وجوه إيران المنسية: يوميات الشباب الفقراء بين الحياة والكرامة

2025-12-06

محمد تركي الربيعو*

 

على مدى أكثر من نصف قرن، انشغل الدارسون للشأن الإيراني بتحليل الأحداث الكبرى: الثورة، الدولة، الإسلام السياسي، والسياسة الخارجية. وقد أنتج هذا التركيز صورة متخيّلة لإيران بوصفها حالة استثنائية تُقرأ دائماً من خلال ثنائيات حادّة مثل، تقليد وحداثة، أو دين وعلمانية، بينما بقيت الحياة اليومية، خصوصاً حياة الشباب الفقراء، خارج دائرة الاهتمام. ورغم حضور هؤلاء في الخطاب الرسمي تحت عنوان «المستضعفين» فإنّ فهم حياتهم الفعلية ظلّ محدوداً للغاية.
غالباً ما صُوِّرت هذه الفئة بوصفها وقود الثورة، أو ركيزة النظام، أو كتلة اجتماعية تنتظر الوظيفة والزواج والمسكن. لكنّ الباحث يبيّن أنّنا نعرف القليل عن استراتيجيات هؤلاء الشباب في خلق حياة ذات معنى، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. ويعود هذا النقص المعرفي إلى ميل معظم الباحثين، المنتمين في الغالب إلى الطبقات الوسطى والعليا، إلى دراسة الشباب المتعلمين في الجامعات، ما أدى إلى تعميم تجارب نخبوية وكأنها تمثّل التجربة الإيرانية بأكملها.
مع نهاية التسعينيات، لعبت أعمال آصف بيات، خاصة كتابه «الحياة سياسة»، دوراً محورياً في إعادة تفسير سلوك الشباب في الشرق الأوسط. فقد رأى بيات أن هناك «مقاومة هادئة» تمارسها الفئات الشعبية ضد عنف السلطة، وأن هذه المقاومة لا تتخذ شكل الاحتجاجات المباشرة، بل تظهر في تفاصيل الحياة اليومية: اللباس، الموسيقى، الفرح، مجموعات مشجعي كرة القدم، طرق الكلام والتنقل في المدينة. وقد شكّل كتاب بيات منعطفاً مهماً لأنه دعا إلى النظر إلى هذه الممارسات ليس بوصفها سلوكيات عدمية، أو «هيبية»، بل باعتبارها أشكالاً من المعارضة الرمزية للسلطة التي صاغت المجال العام.
غير أن الأنثروبولوجية الأمريكية ـ الإيرانية ماناتا هاشمي تقترح في كتابها «بلوغ الرشد في إيران: الفقر والنضال من أجل الكرامة»، مراجعة لهذا التأويل. إذ ترى أن تلقّي أعمال بيات خضعت لهيمنة نموذج المقاومة اليومية، الذي بلوره جيمس سكوت، بحيث أصبحت كل ممارسة شبابية تُفهم تلقائياً بوصفها مقاومة. لكن هذا افتراض يحتاج إلى تروٍّ؛ فالسعي إلى الكرامة ليس بالضرورة مقاومة، والالتزام بالمعايير السائدة قد يكون استراتيجية للتماهي الاجتماعي لا للتمرد. فالشابات اللواتي يرتدين ملابس ضيقة، أو يستمعن إلى الراب، على سبيل المثال، لا يفعلن ذلك دائماً لتحدّي الأخلاق الدينية للدولة، بل لكيلا يظهرن فقيرات أمام زميلاتهنّ، أو لكي يندمجن في الذوق العام الذي تحدّده الطبقات الوسطى.
في إيران، يُنظر إلى «ظهور الفقر» كعلامة على الانخفاض في المكانة؛ لذلك يعيش كثير من الفقراء فقرهم في الخفاء. ويتحول أداء الثراء إلى مسرح اجتماعي: طريقة المشي، العطر، الهاتف المحمول، الملابس «المضروبة» التي تحاكي ماركات أصلية. ليست هذه مقاومة للنظام، بل استراتيجيات للبقاء وتحسين المكانة. وهكذا يصبح افتراض أنّ كل ممارسة شبابية، فعل سياسي، أو مقاومة رؤية ناقصة؛ فالغاية الأساسية لدى هؤلاء الشباب ليست صناعة الثورة، بل صناعة الحياة.
من هم الشباب الفقراء في إيران؟


