فيلم اغتيال بن لادن.. تبرير التعذيب ام إدانته؟

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2013-02-07

 شعلان شريف - أثار جدلاً كبيراً حتى قبل عرضه في دور السينما الأمريكية، ولا يزال الجدل حوله مستمراً، بعد بضعة اسابيع من طرحة في الاسواق. ومن المتوقع أن يزداد الجدل مع اقتراب موعد إعلان جوائز الأوسكار، حيث رشح الفيلم لخمس جوائز. إنه فيلم 'زيرو دارك ثيرتي' للمخرجة كاترين بيغلو.

يحكي الفيلم قصة عشر سنوات من البحث عن اسامة بن لادن ابتداءً من هجوم برجي التجارة في نيويورك وحتى قتله في الدار التي كان يختبئ فيها في مدينة أبوت آباد الباكستانية. ويشير عنوان الفيلم إلى توقيت عملية اقتحام المنزل وقتل زعيم تنظيم القاعدة، بعد منتصف الليل الذي يطلق عليه في المصطلحات العسكرية الأمريكية 'زيرو دارك'.
 
معتقلات سرية
 
النقطة الأكثر إثارة للجدل في الفيلم هي الموقف من استخدام التعذيب في المعتقلات التي تشرف عليها وكالة المخابرات المركزية (سي آي أيه)، للحصول على اعترافات، سواء في معتقل غوانتنامو أو في معتقلات، معظمها سرية، خارج الولايات المتحدة. بعد لقطات وثائقية تصور هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) في نيويورك، يبدأ الفيلم في قاعة تحقيق في مكان سري في باكستان. يمارس المحقق الأمريكي وسائل التعذيب البدني والنفسي على المعتقل 'عمار' من أجل الحصول منه على معلومات حول مجموعة تخطط لهجمات جديدة، أطلق عليها 'المجموعة السعودية'. وتبدأ القصة بوصول محققة شابة اسمها مايا (الممثلة جسيكا شاستاين). بالرغم من بعض التعبيرات التي يمكن أن يـُفهم منها أن 'مايا' ممتعضة من أساليب التحقيق العنيفة، لكنها لا تبدي أي معارضة، ولاحقاً تشارك في تلك الممارسات.
في النهاية تستطيع المحققة 'مايا' أن تعثر على الخيط الذي سيوصل إلى تحديد مكان اسامة بن لادن، وتصر على متابعة الخيط بالرغم من معارضة رؤسائها الذين لم يقتنعوا بأطروحاتها.
لحظة التحول الرئيسية في مسار الأحداث تأتي اثناء جلسة لعدد من موظفي السي آي أيه في باكستان من بينهم 'مايا' عن الحديث فجأة ليتابعوا تصريحا تلفزيونيا لباراك أوباما عقب وصوله إلى سدة الرئاسة مطلع 2008، حيث يتعهد بوقف كل ممارسات التعذيب في المعتقلات التي تشرف عليها السلطات الأمريكية.
 
أسئلة مفتوحة
 
تعمدت المخرجة كاثرين بيغلو أن تترك أسئلة كثيرة دون أجوبة محددة، ليملأها المشاهد بنفسه. السؤال الأهم، هل كانت التحقيقات العنيفة وممارسات التعذيب هي التي أوصلت 'مايا' إلى الصيد الثمين، أم لم يكن للتعذيب دور في ذلك. 
منتقدو الفيلم والمدافعون عنه أجابوا على هذا السؤال كل حسب موقفه. جاء الدفاع عن الفيلم ومخرجته من جهة غير متوقعة، المخرج السينمائي البارز، والمعروف بمواقفه السياسية المعارضة بقوة لسياسة الرئيس السابق جورج دبليو بوس، مايكل مور. عرف مايكل مور بوقوفه بقوة ضد حرب العراق وكذلك ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت في إطار 'الحرب على الإرهاب'، وخاصة ممارسات التعذيب والمعتقلات السرية.
 
كتب المخرج المثير للجدل بدوره مليكل مور: 'زيرو دارك ثيرتي قالها بوضوح: سبع سنوات من التعذيب في عهد بوش ولم نعثر على اسامة. انتخبَ أوباما. توقف التعذيب.. وماذا حدث؟ عثرنا على بن لادن.'
الكاتب والناقد العراقي- الأمريكي سنان أنطون أبدى في أجوبة مكتوبة لإذاعة هولندا العالمية استغرابه الشديد من موقف مايكل مور: 'للأسف، هذه أول مرة أجد مايكل مور يتفوه بآراء غريبة وساذجة. الغالبية العظمى من جمهور الفلم يخرج بانطباع مفاده أن التعذيب قادنا إلى بن لادن وهذا ما يقوله الفلم بوضوح. الجمهور لا يقرأ تقارير الكونغرس ولا يتابع هذه الأمور والفكرة السائدة هي أن التعذيب قاد إلى بن لادن.'
 
تزييف
 
يرى سنان أنطون، الذي يعمل أستاذاً للأدب العربي في جامعة نيويورك، أن الفيلم في حدّ ذاته 'تقليدي' ويضيف: 'لم أجد ما هو متميز فيه جمالياً ولا يختلف عن هذا الجنس من أُفلام الإثارة التي تدور حول العمليات العسكرية والاستخبارية. لكن الفيلم إشكالي سياسياً وحتى أخلاقياً لأن المخرجة وكاتب السيناريو أدعيا أنهما اعتمدا على الوثائق والمعلومات في كتابة السيناريو. لكن التزييف الكبير في الفيلم هو أنه يقنع المشاهد بأن التعذيب قاد إلى أو ساعد في القبض على بن لادن وهو ما فنده مسؤولون وساسة كبار، في مقدمتهم السيناتور جون ماكين، وهو يميني لكنه كان تعرض للتعذيب في فييتنام، وهو على اطلاع على كافة المحاضر والمعلومات من موقعه. والحقيقة هي أن المعلومات التي قادت الأمريكان إلى بن لادن جاءت من مخبر على الأرض في باكستان وليس من التعذيب.'
 
أبو أحمد الكويتي
 
الفيلم طبعاً لا يربط بشكل مباشر بين ممارسات التعذيب والمعتقلات السرية وبين تحقيق الهدف بتحديد مكان اختباء بن لادن. وفي الفيلم فإن شخصية 'أبو أحمد الكويتي' هي التي الحلقة التي أصرت المحققة مايا على تتبعها مقتنعة بأنها ستوصلها إلى بن لادن. وقد بدأت بتتبع هذه الشخصية في الفترة التي تلت خطوة حظر التعذيب التي اتخذها أوباما. لكن هذه الشخصية كانت قد ذكرتْ أصلاً في التحقيقات في السجون السرية ووصف أبو أحمد بأنه المراسل المباشر لأسامة بن لادن. وقد توقف المحققون عن تتبعها بعدما اقتنعوا بأن 'أبو أحمد الكويتي' قد قتل.
هنا تكمن الرسالة المزدوجة وغير الواضحة التي أرادت المخرجة إيصالها والتي تركت المجال للتأويلات المتعارضة. لولا الاعترافات المأخوذة تحت التعذيب لما عرف المحققون شيئاً عن 'أبو أحمد الكويتي'.. من جهة أخرى: الاعترافات تلك كانت مضللة وأقنعت السي آي أيه بأن أبو أحمد قد مات.
 
أنسنة القاتل
 
الكاتب العراقي الأمريكي صاحب رواية 'إعجام' ورواية 'وحدها شجرة الرمان' المرشحة حالياً ضمن اللائحة القصيرة لجائزة 'بوكر' للرواية العربية، لا يرغب بالتوقف عند هذه التفاصيل، ويرى أن الفيلم بمجمله يدعم وجهى نظر المخابرات المركزية: 
' تظهر بطلة الفلم بعض التأثر من قسوة التعذيب في بداية الفلم لكنها تتعود وتتقبل الأمر بسرعة. لا يظهر الفيلم، ولا يشير البتة، إلى المئات الذين تم تعذيبهم ثم اتضح أنهم أبرياء، وبعضهم من مواطني ألمانيا وكندا والولايات المتحدة ،كان ذنبهم الوحيد أنهم عرب أو مسلمون. كما لا يشير الفلم من بعيد أو قريب إلى حربي العراق وأفغانستان وهما حربان شنتا بذريعة محاربة الإإهاب. هذه نقطة جانبية لكنها مهمة.'
يضع الكاتب والناقد أنطون الفيلم في سياق ظاهرة اشار لها في كتابات سابقة تتمثل في أعمال فنية وادبية تشيع في أمريكا تركز على تقديم الجنود السابقية والقتلة ومحققي السجون السرية من وجهة نظر إنسانية، بحيث يذهب تعاطف الجمهور إلى الجلاد بدلا من الضحية: 'لم يكشف الفلم حقائق جديدة فكل شيء كان قد كتب في الصحافة ولكنني وجدت تصوير الفلم لمعاملة أطفال وأقرباء بن لادن سخيفة لأنه أظهر الجنود الأمريكان وهم في غاية اللطافة مع الأطفال بعد ثوان من قتل أهلهم وهو أمر غير واقعي. لكن هذا يندرج في إطار أنسنة القاتل وهو ما فعلته المخرجة أيضاً في فلمها السابق عن العراق. لا يطرح الفلم أي أسئلة ولا حتى جملة واحدة عن شرعية الاغتيالات السياسية والقتل بدون محاكمة. لا يسأل أحد من المحللين: لماذا لا نحاول القبض على بن لادن ومحاكمته؟'-عن إذاعة هولندا العالمية











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي