منصف الخروبي
انسحاب أميركا من أفغانستان يعني عودة نظام طالبان إلى السيطرة، وبالتالي يبدو أن السعي إلى تسوية بين الولايات المتحدة وطالبان هو السبيل الأفضل بالنسبة الى واشنطن لتفادي هذا الكابوس ولحماية مصالحها وذلك ضمن مخطط أميركي لبناء علاقات جيدة مع الإسلاميين.
«الانسحاب دون الهزيمة: الحرب على الإرهاب بعد العراق وأفغانستان»، مجلد صغير مفعم بأفكار كثيرة، هو عبارة عن مجموعة من الفصول تكشف عن حكمة المؤلف مارك كاتز وحذره عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية والحاجة إلى الصبر والإصرار عند السعي إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى.
كما يعرض من خلاله معرفته بمنطقة من العالم كثيرا ما أسيء فهمها. وبرغم من صغر حجم الكتاب وجد المؤلف مساحة لتقديم النصائح لصانعي السياسات الأميركيين، وذلك في حد ذاته يعد إنجازا في نص لا يتعدى حجمه 133 صفحة.
مارك كاتز، أستاذ الحوكمة والسياسة بجامعة جورج تاون، لم يتناول موضوعا جديدا بحد ذاته، وليس من المتوقع أن يضيف شيئا جديدا لما أنجزه الخبراء حول بعض الأماكن المتناولة بالدرس في الكتاب –من ضمنها اليمن وإيران وباكستان.
لكن الكاتب يسجل نقاطا لتقديمه الحقائق ذات الصلة بطريقة واضحة ونزيهة حتى أن أسلوبه النثري يشرك القارئ فيما يشبه حوارا ثنائيا هادئا، وتفسيرا صبورا من أستاذ إلى طالب شغوف. كما أن المقالات القصيرة والسهلة الاستيعاب مرتبة بطريقة منطقية لتكوّن تقييما مختصرا لإرث بوش وإرث أوباما المنتظر.
الخلافة الإسلامية
إن الكتاب مفعم بنبرة تفاؤلية مقبولة لكن دون الوقوع في السذاجة، بل على العكس من ذلك يتميز الكاتب بالصراحة المنعشة، وتخلو تقييماته مما كان خاطئا وما كان مصيبا من التحزب أو الإيديولوجيا أو العاطفية. وتترسخ نظرته للمستقبل في قراءة متأنية للتاريخ يدفعها استعداد لاختيار أفضل حالة مقبولة، وليس مجرد أسوأ حالة. ونجح عبر رسم مقارنة مع الحرب الباردة وهي مجال اختصاصه الآخر. لقد وجد الماركسيون اللينينيون والقوميون العرب أنه من الصعب البقاء متحدين عند نشر فكرهم، كما أفسدتهم السلطة وغالبا ما التجؤوا إلى نفس أنواع الاضطهاد التي انتقدوها سابقا. وولّدت هذه الممارسات معارضة أدت في النهاية إلى إحباط أهدافهم العظيمة.
وبنفس الطريقة قد يطلق الإسلاميون الراديكاليون العنان للعداء الطائفي داخل البلدان التي يريدون حكمها وفي الوقت نفسه يصطدمون بالمنافسين الإقليميين إذا أرادوا توسيع نفوذهم. وباختصار، إن الخلافة الإسلامية المهيبة العابرة للقوميات الممتدة من المغرب إلى أندونيسيا هي مجرد نزوة من الخيال ليس أكثر. ويستنتج كاتز أن الإسلاميين لا يتوقع أن يكونوا أكثر صبرا وبراعة وبعد نظر من الماركسيين اللينيين في فترة الحرب الباردة.
وتكشف مناقشة الكاتب للديناميكيات الإقليمية الخاصة بالأسباب الكامنة وراء ذلك، إذ يشرح كيف أن صعود التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة كان بفعل الانقسامات الطائفية داخل مجتمعات يعتقد كثير من الأميركيين أنها متجانسة. وعبر الكشف عن التناقضات الموجودة داخل العراق أو اليمن أو إيران أو بين الحركات الإسلامية العابرة للحدود الوطنية، يقترح كاتز كيف يمكن لخطة استراتيجية حكيمة أن تستغل هذه الانقسامات للتعجيل بزوال القاعدة. كما يجب على صانعي السياسات أن يكونوا متيقظين لتحول الولاءات والانتهازية من جانب أصدقاء الأمس وخصوم أميركا الحاليين.
لقد تحالفت إدارة بوش مع الموالين السابقين لصدام حسين في العراق وأعربت إدارة أوباما عن استعدادها لعقد محادثات مع المتعاطفين السابقين مع طالبان في أفغانستان وباكستان. وهذا التقارب يجلب هجمات من الخصوم السياسيين في الداخل الذين يشجبون التفاوض مع أي طرف لطخت يداه بالدماء الأميركية.
