من الخطأ القول: إن الحزبية الإسلامية المعاصرة، هي حالة استرجاع للماضي، أو استنساخ للتاريخ، أو عودة كما يردد البعض "لقرون وسطى". لا شك أن الذاكرة التاريخية، والثقافة الإسلامية المختزنة في النصوص، تلعب دوراً في مجال انتقاء بعض الصور، والإستشهادات، وتمثل بعض الرموز التاريخية، وكما هو الحال عندما تستحضر نصوص ابن تيمية في نصوص الجهاد، أو مواقف الإمام الحسين في التضحية والفداء. ولكن لا بد من الاستدراك للتأكيد بأن العودة إلى الماضي ليس هو سبب نشؤ الحزبية الإسلامية المعاصرة، وبأن تَلبُس لبوس الإسلام السياسي للقول بأن الإسلام دين ودولة ليس هو المرجعية-الأصل لما يقال ويمارس اليوم في الإسلاميات السياسية الجديدة.
نعم، الماضي نقرأه في المفردات والمصطلحات، لكن مضمون هذه المفردات والمصطلحات أضحى جديداً وحديثاً، ولم يعد يملك ذات المعنى القديم . فليس مضمون ما حمله الفقهاء القدامى في تمثيلهم للشريعة وقولهم بالسياسة الشرعية مثلاً، وفي تعيين موقعهم من السلطان وسياسته هو مضمون ما يطالب به الإسلاميون الجدد.
الحزبية الإسلامية الجديدة، هي ظاهرة حديثة، بل هي من نتاج الحداثة العالمية، هي بتعبير آخر الفكرة الضد المتولّدة عنها، (وبالمعنى الذي يعنيه منهج الجدلية التاريخية عند هيجل وماركس)
انها ، من جهة ، حالة احتجاج على نتائج الحداثة المشوّهة، وكما عيشت في أطراف مركزها، أي في العالم الثالث، وفي حالنا في مدن العالم الإسلامي الفقيرة في ضواحيها الريفية وجيوبها، ولكن من جهة ثانية هي حالة تماهٍ مع كثير من إفرازات وتداعيات هذه الحداثة أنها تماهٍ مع مفهوم الحزب الثوري أو الطليعي ودوره في المجتمع وفي العالم، وتماهٍ مع مفهوم الكفاح المسلح ووظيفته كأداة خلاص، وتماهٍ أيضاً مع دور المثقف الثوري أو العضوي في علاقته بالجماهير، وتماهٍ مع دور المعرفة الحديثة ولا سيما في شقها التكنولوجي والمعلوماتي، في الإعداد والتخطيط والتثقيف والتعبئة.
فعلى المستوى التنظيمي : نلاحظ التماهي بين بنية الحزب اللينيني والحزب الإسلامي: الأمير هو الأمين العام، وشورى الحزب هي اللجنة المركزية، والداعي هو المثقف الثوري.
وعلى مستوى العلاقة بالسلطة: البرلمانية ، كما الإنقلاب ، كما الثورة الشعبية، كلها وسائل لمواجهة ما كان يسمّى في قاموس الحداثة السياسية التقدمية: امبريالية ورجعية وعملاء واستعمار، فأصبح لها تسميات إسلامية: "الاستكبار ، الشيطان ، والطاغوت ، والجاهلية".
أما المجتمع المدني ، فهو المجتمع الديني أو الجماعة المتضمنة والمتكافئة حيث تذوب المصالح ، والطبقات، والنقابات في "جمهور" طاهر ومقدّس وشريف، بل هو الأقدس والأشرف كما يرى نفسه، أو يصوّر له، انه "الأمة" العظيمة . والأمة هي أمة الحزب ، والحزب هو "الأمة" مفاهيم لم يعرفها التاريخ الإسلامي .
وعلى مستوى الثقافة والعلم: الثقافة يختزلها الدين، والدين يصبح ايديولوجيا وطقسا، يُقرأ الإسلام ايديولوجيا ثورية كما قرأ لينين الماركسية في عز حداثة مطالع القرن العشرين، والطقس يصبح مناسبات للتحشيد والجمهرة والتعبئة، والتسامي والتشوّف للإحساس بالقوة وللاستقواء على الآخر "المختلف"، سواء كان هذا المختلف عدواً خارجياً، أم خصماً داخلياً.
أما العلم، فالعلم المفضّل لدى الإسلاميين هو العلم الموصل إلى التكنولوجيا النافعة، لذا يلاحظ الدارسون أن أكثر البيئات حقولاً لكسب المجاهدين والأنصار والمحازبين في الأحزاب الإسلامية هي كليات العلوم والتكنولوجيا، ويلاحظ أيضاً أن أكثر القيادات والكوادر الإسلامية تأتي من أوساط المهندسين والأطباء، أي من وسط علمي بعيد أو مقطوع الصلة بالفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع .
أما عن هذه العلوم الأخيرة (الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية) ، فموقف الإسلاميين منها يختلف من بيئة لأخرى.
- البيئة السلفية السُنَّية، تزدري الفلسفة بل تكفّرها، وهذا موقف ينسجم بين قديمها المكفّر للفلاسفة في الأصل وبين جديدها المكفر للحضارة الغربية بكليتها. (سيد قطب، ومحمد قطب، وآخرون...).
- أما البيئة الأصولية الشيعية، والتي كانت في قديمها متصالحةً مع الفلسفة (ومن أوجه ذلك اقترابها من المعتزلة في بعض القضايا كنظرية الحُسن والقُبح العقليين)، فإن بعض قياداتها الأصولية المعاصرة تعاطت وتتعاطى مع الفلسفات الغربية المعاصرة (كالماركسية والليبرالية...) تعاطياً نقدياً.
ومثال ذلك ما نقرأه في كتابات مرتضى المطهري ومحمد باقر الصدر،على أنَّ هذا التعاطي النقدي مع الفلسفة الغربية (وهو تعاطي جزئي ومحدود وأحياناً سطحي) ظل ويظل محدوداً وعديم التأثير في ثقافة جمهور وأتباع الأحزاب الشيعية، ذلك أن الثقافة السائدة في التعبئة المباشرة، ومن حصيلة النقد المتسرّع والمنمَّط الموجّه للفلسفات الغربية ومناهجها، تعود فتلتقي مع خطاب السيد قطب ومدرسته في رفض الحضارة الغربية وعلومها الإنسانية والاجتماعية.
إذنْ ثمة قاسم مشترك يجمع ما بين موقف الإسلاميين، شيعةً وسنةً، حيال الفلسفة الغربية وعلوم الإنسان والمجتمع، ومن ضمنه التاريخ في مناهجه الجديدة، هو تجنيب المسلمين "تجرّع" كأس الإطلاع على أكثر العناصر إيجابيةً في الحضارة الغربية، ألا وهو منهج النقد الذي يسمح بالتغيير والتحسين والتطوير والتجاوز والقفزات في كل حقول المعرفة الإنسانية ، بما فيها العلوم البحتة والتكنولوجيا ، كما يسمح بالتغيير في الذهنيات والعقليات. ولعلّ هذا هو العنصر الخطير الذي يقلق العقل الإسلامي الحزبي الجديد الذي يقود الحزبية الإسلامية اليوم، فيغلق هذا الباب من أبواب الحداثة، ويفتح على مصراعيه باب آخر من أبوابها ، يطل على ما يثير شهية الإسلاميين في هذه الحداثة: الحزب الثوري، الانقلاب، والثورة الشعبية والعنف، والتكنولوجيا المعلوماتية، وكل أشكال الإنتساب إلى الهويات المعارضة للدولة الوطنية المدنية والتي هي بدورها نتاج تلك الحداثة.
على أننا نلاحظ في هذا السياق بروز محاولات جديدة، ظهرت منذ ثلاثة عقود تقريباً ، قام بها أكاديميون إسلاميون، درسوا علوماً إنسانية واجتماعية في الجامعات، وبعضهم في جامعات غربية، يحاول هؤلاء – على حد تعبيرهم- أسلمة المعرفة الحديثة في قطاع الإجتماع والتاريخ والإنسان، بهدف تأسيس مناهج للعلوم الإنسانية دعوها "مناهج إسلامية" تجلى ذلك في ما نشره وينشره "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" في الولايات المتحدة ، وفي مقررات الجامعة الإسلامية في ماليزيا، وكذلك في المجلة التي تصدر عن المعهد بعنوان "إسلامية المعرفة" . وأقدّر أن هذه المحاولات التي يبذل فيها جهد بحثي كبير ، هي تمارين ذهنية شيقة، ولكنها تقوم على معادلات انتقائية وتوفيقية بين ما توصّلت إليه مناهج علوم الإنسان والإجتماع في الغرب، وبين تأويل وتفسير لآيات وأحاديث وآراء لعلماء مسلمين قدامى من عصر الإزدهار في الحضارة الإسلامية.
هذا ، ومهما يكن من أمر هذه الحداثة على مستوى النخب الإسلاميةً، فإن الخطاب الثقافي –العلمي لدى الحزبية الإسلامية عموماً، تظل قائمة بشكل أساسي على التعبئة الإيديولوجية المطلقة، خارج أي نسبية أو احتمال خطأ أو صواب، فالمجتمع لا يقوم إلا عبر توحيده تحت مظلة الشريعة.
وهذه الأخيرة تحوّلت من فقه يتكوّن ويتشكّل بالتفاعل مع المجتمع ومع ضروراته ومكوناته، إلى ايديولوجيا شمولية قابضة على الفقه والفقهاء، وهذا المجتمع أيضاً لا يسلَم ولا يُحرس إلا بإمارة وحزب ونخبة وقائد. هذه هي الدولة. إذاً لا سياسة بما تعنيه هذه الأخيرة من إمكانات اختلاف وتباين، ولا إمكان لقيام أكثرية وأقلية ، ولا مرجعية دستورية وضعية لتنظيم العلاقة بين المختلفين فلا مواطنة إذاً. العمل الإسلامي، عمل حزبي حديث يستعير من حداثة الغرب صيغة الحزب الواحد ومفهومه، وتكنولوجيا المعرفة والمعلومات ، ومن صيغ التعبئة الشعبية المنتقاة من الطقس الديني والصيغ التنظيمية الحديثة وسائل عمله.
والنتيجة ، أن ما يحتاج اليه العمل الإسلامي ليكون سياسياً هو السياسة نفسها وبمفومها الديمقراطي ، لا بمفهومها الراديكالي الثوري والإنقلابي . ما ينقص الأحزاب الإسلامية العربية هو أن تكون ديمقراطية بالفعل، لا في الخطاب التوسلي فحسب، بل في الثقافة والممارسة وإن كانت أنظمتها غير ديمقراطية، وهذا لا يتأتى بالخطاب ، بل بتأسيس ثقافة ديمقراطية مدنية تكون المنطلق الحاضن للعمل الإسلامي. وهذا- مع الأسف- لم يحصل في التجربة التاريخية العربية الحديثة، لا مع تجربة القوميين، ولا مع تجربة الإسلاميين، ولا مع تجربة الأسر الملكية المحافظة، ولكنه حصل- بالمقابل في تجربتين :
- حصل مع قيام الأحزاب المسيحية الديمقراطية في التجربة الأوروبية .
- وحصل ويحصل مع قيام وتقدم وانتصار الحزب الإسلامي التركي في تركيا حزب العدالة والتنمية، وهذه التجربة التركية مختلفة عن التجربة العربية في فهمها للإسلام السياسي.
هذا، وإن اختلاف تجربتها يقع في حيز اختلاف بيئاتها الثقافية والسياسية واختلاف تجاربها التاريخية، وكيف استفادت من هذه التجارب، تلك هي معضلة الحزبية الإسلامية العربية. أنها لم تطرح سؤالاً عن تجارب التاريخ الإسلامي وعن الفرق بين الرعية والمواطنية، وعن الفرق بين الدولة السلطانية والدولة الوطنية الحديثة. ولذا يبقى مفهوم المواطنية في مجتمعاتنا مفهوماً غائماً وغير متحقق .