
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسلتها هبة صالح من القاهرة قالت فيه إن الفلسطينيين النازحين في غزة كانوا يكافحون من أجل البقاء بين الأنقاض القذرة. والآن، عليهم مواجهة تزايد أعداد الآفات أيضا.
وباتت القوارض والحشرات أحدث آفة تصيب الفلسطينيين الذين يكافحون من أجل البقاء في غزة المدمرة، حيث تتدفق مياه الصرف الصحي بين الخيام وتتراكم القمامة ويندر الماء النظيف. وتقول العائلات إن الجرذان وابن عرس تتسلل إلى الخيام، وتعض الأطفال وتلوث الطعام. كما ينتشر القمل والبراغيث والبعوض في المخيمات الشاسعة المكتظة بالنازحين غزة، ناقلة الأمراض ومسببة التهابات جلدية، وفقا لمسح أجرته الأمم المتحدة في نيسان/ أبريل.
ويأتي انتشار هذه الآفات بعد ثمانية أشهر من وقف إطلاق النار في الحرب على غزة. ولم تشهد المنطقة أي إعادة إعمار منذ ذلك الحين، بعد أن قصفت معظم المباني في القطاع وحولتها إلى أنقاض. ويعيش نحو مليوني شخص في غزة مكتظين في رقعة أرض تتقلص باستمرار، بعد أن سيطرت إسرائيل على 60% من القطاع الضيق.
وقال سليم عويس، المتحدث باسم اليونيسف، الذي شاهد عشر حالات لأطفال مصابين بعضات قوارض خلال زيارة لغزة هذا الشهر، إن القوارض أصبحت “مشكلة ضخمة للغاية بسبب تراكم الأنقاض في كل مكان”.
وأضاف: “لا يسمح بدخول الآلات [لنقل الأنقاض]، وتكمن مشكلة أخرى في ضيق المساحة المتبقية في غزة. من الصعب حقا إيجاد مكان لنقل الأنقاض إليه، مما خلق بيئة مثالية لتكاثر القوارض”. وأوضح أن الجروح الناتجة عن عضّات القوارض والحشرات “تلتهب وتتلوث بسهولة” بسبب نقص المياه النظيفة ومستلزمات النظافة.
ويعيش أكثر من 80% من سكان غزة في خيام، بينما يتجمع الباقون في منازل مدمرة في الغالب.
ويقول مسؤولون في مجال الإغاثة إن القيود التي تفرضها إسرائيل، التي تسيطر على تدفق البضائع إلى غزة، على العديد من المواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية المتهالكة للقطاع، تعني أن الظروف المروعة التي يعاني منها السكان لم تشهد تحسنا يذكر. وقد أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشهر الماضي الجيش بالسيطرة على المزيد من الأراضي.
وفي غزة، تقع مكبات النفايات بالقرب من الخيام في مواقع النزوح، مما يخلق مخاطر صحية ستتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، بحسب مسؤولين في المجال الإنساني وسكان في القطاع.
ودعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، المسؤول عن تنسيق جهود الإغاثة في غزة، مؤخرا إلى إعادة فتح مكبات النفايات القريبة من محيط القطاع، حيث لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة. كما تطالب الوكالة إسرائيل بالسماح بدخول آليات ومعدات إزالة الأنقاض، مثل الشاحنات وآلات ضغط النفايات والرافعات.
ومع ذلك، لا يبدو هناك أمل يذكر في حدوث تغيير، بعد توقف التقدم في الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق دائم عقب اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت سالي صالح، الطبيبة التي ترأس قسم الاستجابة الطارئة في منظمة “العون الطبي الفلسطيني” الخيرية البريطانية، إن تفشي القوارض والحشرات تفاقم بسبب انهيار العديد من الأنظمة الحيوية في غزة، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والتغذية والرعاية الصحية.
وأضافت: “إنها مشكلة معقدة، لكن أساليب مكافحتها محدودة للغاية. الحل الرئيسي هو تحسين نظام الصرف الصحي المنهار أصلا. وهناك حل آخر يتمثل في تسهيل دخول المبيدات، لكن ثمة عقبات كثيرة”.
فيما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في أيار/ مايو بأن 80% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي في غزة قد توقفت عن العمل، مما أدى إلى تدفق نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر يوميا، وغمر المناطق التي تقيم فيها العائلات.
وأشار المكتب إلى انخفاض إجمالي إنتاج المياه في غزة بنحو 20% في أيار/ مايو مقارنة بالشهرين السابقين، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار. ودعا إلى “استمرار دخول” قطع الغيار والمضخات والأنابيب وزيوت المحركات والمواد الكيميائية لمعالجة المياه.
وقال عويس إن إسرائيل سمحت بدخول مصائد الفئران إلى غزة، بينما تمكنت وكالات الأمم المتحدة من إدخال المبيدات الحشرية، لكن ذلك لم يكن كافيا. وأضاف: “للأسف، الكمية المسموح بدخولها حاليا بالكاد تكفي لبضعة أسابيع، وبالطبع، نحن نتحدث عن قطاع غزة المتضرر بأكمله”.
وأفادت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق وهي الهيئة الإسرائيلية المسؤولة عن غزة بأن “البنية التحتية الأساسية”، بما في ذلك الآبار ومرافق المياه، يجري إصلاحها. وأعلنت الوحدة أنها تعمل مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لدعم جهود الصرف الصحي وصيانة البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك السماح بدخول شاحنات جمع النفايات ومعدات إصلاح البنية التحتية.
وفي جباليا، التي كانت في يوم من الأيام بلدة نابضة بالحياة شمال مدينة غزة، يعيش عمران أبو وردة مع زوجته وأطفاله الخمسة في خيمة ممزقة. ويقول إن الخيمة قد تآكلت بسبب نزوح العائلة المتكرر، ومزقتها أسنان القوارض الحادة.
على الرغم من محاولات السكان للتنظيف، إلا أن الأوساخ والقمامة لا تزال منتشرة في كل مكان، إلى جانب أعداد “غير طبيعية” من البعوض. ولا توجد مراحيض في المخيم، الذي يقدر عدد سكانه بنحو 15 ألف نسمة، مما يضطر السكان إلى حفر حفر في الأرض لاستخدامها كمراحيض.
وقال أبو وردة : “لا يوجد نظام صرف صحي ولا وسيلة لتصريف مياه الصرف الصحي. عندما يمتلئ المرحاض، نخلط محتوياته بالرمل ونحفر آخر. كل هذا الخراب من حولنا ومياه الصرف الصحي تجذب القوارض”. وقال عويس إن سكان غزة، الذين يعتمدون جميعهم تقريبا على المساعدات الغذائية، باتوا يعيشون على حافة الهاوية.