ويمكن أن يكون من الأصعب طرح حلفاء غير متعاونين جانبا حتى وإن اتضح أن المصالح الأميركية لا تتقابل مثلما هو الحال مع باكستان. لكن كاتز يبين بحجج مقنعة لماذا يكون من الضروري اتباع هذه المرونة من أجل تحقيق نجاح بعيد المدى؟
الولاء لأميركا
وقد يكون الإطار الذي وضع فيه الكتاب مثلما يعبر عنه العنوان «الانسحاب دون الهزيمة» الإنجاز الوحيد فبالنسبة إلى كثير من الأميركيين عبارة «الانسحاب» مرادفة للهزيمة. وبالرغم من أن أميركا لم تُمْنَ بهزيمة مخزية، لا يشعر أغلب الأميركيين أن حرب العراق كانت نصرا لهم، فالانتصار غالبا ما يكون مرتبطا بالبقاء. وقياسا بهذا المنطق يمكن القول بأن الولايات المتحدة انتصرت في ألمانيا واليابان وكوريا بما أن عشرات الآلاف من الأميركيين بقوا في هذه البلدان لأكثر من ستة عقود من وقف إطلاق النار.
لكن هناك حجة لا تقل إقناعا مفادها أن الاحتلال طويل المدى هو علامة عن ضعف البلد المحتل أو على الأقل عن الشك في الذات، فإذا كان الداعون إلى حروب التحرير مقتنعين بخطابهم بالقدر الذي يرغبون معه إيهامنا، عندئذ لا تحتاج القوات العسكرية للبقاء حتى يضمن الأميركيون إبقاء المحررين الجدد أصدقاء لهم. فإذا كانوا قد اشتروا حسن نواياهم بالدم والمال الأميركيين لماذا يجب على الأميركيين مواصلة التعهد بتمويل أمنهم؟ إن المعترف بالجميل بصدق من المفترض أن يكون أكثر من مستعد للتعاون مع الولايات المتحدة في مضيها قدما.
ويفسر الكاتب أن حساباتهم لا تخضع عادة لمشاعر الامتنان أو العاطفية فإذا اختار الخصوم السابقون التحالف مع الولايات المتحدة في المستقبل فذلك لأنهم يخافون أميركا أقل مما يخافون غيرها. مثلا أثناء الحرب الباردة أصبحت الأنظمة الثورية تنظر إلى نظام ثوري زميل على أنه يمثل تهديدا أكبر مما تمثله الولايات المتحدة التي كانت مكروهة في السابق. ومن ذلك أن حدث التقارب بين الفيتنام والولايات المتحدة نتيجة –في جزء منه- لتنامي قوة الصين وازدياد نفوذها، وقبل ذلك أدت التوترات بين الاتحاد السوفيتي والصين إلى فتح نافذة للدبلوماسية الأميركية مع البلدين. فهل تصبح طالبان تخشى الولايات المتحدة أقل من الجارة إيران؟ وهل يمكن أن تضع حكومة أو حركة إسلامية ثورية أخرى كرهها للولايات المتحدة جانبا لكي تحسن وضعها الأمني تجاه خصم مجاور؟ في حين أن هذه الفرضيات مستبعدة جدا في الوقت الحاضر فلا يمكن دحض إمكانية حدوث ذلك في المستقبل.
نبرة تفاؤل حذر تكمن وراء أغلب رواية الكاتب حول «الانسحاب لا يعني الهزيمة». لقد افترض أكبر الداعين إلى الحرب على العراق بأن التدخل سيحسن الأمن الأميركي الإقليمي والعالمي، كما كانوا متيقنين بأن انسحاب القوات الأميركية سيؤدي إلى الفوضى العارمة. لكن الكاتب يشرح بأن ذلك ليس بالضرورة قياسا بما حدث بعد انسحاب الولايات المتحدة من جنوب شرق آسيا في منتصف السبعينات. فيقول: «مثلما أدى الانسحاب الأميركي من الهند الصينية إلى ثقة النظام الماركسي المفرط في النفس والتوسع المفرط خلال عقد السبعينات، كذلك يمكن أن يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من العراق وأفغانستان إلى زيادة ثقة الإسلام الراديكالي في النفس وتوسعه المفرط الذي يمكن أن تستخدمه الولايات المتحدة لصالحها. بعبارة أخرى، الانسحاب لا يعني بالضرورة الهزيمة».
هل الأميركيون مستعدون لمثل هذه الصراحة؟ لقد احتفلت الولايات المتحدة مؤخرا بالذكرى العاشرة لغزو العراق، وفي الوقت الحاضر يفكر البعض علانية في القيام بعملية مماثلة في إيران البلد المجاور. وتتواصل الرغبة –وفي بعض الأحيان التحمس- في حرب جديدة بالرغم من أن الحرب التي امتدت لمدة 12 عاما في أفغانستان لم تنته بعد. ومن شأن قراءة صحيحة للدروس المستخلصة من العراق وأفغانستان أن تتضمن التشكك في المهمات المفتوحة لبناء البلدان، والقلق من أن تغيير النظام من المحتمل أن تتبعه الفوضى الاجتماعية وحرب أهلية دامية محتملة، والتواضع بخصوص حكمة الحرب الوقائية التي وصفها بسمارك يوما بأنها «الانتحار مخافة الموت».
وباختصار، لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى اجتياح العراق وأفغانستان ليتعلم الأميركيون أن الحرب مكلفة ولا يمكن تكهن نتائجها. ومن خلال قراءة سريعة للتاريخ نتبين أن البقاء لا يضمن النجاح، لكن بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يعرفون هذه الدروس والمستعدين للاستماع فقد أسدى لهم الكاتب مارك كاتز خدمة جليلة.