ينتمي معظم هؤلاء الشباب إلى جيل الثمانينيات، الذي نشأ وسط حرب مدمّرة، وعقوبات اقتصادية متلاحقة، ووعود ثورية كبرى لم تتحقق بالكامل، كان عليهم أن يتعلموا التكيّف مع اقتصاد متقلّب وواقع طبقي آخذ في التشظّي. ورغم ذلك، سعوا إلى بناء حياة كريمة، مستخدمين الأدوات المتاحة داخل سياقات اجتماعية معقدة. ولفهم هذه اللحظة، تقترح المؤلفة هاشمي العودة إلى تاريخ التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية. فمنذ الستينيات، ومع «الثورة البيضاء» بدأت موجة هجرة ضخمة من الريف إلى المدن. وقد أدى إصلاح الأراضي الذي أراد الشاه من خلاله تعزيز سلطته إلى نتائج عكسية: فبدلاً من تحسين حياة الفلاحين، تدهورت أوضاعهم، وازدادت البطالة، فهاجر الملايين نحو المدن. نشأت أحزمة فقر واسعة في جنوب طهران ومدن أخرى، وأصبحت ممارسات مثل الاستيلاء على الأرض والبناء غير الرسمي وأسلاك الكهرباء غير القانونية، جزءاً من «اقتصاد البقاء». في هذه الأحياء، كان الراديو والكاسيت ينقلان خطب الخميني إلى المنازل. وجد سكان هذه المناطق، الذين لم تكن لديهم حصة في الثروة النفطية، ولا في الدولة البيروقراطية، أن خطابه حول المظلومين يتحدث عنهم مباشرة. ومع نهاية حكم الشاه، انخرط بعضهم في التعاونيات والمجالس المحلية المدعومة من رجال الدين، لا رغبة في الثورة فحسب، بل رغبة في تأمين الغذاء والحياة اليومية.
بعد الثورة، توسّعت الدولة في دعم الفقراء: بطاقات التموين، توزيع الأراضي، شق الطرق، توفير الكهرباء والماء، وتأسيس لجنة إمداد الإمام الخميني. ومنح ذلك الفئات الدنيا أملاً مؤقتاً وحسّاً متزايداً بالاندماج، لكنه جعلهم أيضاً أكثر هشاشة أمام تقلبات السوق. وخلال التسعينيات، مع سياسات رفسنجاني وتحرير الاقتصاد، ارتفعت الآمال بالازدهار الفردي، لكن ارتفاع الواردات وانخفاض عائدات النفط، ساهما في تفاقم البطالة والتضخم. ودخلت نساء الطبقات الدنيا سوق العمل، وازدادت الضغوط المعيشية. ثم جاء عهد خاتمي بخطاب المجتمع المدني والحقوق وارتفاع مستويات التعليم، لكنه لم ينجح في توفير حماية اقتصادية حقيقية للطبقات الدنيا. أما أحمدي نجاد، الذي قدّم نفسه باعتباره نصير المستضعفين، فقد استفاد من ارتفاع أسعار النفط ليوسّع الدعم الحكومي، لكنه انتهى إلى انهيار اقتصادي كبير مع العقوبات الدولية وتدهور العملة. وكانت التحويلات النقدية التي قدّمها مفيدة في البداية، لكنها لم تعد تكفي مع التضخم والغلاء.


ومع كل هذه الظروف، لم يستسلم الشباب الفقراء. هم لا ينتظرون ثورة ولا يعلّقون حياتهم على تغيير سياسي كبير، ما يفعلونه هو بناء استراتيجيات صغيرة للحياة الكريمة: التعليم الجزئي، العمل الإضافي، الظهور الاجتماعي، بناء العلاقات، محاكاة الطبقات الأعلى في الملبس والسلوك. ليست هذه مقاومة للنظام، بل مقاومة لليأس. إنها محاولة لصنع مكان صغير تحت شمس بلد متقلّب. وبذلك تعتقد المؤلفة أن هؤلاء الشباب ليسوا أدوات سياسية جاهزة، وليست حياتهم قراءة مباشرة لسياسات الدولة ومقاومتها. إنهم فاعلون يحاولون بناء حياة في عالم لا يرحم. ولعل ما يحركهم في الواقع هو الكرامة، لا الأيديولوجيا، التي تمثل جوهر حركتهم. ومن يرغب في فهم إيران اليوم عليه أن ينظر إلى هذه التفاصيل الصغيرة: إلى لغة الجسد، إلى الملابس، إلى السوق، إلى شبكات الدعم، إلى الكلمات التي تُقال على مائدة الطعام وفي الأزقة، أكثر مما ينظر إلى الشعارات والخطب، كما عليه أن لا ينظر إلى هؤلاء الشباب فقط بوصفهم مشاريع لإسقاط النظام الإيراني، بل يجب الإنصات لهم، وهم يحاربون يوميا من أجل حفظ كرامتهم.


*كاتب سوري











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي