تحليل : إريك موهنس وأندريه بانك وتداعيات الثورة السورية..هل اقتربت ساعة جبهة المقاومة

خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
2012-12-07

لندن- زعزعت الثورات العربية التي اندلعت منذ 2011 الأنظمة السياسية الاستبدادية في الشرق الأوسط وساهمت في تحول تكتلات القوة الإقليمية وديناميكيات تكوين التحالفات. فقد اهتز النظام الإقليمي بإزاحة حسني مبارك عن الحكم في مصر وسقوط نظام العقيد القذافي في ليبيا والانتفاضة الجارية الآن في سوريا.

ومنذ اندلاع الانتفاضة السورية في مارس – آذار 2011 تحولت سوريا من فاعل إقليمي أساسي إلى حلبة صراع للسياسة الإقليمية. وقد أعار المحللون اهتماما قليلا للديناميكيات والتطورات الداخلية لمحور المقاومة المعادي للغرب الذي لعبت فيه سوريا دورا أساسيا، وهذا المقال يحاول تدارك هذا النقص باقتفاء جذور جبهة المقاومة ثم النظر في كيفية ردة فعل مكوناتها تجاه الانتفاضة السورية.

جبهة المقاومة

تحيل جبهة المقاومة إلى التحالف بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا وحزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية. ما يميز هذا التحالف هو صعوبة تصنيفه تحت مسمى واحد مثل 'الأصولي' أو 'المقاتل' أو 'المساند لإيران' أو 'الشيعي'. فمثلا وجود حماس –وهي حركة سنية- فيه يقوض تعريف الجبهة على أنها تحالف طائفي شيعي.

أما أحسن تصنيف للجبهة فهو اعتبارها تحالفا سياسيا له عدو مشترك يشمل معارضة إسرائيل ورفض السياسات الغربية وخاصة الأميركية في المنطقة والعداء تجاه الأنظمة العربية المساندة للغرب مثل مصر حسني مبارك والمملكة العربية السعودية والأردن.

أما فيما يخص الجانب الإيديولوجي والهوية السياسية فتوجد اختلافات كبيرة بين إيران وسوريا وحزب الله وحماس.

وقد تمكن كل طرف في هذا التحالف من خدمة مصالحه الخاصة واتخذ قراراته بنفسه على الساحة الدولية دون أن يتمكن أي طرف آخر من فرض سيطرته عليه بالرغم من الفارق في القوة العسكرية. وبصفة عامة عزز نضال حماس وحزب الله ضد إسرائيل شعبية الجبهة وهيبتها في المنطقة العربية، إن لم يكن في داخل البلدان الأعضاء.

وبرغم الاختلاف الإيديولوجي والسياسي بين أعضاء التحالف فقد وحّد بينهم 'الإجماع النضالي' ضد إسرائيل حتى أنه يصعب التمييز بين مختلف الفاعلين بسبب الخطاب العاطفي الملتهب الذي يستعمله الجميع.

لكن العلاقات بين هؤلاء الأعضاء ديناميكية وتتغير باستمرار في الاستجابة للتطورات الداخلية والإقليمية والدولية.

ومن ذلك تباينت المصالح الإيرانية والسورية مع مرور الوقت ففي حين أن إيران رفضت أي تعامل مع إسرائيل أكدت سوريا مرارا استعدادها للتفاوض مع جارتها وتطبيع العلاقات الثنائية شريطة الاستجابة لبعض الشروط في اتفاق سلام.

وإثر الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 اتضح تناقض المصالح الإيرانية والسورية إذ ساندت إيران نوري المالكي بينما دعمت سوريا إياد علاوي في انتخابات ديسمبر-تشرين الأول 2010.

ومنذ سنة 2010 تكثف التعاون الأمني والعسكري بين حزب الله وسوريا وإيران مما جعل بعض المحللين يقولون بحدوث تحول في العلاقة من تعاون سياسي استراتيجي إلى تحالف عسكري كامل.

الفاعلون في جبهة المقاومة 2011- 2012

إيران

على مدى الثورة السورية منحت ايران دعما غير مشروط لنظام بشار الأسد، فمن مصلحة ايران الحفاظ على النظام لأن أي تغيير قد يؤدي إلى إعادة التفكير في التحالف الاستراتيجي مع إيران. وتتبنى إيران رواية الأسد القائلة إن الانتفاضة السورية مؤامرة أجنبية بتنسيق من أميركا وإسرائيل وبدعم من الحلفاء الإقليميين مثل السعودية تهدف إلى إعادة هيكلة الشرق الأوسط.

حزب الله

مثل إيران كان لحزب الله موقف مختلف من الانتفاضة السورية عن باقي الانتفاضات العربية التي رحب بها على اعتبارها ثورات شعبية ضد الحكّام الظالمين المستبدين. فبينما أحجم حزب الله في الأشهر الأولى من الانتفاضة السورية عن إعطاء موقف واضح، انحاز بعد صيف 2011 إلى جانب الأسد وذلك على إثر عسكرة المعارضة وإطلاق دعوات فردية من المعارضة المشتتة للتدخل الأجنبي والحماية الدولية.

وتبنى حزب الله الرواية القائلة إن ما يحدث في سوريا هو تعبير عن المعركة بين بلدان 'المقاومة' والبلدان المنحازة للغرب. وحسب السيد حسن نصر الله فإن النظام السوري قد وافق على كل الإصلاحات السياسية التي تطلبها المعارضة وعبر عن استعداده للدخول في مفاوضات من أجل حل الأزمة.

وبالرغم من دعم قيادة حزب الله للنظام السوري فإن بعض الكوادر الحزبية من الدرجة الثانية والثالثة عبروا سرا عن انتقادهم لموقف الحزب ورأوا أن دعم نظام يقمع مواطنيه بوحشية سيضر كثيرا بمصداقيته في كامل المنطقة ولذا يجب أن يطالب الحزب بصوت أعلى لتطبيق إصلاحات حقيقية.

ويبدو أن هذا الرأي يرتكز على أساس أن حكومة منتخبة ديمقراطيا في سوريا يمكن أن تحول دون احتكار الإسلاميين السنة للسلطة الذي يمثل تهديدا لميزان القوى الحالي في لبنان.

وتتمثل تفسيرات الموقف الذي اتخذته قيادة حزب الله تجاه الانتفاضة في إمكانية قطع إمدادات الأسلحة، خسارة عمق الحزب الاستراتيجي وضعف قدراته الردعية تجاه إسرائيل في حالة سقوط الأسد.

وتضاف إلى ذلك التأثيرات المحتملة على الساحة اللبنانية وتقييد قدرة الحركة على التأثير على السياسة الإقليمية، خاصة وأن عدم الاستقرار في سوريا قد تسبب إلى حد الآن في زيادة حوادث الاشتباكات المسلحة بين مؤيدي الأسد ومعارضيه في مدينة طرابلس شمال لبنان.

حماس

حماس هي الفاعل الوحيد في جبهة المقاومة الذي قام بالانفصال عن المجموعة نتيجة للانتفاضة السورية. وقد رفضت القيادة السياسية المتمركزة في دمشق من منح النظام السوري الدعم غير المشروط وناضلت من أجل البقاء على موقف الحياد. وحسب مصادر مقربة من قيادة حماس كان خالد مشعل قد حذر الأسد في بداية سنة 2011 من أن الحركة الاحتجاجية لن تستثني سوريا ونصحه بإجراء إصلاحات سياسية حقيقية لكن النظام رفض الاقتراح.

وتعرضت الحركة إلى ضغوط متكررة من النظام السوري لإعلان مساندته وولائه وجاءت الضغوط أيضا من إيران التي هددت بقطع المعونة المالية للحركة وهي في الواقع ضرورية للمحافظة على قدرة حماس المادية لحكم قطاع غزة.

