مستقبل مخيف ..مسلسل «فضائي : الأرض» … تصورات ديستوبية للعالم المستقبلي

2025-12-04

رامي أبو شهاب*

قد ينظر البعض إلى المسلسل الذي يُعرض حالياً على منصات البث بوصفه امتداداً لسلسلة سينمائية تستثمر الشهرة التي حققها الفيلم الشهير «الفضائي» Alien الذي أخرجه ريدلي سكوت عام 1979، وكانت بطولته للممثلة سيغورني ويفر، إذ أسّس الفيلم لواحد من أهم الامتدادات في سينما الخيال العلمي. غير أنّ المسلسل ـ من وجهة نظري ـ يتجاوز حدود استدعاء التشويق والإثارة، ليطرح أسئلة أكثر عمقاً من بيان مخاطر الفضول المعرفي أو البحث العلمي حين يتجاوز نطاق الأخلاق، ومن ذلك استجلاب كائنات فضائية مفترسة، أو بناء نماذج بشرية اصطناعية هجينة، إذ يسعى المسلسل إلى تصوير تداعيات ذلك، ولكن قبل سنتين من أحداث سلسلة الفيلم، وبذلك يستهدف المسلسل الجديد في تكويناته أبعاداً أكثر جدلية، كونه ينطلق من السؤال المتعلق بالنماذج المصطنعة التي تجمع بين الإنسان والآلة، أو ما يمكن أن نطلق عليه «السايبورغ».
الإنسان والآلة
ولعل كلمة «السايبورغ» تقودنا مباشرة إلى الإحالة للبيان الشهير الذي وضعته العالِمة والباحثة دونا هارواي بعنوان «مانيفستو السايبورغ»، لكونه يعتمد على مقولات الامتداد، وتلك التداخلات التي يمكن أن تنشأ ما بين الإنسان والآلة، وجدلية التصنيف الجديد للكائنات، مع محاولة إثارة خرق عميق لسلسلة التقنيات المعتمدة للفصل بينهما. وتنطلق هارواي من محاولة تعميق خطاب نسوي يتصل بالذات الأنثوية، غير أنّ مقولتها تظل قائمة في بيان التقاطعات والتجاذبات العميقة لهذه الأفكار، التي يمكن أن تطرأ في المستقبل القريب، بداعي ما نراه من ثورة على النماذج المستقرة للبنية الإنسانية، وتموضُعاتها في البنى التصنيفية المعرفية بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي أحدث زلزالاً شديداً في منظومة هذا الوجود. لقد بتنا نستشعر بدايات التحلّل في وعي الإنسان، ورؤيته ووجوده، وما يتصل بقدراته على التعامل مع هذا التشكيل الجديد؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي ينبئ عن انحسار الإنسان في التفكير، واستعمال اللغة، وفي بعض الأحيان أصبح الصديق الأقرب للبعض، لينذر الأمر بتداعيات ربما كارثية على الوجود الإنساني، الذي قد نغادره بصيغته التقليدية إلى غير رجعة في القريب العاجل. وبذلك تَكمُن قيمة المسلسل لا في مدى ما يستدعيه من ذاكرة المشاهد حول فكرة الكائن الفضائي المفترِس، وما يرافق ذلك من تشويق، إنما يتجاوز ذلك إلى مستويات عدّة يمكن أن نأتي عليها بالتفصيل.
إن النموذج المبدئي للمسلسل يقوم على طرح السؤال الوجودي المتعلّق بالإنسان، وأخلاقية البحث العلمي، وهي إحدى الأسس التي يعالجها المسلسل، حيث نرى في مستهلّ الحلقات عمليات نقل وعي أطفال مرضى إلى أجساد أشخاصٍ بالغين، لكنهم مكوّنون من أنظمة صناعية، وآلية، كما أنهم يتمتعون بقدرات وذكاء اصطناعي خارق. وهذا يشي بتغيير في الماهية، بالتوازي مع أسئلة تتصل بماضي هذه الشخصيات وذاكرتهم، وطرق التحكّم في مشاعرهم في بعض الأحيان، ومحاولة برمجتها. غير أنّ السؤال الأهم يتعلّق بالهوية التي يُفترَض أن يعتنقها هؤلاء الأطفال بمعزل عن حيواتهم السابقة، في حين يبقى كلّ هذا جزءاً أولياً في انتظار تتبّع مآلات هذا الفعل، وتداعياته المعقّدة.
ينهض المسلسل بصورة محورية على استثمار شهرة شخصية الكائن الفضائي المفترِس في سلسلة الأفلام، بيد أنّ التحوّل يتمثّل في خرق المعادلة التي اعتمدتها تلك الأفلام من ناحية فعل كل ما يمكن لإبقاء الكائن خارج دائرة الأرض، وحصره في الفضاء لِما يمتلكه من قدرات قاتلة، واستحالة السيطرة عليه. هنا يصبح الخرق سؤالاً يطعن في التهور العلمي، ومحاولة تحقيق الأرباح عبر تحويل هذا الكائن إلى سلاح مدمّر، حين يجري استجلابه إلى الأرض من خلال سفينة فضائية تعرّضت للاختراق، بالتوازي مع فشل القائمين عليها في احتواء الكائنات التي تنتقل إلى الأرض بعد أن اصطدام السفينة البحثية بأحد الأبراج المملوكة لشركة كبرى يرأسها شاب عبقري صغير السن، كان صاحب فكرة نقل وعي الأطفال المرضى إلى أجساد اصطناعية بغية استثمارهم في تحقيق أرباح طائلة. وهنا ننتقل إلى الجزئية التي يتصدّى لها المسلسل، في قراءة مشهد العالم في المستقبل القريب.

عالم جديد
تحيلنا مقولة عالم جديد إلى رواية ألدوس هكسلي بعنوان «عالم جديد شجاع» من ناحية أخلاقية العلم في المستقبل، فالعالم من وجهة نظر المسلسل سوف ينتهي بكليّته التقليدية من ناحية الشكل، ومن ناحية نظام الدولة المبنيّة على تمايزات جغرافية أو عِرقية أو أيديولوجية، ليتحوّل إلى قطاعات جغرافية تتحكّم فيها خمس شركات كبرى تحكم العالم. وهنا نقرأ توقّعاً لمآلات العالم الذي سوف ينتهي إلى نموذج رأسمالي تتحكّم به الشركات لا الدول، بحيث تسعى كلّ شركة إلى تطوير حضورها، وجني الأرباح من خلال الاستثمارات الاقتصادية، التي تعتمد على البحوث العلمية، والتي تشكّل نموذجاً من نماذج القوّة، ممّا يعيدنا على نحو كولونيالي إلى الربط بين القوّة والمعرفة، بالتوازي مع التوغّل الذي يمكن أن ينتج عن ذلك. ولعلّنا نستطيع أن نلمح إحدى صيغ هذا التشكّل، عبر ملاحظة أنّ ثمّة شركاتٍ عابرة للقارات تفوق ميزانيتها وحضورها في بعض الأحيان ميزانيات دول كبرى، وعليه فإنّ قيمة المسلسل تتحدّد في قدرته على قراءة الصيغ التي يمكن أن ينتهي إليها العالم في المستقبل.
بعد سقوط السفينة الفضائية التي تحمل الكائنات، وكانت عائدة لملكية شركة أخرى، ينشأ صراع بين الشركتين على تلك الكائنات، ومحاولة الاستحواذ عليها، بالتوازي مع محاولة احتوائها بداعي الخطر. وهنا تتدخّل فرقة الشخصيات الأطفال المتكوّنين وفق نموذج «السايبورغ» لتخليص الكائنة، ما يقود إلى صراع مع السايبورغ المسؤول في السفينة والمملوك للشركة الأخرى. وهكذا نرى أنّ قيم الصراع تتجلّى حول مناطق النفوذ، ومحاولة الاستثمار في كائنات خطرة، من منطلق أنّ البحث العلمي قادر على جلب وفرة في المال وتدفّق الأرباح، بما يعني السيطرة والقوة والهيمنة على عالم يخضع لتنافس مستعر بين هذه الشركات.
يتبدّى الصراع بين الشركتين، عبر مواجهات تُحيل على شكل العالم المستقبلي، وعلى تلك القوّة الكامنة فيه بوصفها نماذج متعالية تتجاوز الإنسان، بمعنى أنّ الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ينهضان على تشكيل وعي جديد يتخطّى الحدود العضوية. وفي خضمّ محاولة اكتشاف الذات والهوية، يتشكّل الوعي لدى هذه النماذج السايبورغية، وبذلك فهي تخضع لما طرحته دونا هارواي حول تعريف الذات، إذ تدرك هذه الكائنات أنّ طفولتها وحضورها الماضوي قد انتهى، ولاسيما حين ترى قبورَ أجسادها الأولى، وكيف جرى نزع أسمائها عنها، وفي هذا السياق تتبدّى أهمية ما طرحته دونا هارواي في «مانيفستو السايبورغ» حين أعادت تعريف الذات بوصفها بنية هجينة تتجاوز الحدود التقليدية بين العضوي والاصطناعي، وبين الجسد والآلة.
السايبورغ والهوية
نلاحظ تكوّن معادلة معقّدة في وعي الأطفال الهجينيين، من ناحية إدراك وجودهم في العالم، فهم ليسوا سوى كائنات مشوهة، أو قلقة الوعي بذاتها، ومشاعرها، فقد حُوّلت إلى فئران تجارب، فالسايبورغ – عند هارواي – يمثّل انهيار الحدود التي تمنح الإنسان مركزيته، وتفكيكاً للهوية المستقرة التي تستند إلى الجسد البيولوجي، وعلى هذا فإنه يعد طعناً في بنية السلطة والمعرفة، كما يكشف هشاشة التصنيفات التي تُفرّق بين الإنسان والآلة. يصبح حضور السايبورغ في المسلسل امتداداً لما توقّعته هارواي حين رأت أنّ المستقبل لن يعترف بحدود الهوية، ولا بثبات الوعي، ولا بقدسية الجسد البشري كما تتجسّد هذه الرؤية واضحة في شخصية «وِنيدي» التي تُعدّ النموذج الأكثر تطوّراً ووعياً، إذ تتمكّن من الولوج إلى الأنظمة، والتحكّم بها، والأهم أنّها تنجح في خلق نموذج تواصلي مع الكائنات الفضائية المفترسة، لتدرك وجود تماثل بينهما من ناحية كونهما موضوعاً للسيطرة، والتربّح من قِبل الإنسان، وبذلك نخلص إلى أنّ الكائن المفترس الحقيقي ليس تلك الكائنات الفضائية إنما الإنسان الذي لا يتوقّف طموحه، وهوسه بالبحث والسيطرة عند أيّ حدود.
هكذا نرى أنّ قيم التصنيف التقليدي تتعرّض للاختلال، وتتبلور المعايير في تقاطعاتٍ بين الآلي، والاصطناعي، والفضائي، والإنساني. ويمكن ملاحظة أنّ النماذج الاصطناعية لوعي الأطفال، تتصل بمرجعيات معرفية مختلفة، حيث يكون من بينهم رجلٌ أسود، وشاب هندي.. بما يكشف عن تنوّع الخلفيات التي تُختزل جميعها داخل قوالب سايبورغية موحّدة بغض النظر عن مرجعيات الوعي، وحساسيته لدى كل منهم.
وعلى هذا، يتّضح في النماذج التواصلية بين «ويندي» والكائنات أنّها قادرة على السيطرة على وعي تلك الكائنات عبر الحوار وخلق قواسم مشتركة، إذ تُدرك أنّ هذه الكائنات ليست سوى ضحية للإنسان ورغبته في التملّك، وأنّ محاولة استحضارها من بيئتها ليست إلا فعلاً تماثلياً، أو معادلاً موضوعياً لمحاولة تملّك وعي الأطفال ونقلهم إلى أجساد بالغة ليكونوا أدوات أو أسلحة. وفي النهاية، فالجميع ضحية للرأسمالية العلمية المتعطّشة للهيمنة، والسيطرة. هذا المخاض الذي يؤول إليه الحدث ينتج مفارقات وصراعات كثيرة بين الشركتين، وشيئاً من الفوضى التي تفضي في النهاية إلى نتائج تتمثّل في معاقبة العلماء المسؤولين عن هذه النماذج الاصطناعية، وتقديم نوع من الإدانة للعلماء الذين يستجيبون لجشعهم المالي وخضوعهم لمديري الشركتين. ويتّضح ذلك في موقف الزوجين العالِمَيْن، حين رفض الزوج طلب مدير الشركة مسحَ ذاكرة إحدى الأطفال، لتجاوز ذكرى لقائها بالكائن الفضائي، بينما رأت زوجته الأمر مبرّراً، وإن ظلّت تعيش قدراً من الحيرة، ومساءلة الذات.
لعلّ خلاصة الجزء الأوّل تبدو لي مُبشِّرة، فهي تعمد إلى تجسيد فني موفق من حيث تصعيد وتيرة السؤال الأخلاقي حول شكل العالم مستقبلاً، إذ ينتهي الجزء إلى نوع من تبادل الأدوار عبر فشل الشركة المالكة للسفينة الفضائية في السيطرة على الكائنات، وسرقتها من الشركة التي سقطت السفينة على أرضها، إذ تتعرّض كلتا الشركتين لانتكاسة تتمثّل في سيطرة الكائنات الفضائية على المشهد.
غير أنّ الأهم أنّ هذا التحوّل تحقّق عبر مساعدة الكائنات السايبورغية التي تحمل وعي الأطفال، بعدما أدرك هؤلاء أنّهم ليسوا سوى نماذج للتجربة، دون أي اهتمام أخلاقي بوجودهم أو وعيهم. وبذلك ينشأ تحالف بين الفضائيين والكائنات السايبورغية ضدّ الإنسان، بوصفه المفترس الحقيقي. وتتجلّى تلك الحقيقة عند السيطرة على مدير الشركة الشاب، ونماذجه السايبورغية التابعة له، وللشركة المنافسة، كون الأخيرة لا تمتلك وعياً متقدّماً، كما هو وعي الأطفال القادرين على الإحساس بالذات والهوية باستثناء بعض الذكريات، والهواجس.
نرى في مشهد أخير «ويندي» (الكائن السايبورغي الأكثر تقدّماً)، ومعها مجموعتها من الأطفال القابعين في أجساد اصطناعية ذكية، وبالتحالف مع الكائنات الفضائية الطارئة، حيث تعلن بوضوح أنّ العصر الماضي قد انتهى، وأنهم قد «وجدوا كي يحكموا العالم». وبذلك يُؤطّر المسلسل صورة مستقبلية قاد إليها تهور الإنسان، وكان سبباً في حدوثها بدافع تعطشه غير المحدود للسيطرة والسعي وراء الأرباح.


*كاتب أردني فلسطيني












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي