود الصفقات الائتلافية عند الدعم المالي، بل امتدت لتضرب العقيدة القتالية للجيش من جهة، ومفاصل الجهاز القضائي من جهة أخرى؛ ففي خطوة تصعيدية، وافقت اللجنة الوزارية للتشريع على المضي قدماً في "القانون الأساسي: دراسة التوراة" وطرحه للتصويت التمهيدي.
وينص القانون في بنوده على اعتبار دراسة التوراة "قيمة أساسية" وأن دارسيها يقدمون "خدمة جليلة" للدولة تؤثر بشكل مباشر على حقوقهم وواجباتهم، في مسعى صريح لمساواة وضع طلاب المعاهد الدينية بوضع جنود الجيش لإعفائهم تماماً من التجنيد.
غير أن هذا القانون فجر "تمرداً نيابياً" هز أركان الائتلاف داخل الكنيست؛ إذ رصد تقرير للقناة 12 العبرية تصويت أربعة نواب من داخل الائتلاف ضد مشروع القانون في قراءته التمهيدية، ثلاثة منهم من الليكود والرابع هو موشيه سولومون عن حزب الصهيونية الدينية.
وفي المحصلة يبدو أن نجاح نتنياهو في السيطرة على مكونات ائتلافه لما بعد الانتخابات يواجه معوقات بنيوية وجودية؛ فالمناورات الحزبية لإنقاذ سموتريتش، والتمرد النيابي ضد قانون دراسة التوراة، يثبتان أن الائتلاف يتآكل داخلياً.
ومع ظهور قناعة متزايدة بأن نتنياهو قد لا يخوض الانتخابات أصلاً، مفضلاً تأمين شبكة أمان إدارية وقانونية لهروبه المرتقب، أو الذهاب نحو سيناريوهات متطرفة للتخريب عبر السيطرة على المديرية الوطنية الرقمية ليصبح هذا التكتل في حالة "تفكك إستراتيجي" شامل يعصف بالبنية العسكرية والاقتصادية والسياسية لإسرائيل.