وفي أواخر سنة 2011 كان أعضاء المكتب السياسي لحماس المقيمين في دمشق قد غادروا العاصمة السورية وبذلك تغيرت علاقات حماس بسوريا وإيران تغيرا كبيرا.

ما بعد الجبهة

أصبح الآن من الصعب توقع سيناريوهات سياسية من قبيل "انهيار النظام بشكل متحكم فيه" أو "هبوط سهل" للنظام بقيادة بشار الأسد. وذلك يرجع إلى مدى تسلح المعارضة في مجابهة قمع النظام والانهيار البطيء لاقتصاد سوريا، فضلا عن غياب إجماع دولي حول كيفية حل الأزمة.

وكلما تواصل الصراع أكثر زادت صعوبة توقع سلوك الحليفين الباقيين لسوريا في جبهة المقاومة –حزب الله وايران. وفي صورة التدخل العسكري المباشر من المحتمل أن يمتد الصراع إلى لبنان التي تعاني من وضع هش وهو سيناريو يخشاه حزب الله إذ سيجد نفسه بعد رحيل الأسد محصورا بين حكومة سورية تحت سيطرة السنة والمنافسين اللبنانيين السنة المنضوين في تحالف 14 آذار.

عندما يواجه النظام السوري وضعا تكون فيه إزاحته وشيكة يمكن أن يعمد إلى 'هدم كامل المعبد' مثلا عن طريق استفزاز إسرائيل للقيام بهجوم شامل. ويمكن أن يتعرض حزب الله للضغوط لشن هجومات على إسرائيل لتحويل الأنظار بصفة جذرية عن سوريا. وكلما نظرت قيادات حزب الله وإيران للأزمة السورية على أنها صراع وجود كلما ازداد احتمال تصرفهما عسكريا.

حتى وإن كانت إسرائيل غير مستعدة على ما يبدو للدخول في حرب في المرحلة الحالية فيمكن أن تحاول تعطيل الترسانة العسكرية لحزب الله كتمهيد لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. وتعتبر إسرائيل أنها تواجه تهديدا متعدد الجوانب لا يمكن عزل أبعاده عن بعضها البعض ويمكن أن يتحول إلى صراع إقليمي أوسع.

إن قدرة جبهة المقاومة على المناورة في الوقت الراهن تتوقف بشكل كبير على مواقف الصين وروسيا إذ ستتواصل خلافاتهما مع مجموعة 'أصدقاء سوريا' طالما لم تسو مصالحهما وحساباتهما الاستراتيجية.

وتواجه هذه الجبهة ثلاثة تحديات كبيرة تحدّ من نفوذها الإقليمي إذ حرمها انسحاب حماس من رأسمال رمزي مهم، كما زاد سقوط النظام السوري المحتمل من هشاشتها الاستراتيجية، وضعُف تأثيرها السياسي الإقليمي بسبب تفاقم المشاكل الداخلية في البلدان العربية.

وفي الواقع يشير صعود حركات إسلامية للحكم في كل من تونس ومصر وربما قريبا في ليبيا واليمن أن تحالفا إقليميا جديدا في طور التكون وحماس متلهفة للانضمام إليه. وهذه الكتلة الجديدة قد تكون أقل نزعة للتصادم مع الولايات المتحدة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة لكنها ستعلن الولاء للقضية الفلسطينية.

ولم تكتف حماس بتوقع إعادة توزيع القوى في المنطقة بل كانت أيضا مصيبة في افتراضها أن فلسطين ستبقى ذات أهمية قصوى لتأكيد شرعية الحكومات المنتخبة. وكذلك لن تراجع أي حكومة تأتي بعد الأسد موقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية طالما واصلت إسرائيل احتلالها لمرتفعات الجولان، وهو أمر تتفق عليه المعارضة السورية بكل أطيافها.

 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي