تبدو الكتابة عن حدث اغتيال البوطي بمثابة المشي على حقل ملغوم، فمحاذير قراءة الحدث تقوم أولا على أن الرجل يمثل أحد أكبر الموالين لنظام بشار الأسد، وهي موالاة واصل الإصداع بها حتى أيامه الأخيرة، لكنه كذلك رجل دين معتدل وكانت له مواقف كثيرة في مناهضة الإسلام السياسي. وعرفَ خاصة بخلافاته مع القرضاوي في بعض المراحل.
محمد سعيد البوطي هو رجل دين تخصص في العلوم الإسلامية وعُدَّ أحد أهم المرجعيات الدينية في العالم العربي الإسلامي، وحصل على جائزة دبي للقرآن الكريم في دورتها الثامنة عام 2009 بصفته «شخصية العالم الإسلامي»، وله أكثر من 60 كتابا طالت مختلف المباحث الإسلامية، وعرف كذلك بدفاعه المستميت عن الفقه الإسلامي المذهبي والعقيدة السنية في مواجهة الآراء السلفية حيث أصدر كتابا حمل عنوان «السلفية مرحلة زمنية مباركة وليست مذهبا إسلاميا»، كما أن علاقته بإخوان سوريا كانت موسومة بالعداء لأنه كان يحرصُ على نبذ العنف المسلح وعدم تسييس الدين.
لكن الموقف من الرجل تغيّر منذ اندلاع الثورة السورية في شهر مارس 2011، حين سارع الشيخ البوطي إلى مناصرة النظام القائم ورفضَ الحراك الشعبي وانتقد المحتجين ودعاهم إلى «عدم الانقياد وراء الدعوات المجهولة المصدر التي تحاول استغلال المساجد لإثارة الفتن»، لكنه أصدرَ فتوى بـ«حرمة قتل المتظاهرين حتى ولو كانَ جبرا».
الملاحظ هنا أن موقف رجل الدين السوري اعتبرَ خدمة للنظام خاصة في أولى أيام الثورة التي انطلقت شعبية وحافظت على سلميتها قبل أن تتحوّلَ إلى نزاع إقليمي بتورط تيارات دينية متشددة على غرار جبهة النصرة وغيرها. فما الذي يميّزُ اغتيال الشيخ البوطي؟ ولماذا يمثل اغتياله منعرجا في نسق الأحداث؟
الملاحظة الأولى المتعلقة بالحدث تتمثل في أنه حدث أثناء تفجير جامع الإيمان بدمشق، ولا شكّ أن استهدافَ جامع أو مسجد بذلك المنسوب من العنف يمثل مسّا وتطاولا على أماكن تمثل منطقة إجماع يفترضُ أن تعلو على كلّ الخلافات السياسية، ومهما كان القائم بالفعل – في ظل تبادل الاتهامات بين النظام والمعارضة – فإن استهداف مسجد واغتيال رجل دين معتدل يحتوي دلالات خطيرة تمسّ ما ينتظرُ الثورة السورية من تصعيد، وهو إيغال في الاستهانة ببيوت الله باستحلال تفجير المساجد وقتل المصلين وسفك الدماء أثناء الصلوات والدروس الدينية. ويبدو من خلال تفجير جامع الإيمان أنه لم تعد توجد مواقع أو أماكن معفية أو مستثناة من الاستهداف.
الملاحظة الأخرى المرتبطة بالحدث نفسه هي ما تلا مقتل البوطي من آراء صدرت من رجال دين وعلماء، وهي آراء لم تنأ بنفسها عن توظيف الدين لخدمة السياسة ومن ذلك ما قاله عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة (غرب السعودية) من أن رجل الدين السوري محمد سعيد البوطي الذي قتل في تفجير في دمشق «من أئمة البدع والضلال وبموته يخف الشر». والثابت أن هذا التصريح من شأنه أن يزيد في الاحتقان السياسي المهيمن على الوضع السوري منذ سنتين. ونذكر كذلك موقف التيار السلفي في الأردن من حادثة اغتيال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حيث قال القيادي في التيار محمد الشلبي المعروف بكنية «أبي السياف» إن «جبهة النصرة لأهل الشام كانت تتمنى قتل عالم أمن الدولة السوري محمد البوطي، ولكننا ندين الطريقة التي قتل بها داخل مسجد».
بعد آخر يمكن إضافته إلى رؤية الحدث يقوم على موقف محمد سعيد البوطي من الإسلام السياسي ومن عتاته أمثال يوسف القرضاوي، حيث ذاع عن البوطي قوله عن القرضاوي بأنه اختار «الطريقة الغوغائية التي لا تصلح الفساد وإنما تفتح أبواب الفتنة»، وكان البوطي يجاهرُ بخلافه ونقده للقرضاوي منذ سنوات، وكان يمثل «صنفا» آخر من رجال الدين بخلافاته مع السلفية والإخوان وعدائه الواضح للإسلام السياسي. وتذكرُ بعض المصادر أن القرضاوي وفي إحدى إطلالاته الأخيرة على برنامج «الشريعة والحياة» في قناة الجزيرة سُئلَ عن حكم «الوقوف مع النظام السوري» أجاب «الشيخ» بلا تردد بـ»جواز قتل أي مدني أو عسكري»، ولو تم اعتماد هذه «الفتوى» لمثلت «جوازا» مفتوحا بقتل كل رجال الدين المساندين للحكومات العربية النائية بنفسها عن أعاصير «ربيع عربي»، لكن القرضاوي سارع إلى ترميم موقفه بعد مقتل البوطي بقوله «كان صديقي» وأنه «تمنى لو هداه الله في آخر المدة، ولا أستطيع أن أدعو له إلا بالمغفرة والرحمة لكنه بقي مع النظام إلى آخر لحظة إلى أن قتل في مسجده». لكن موقف القرضاوي الأخير بعد مقتل البوطي لا ينطلق فقط من اصطفاف الرجل إلى جانب النظام السوري فقط، بل يعود إلى أنه معارض شرس لخلفيات سياسوية واظب القرضاوي على تصديرها بإتقان وازدواجية. فمجاهرة البوطي بالعداء للإخوان المسلمين سواء في سوريا أو في غيرها، وعدائه للسلفية بمختلف أقسامها وفروعها جلبت له عداء طائفة واسعة من «علماء الدين»، لم يتورّع بعضهم عن التهليل لوفاته رغم بشاعة الحدث والتفجير، مثلما أشرنا آنفا إلى موقف السديس عندما اعتبر أنه «من أئمة البدع والضلال وبموته يخفّ الشرّ».
وفي سياق الموقف من القرضاوي وأدواره التي ينفذها أخيرا قال صلاح الدين أبو عرفة أحد أئمة المسجد الأقصى أن القرضاوي أحل الحرام وجعل الحديد الأميركي خلف ظهره يحرق به إخوانه ويجلب عليهم ما لم تستطعه الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني، وأضاف أن على المسلمين عزل القرضاوي والحجر عليه قبل أن تحدث فتنة في الأمة، وأكد أن قناة الجزيرة هي التي أباحت دماء المسلمين وهي التي أتاحت للقرضاوي أن يبيح الدماء.
نصلُ إلى أن سيل المواقف المُدينة لقتل الشيخ البوطي تعكسُ تخوفا عاما من التحول الخطير الذي تقدم عليه سوريا، ورغم أن المواقف صدرت من جهات مختلفة ومتناقضة سواء كانت من النظام السوري وحلفائه، أو من المعارضة (الإئتلاف السوري) ومناصريه، ورغم أنها تحمل تبادلا للاتهامات إلا أنها تتفقُ في الإدانة وفي التنبيه إلى خطورة الحدث، وإلى أن مناصرة البوطي للنظام لا تجيز ولا تبرر قتله بتلك البشاعة. لكن الثابتَ أن أساطين الإسلام السياسي الذين هلّلوا لقتله فعلوا ذلك لأنهم تخلصوا من خصم عنيد كان يحاربهم بأدواتهم ويرفض دعاويهم القائمة على توظيف الدين وتسييسه.