
طهران- شنّت الولايات المتحدة ليل الإثنين الثلاثاء ضربات على مواقع في إيران، للمرّة الأولى منذ أسابيع عدّة، ما يهدد بتقويض الجهود المبذولة لإبرام اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط.
وفيما لم تؤكّد إيران رسميا بعد هذه الغارات، أكد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي في بيان مكتوب بثّه التلفزيون الرسمي، انحسار النفوذ الأميركي في الخليج.
وقال خامنئي الذي لم يطلّ علنا منذ توليه منصبه في آذار/مارس الفائت، في نداء بمناسبة حلول عيد الأضحى وموسم الحج "من المؤكّد في هذا الصدد أنّ عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأنّ شعوب المنطقة وأراضيها لن تكون بعد الآن دروعا للقواعد الأميركية".
ورأى أن الولايات المتحدة "وفضلا عن أنها لن تجدَ بقعة آمنة لممارسة الشر وإقامة قواعد عسكرية في المنطقة، فإنّها أيضا تبتعد يوما بعد يوم عن وضعها السابق".
وجاء بيان خامنئي في وقت تواصل إيران والولايات المتحدة تبادل الرسائل بهدف التوصّل إلى تفاهم يفضي إلى إنهاء الحرب بينهما التي امتدّت إلى أنحاء المنطقة، في ظل وقف لإطلاق النار لا يزال ساريا منذ الثامن من نيسان/أبريل.
وفي الأيام الأخيرة، أفاد الطرفان عن تقدّم في المفاوضات، حتّى إن دونالد ترامب لمّح إلى تسوية وشيكة خلال نهاية الأسبوع الماضي.
غير أن آمال التوصّل إلى سلام فترت إثر إعلان إسرائيل من جهة تكثيف حملتها على لبنان وشنّ غارات أميركية على إيران من جهة أخرى.
- "التعجيل في إحلال السلام" -
وبحسب القيادة المركزية الأميركية، "نفذت القوات الأميركية ضربات دفاعية في جنوب إيران... لحماية قواتنا من التهديدات التي تشكلها القوات الإيرانية".
ولم يقدم البيان أي تفاصيل عن الهجمات سوى أن الأهداف شملت مواقع إطلاق صواريخ وقوارب تحاول "زرع ألغام".
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات في محيط بندر عباس (الجنوب) قرابة منتصف الليل بالتوقيت المحلي (20,30 ت غ الاثنين).
وأكّد الجيش الأميركي "التزامه بضبط النفس خلال وقف إطلاق النار" الذي أقرّ بعد عدّة أسابيع من حرب أودت بحياة الآلاف، خصوصا في إيران ولبنان، وزعزعت الاقتصاد العالمي.
وبعد الإعلان عن هذه الضربات، "بات الحذر مجدّدا سيّد الموقف" في الأسواق العالمية "بعد التفاؤل الذي ساد في نهاية الأسبوع"، حسب دانييلا هاثورن المحلّلة لدى شركة كابيتال دوت كوم (Capital.com). وفتحت البورصات الأوروبية مداولاتها من دون اتّجاه واضح وعاودت أسعار النفط ارتفاعها.
وكانت آخر غارات أميركية معروفة على إيران تعود إلى مطلع أيار/مايو مع استهداف جنوب إيران. وردّ الجيش الإيراني عليها باستهداف سفن في مضيق هرمز، في خطوة اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن "لا أهميّة لها".
وعلى الجبهة الدبلوماسية، توجّه وفد إيراني رفيع يضمّ كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى الدوحة الإثنين، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب.
وكان الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي صرّح في وقت سابق الإثنين خلال الإحاطة الأسبوعية بشأن المحادثات مع الولايات المتحدة، "يجوز القول إننا توصلّنا إلى نتيجة بشأن عدد كبير من المسائل قيد النقاش"، لكن "لا يمكن القول إن الأمر يعني أن إبرام اتفاق بات وشيكا"، متهّما واشنطن بتبديل مواقفها.
والثلاثاء، دعت الصين "الأطراف المعنية إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه وقف إطلاق النار، وحلّ الخلافات بالوسائل السلمية، ومواصلة السعي، من خلال الحوار والتفاوض، إلى إيجاد حل يأخذ في الاعتبار الهواجس المشروعة لجميع الأطراف"، مع التشديد على ضرورة "العمل على التعجيل في إحلال السلام".
- الاتفاق ما زال ممكنا -
وأكّد وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو من جهته الثلاثاء أن التوصل إلى اتفاق مع إيران لا يزال ممكنا، رغم الضربات الأميركية الجديدة.
وقال على هامش زايارة رسمية إلى الهند "دارت بعض المحادثات في قطر اليوم، وسنرى ما إذا كان بإمكاننا إحراز أي تقدم. أعتقد أن هناك الكثير من النقاشات الدائرة حول نقاط محددة في الوثيقة الأولية، لذا سيستغرق الأمر بضعة أيام".
وصرّح "أعرب الرئيس عن رغبته في التوصل إلى اتفاق. إما أن يعقد صفقة جيدة أو لا يعقد أي صفقة".
ويسعى ترامب إلى حلحلة الوضع في وقت يعاني الاقتصاد العالمي من تداعيات كبرى إثر إغلاق طهران مضيق هرمز الاستراتيجي التي كانت تمر منه خمس الإمدادات العالمية للنفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ما حمل الولايات المتحدة على الرد بفرض حصار على الموانئ الإيرانية. وتكمن مسألة إعادة فتح الممرّ المائي في قلب المفاوضات.
ويبدو أن الرئيس الأميركي رفع سقف مطالبه للتفاوض على السلام في المنطقة وهو حضّ دولا مسلمة من بينها السعودية وقطر وباكستان، على تطبيع العلاقات مع إسرائيل في إطار الاتفاق مع إيران.
وفي منشور طويل على وسائل التواصل الاجتماعي ذكر ترامب أسماء الدول التي تحدث مع قادتها السبت حول جهود إنهاء الحرب مع إيران. وقال "أوضحت أنه بعد كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لمحاولة حل هذه المعضلة المعقدة، يجب على جميع هذه الدول، كحد أدنى وبشكل متزامن، الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية".
وأضاف "إذا لم تفعل (هذه الدول) ذلك، فإنها لن تكون جزءا من هذا الاتفاق (مع إيران) لأنّه يكشف عن نوايا سيئة".
وفي حين أن اتفاقيات أبراهام التي أبرمت سنة 2020 مع الإمارات والبحرين خصوصا لقيت ترحيبا من البعض، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الشعبية في أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط، ويرجع ذلك جزئيا إلى فشلها في معالجة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
وأعلنت دول خليجية تتمتع بثقل مثل السعودية وقطر أنها لن تطبع العلاقات مع إسرائيل ما لم يتم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة.