

لندن - هل يمكن النظر الى موافقة البرلمان التركي على طلب الحكومة ارسال جنودها خارج الحدود لضرب مواقع عسكرية سورية انها ضوء اخضر للغزو، وهل يعتبر القصف التركي لشمال سورية اشارة عن قرب التدخل العسكري الغربي في الازمة السورية التي دخلت شهرها العشرين؟ وفي المقابل هل اخطأ اردوغان في تقييم الوضع السوري، وهل هناك حاجة ليعيد تقييم موقفه؟ اسئلة طرحتها التعليقات الصحافية الغربية.
من يجر من؟
ففي تقرير لصحيفة 'ديلي تلغراف' تساءلت فيه ان كان الرد التركي محاولة لجر سورية لحرب معها من اجل تبرير تدخل الاولى؟ خاصة ان حلفاء تركيا يعرفون ان ما يوجد الان في دمشق ما هو الا نمر من ورق. حيث نقلت عن ضابط سابق في الجيش السوري انشق عنه انه صاروخ واحد يوجه على القصر الرئاسي في دمشق وتنتهي اللعبة. لكن في حسابات الدول لا تسير الامور حسب تفكير مقاتلين ينتظرون التدخل الاجنبي ويتساءلون عن السبب الذي ملأ فيه الناتو الجو بالطائرات والبحر بالبوارج للتخلص من نظام يحكم بلدا معظمه صحراء اي ليبيا.
ومبرر الغرب اليوم هو ان اي تدخل يعني اطالة امد الحرب الاهلية وزيادة الاوضاع سوءا. ويقول التقرير ان الجيش التركي القوي قادر على هزيمة ما تبقى للاسد من جيش نظرا لمعداته واسلحته المتطورة، وبامكانه القيام بالمهمة بمساعدة او بدون مساعدة دول حلف الناتو.
ويقول التقرير ان تحركا من هذا سيؤدي الى تحويل تركيا الى قوة اقيليمة لا ينافسها احد. وفي ضوء التهديدات الاخرى النابعة من الاكراد الذين عادوا للحياة فأي عملية ستكون مقامرة من جانب تركيا. وحتى لو حصلت تركيا على دعم دبلوماسي او عسكري سري من جانب حلفائها في الناتو، فالعديد من الدول الاوروبية علاوة على امريكا ليست لديها شهية للتدخل العسكري في سورية بعد كارثة حرب العراق. ويضيف ان الناتو قد قدم دعما قويا لتركيا لكن هذا لا يعني ان دول التحالف ضد ليبيا في العام الماضي مستعدة لتكرار العملية في سورية ان اخذنا ايضا الوضع المختلف والمعارضة المنقسمة على نفسها سياسيا وعسكريا. ومن هنا فما حصلت عليه تركيا من حلفائها الغربيين هو الدعم المعنوي والطلب منها بعدم التصعيد.
توتير وتضامن فقط
ويعبر الاوروبيون في هذا عن خوف من توسع الحرب الاهلية السورية وانتقال عدواها لدول الجوار، ففي تقرير لايان بلاك في 'الغارديان' قال فيه ان رد الفعل اللفظي كان اقوى بكثير مما هو على الارض وهذا يعني ان اي تدخل سيكون محدودا في المكان والزمان الذي سيتم فيه.
ويضيف ان الموقف التركي واضح من انها لا تريد حربا، حيث عبرت عنه الحكومة ليس بالسبل الدبلوماسية ولكن بالتويتر. وقال بلاك ان حلف الشمال الاطلنطي يريد ان يكون بعيدا عن مستنقع سورية، حيث اخبر السفراء المجتمعين في بروكسل التركيز على فكرة التضامن مع تركيا بدلا من الانشغال بالاحالة الى ميثاق الحلف الداعي لحماية دولة عضو فيه حالة تعرضها لهجوم.
وهذا يعني ان تركيا التي تلقت ثناء على ضبط النفس الذي اظهرته لن تتدخل بمفردها، ومن هنا يظل التساؤل ان كانت تركيا او غيرها من الدول ستستجيب لمطالب المقاتلين باقامة منطقة آمنة لهم داخل الاراضي السورية، حيث انتعشت امالهم بعد المواجهة الاخيرة المحدودة المدى والهدف، ولكن الطلب هذا يظل رهن السياسات المتعلقة بتطبيقه وفي العادة ما تحيل الدول الى القوة الجوية السورية التي يؤثر على الجهود الانسانية فاي منظمة لن تعمل في منطقة 'آمنة' كهذه. كما ان انقسام الامم المتحدة وشللها يعني ان اي تحرك نحو هذا الهدف مستحيلا، وما سيقوم به الغرب هو الطلب من روسيا حليفة الاسد بالضغط عليه واستخدام اللهجة القاسية معه، وهو ما بدا من تصريحات سيرغي لافروف. ويختم بلاك مقاله بالقول ان المقاتلين السوريين وداعميهم من العرب سيمتلكهم حس ساخر من الغضبة الدولية على الحادث الحدودي، خاصة ان المجتمع الدولي ظل يطالب الاسد بالرحيل ولكن خطوات عملية لاجباره لم تتخد. وكل ما تجرأ عليه هذا المجتمع الدولي هو ان الطلب من نظام الاسد عدم تجاوز الخط الاحمر واستخدام الاسلحة الكيماوية التي يمتلكها.
امريكا غير مستعدة
وفي نفس السياق تقول صحيفة 'واشنطن بوست' انه لا سورية او تركيا لديهما شهية للمواجهة وكذا من يقف وراءهما من الحلفاء حيث يخشون من اشعال الحرب في كل المنطقة، وهو ما بدا في تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الامريكية فيكتوريا نولاند التي قالت ان الرد كان مناسبا من تركيا وانها قامت بالانتقام اما اكثر من هذا فليس ضروريا في الوقت الحالي. وتعتقد الادارة ان التخويل الذي حصلت عليه الحكومة التركية من البرلمان كاف لحمايتها في المستقبل في حوادث مماثلة. وتقول الصحيفة ان القذائف المدفعية قد تكون قد حادت عن هدفها في اثناء المعركة بين المقاتلين والجيش السوري للسيطرة على معبر التل الابيض. وتشير الصحيفة الى ان القوات التركية عادت ما عبرت عن استعداد لخرق حدود الدول المجاورة للدفاع عن اراضيها ضد المتمردين الاكراد ـ حيث تقوم بملاحقة المتمردين في شمال العراق كما اقامت بها بعض المواقع الصغيرة داخل الاراضي العراقية، ولكن في ضوء الحرب السورية فقد صوت البرلمان العراقي على اغلاق القواعد هذه.
احتواء الاسد
وفي افتتاحيتها قالت صحيفة 'فايننشال تايمز' ان الهجوم على القرية التركية يجب ان لا يكون مقدمة للحرب، مشيرة الى ان حرب بشار الاسد المميتة على شعبه قد خرجت الى خارج حدود سورية.
وقالت ان تبادل اطلاق هو الاكثر مدعاة للخوف من ان الحرب في سورية صارت تهدد باندلاع نزاع اقليمي. ومع ذلك فالهجوم الذي يبدو انه جاء نتيجة لمعركة شرسة للسيطرة على مناطق حدودية يجب ان لا يتم التعامل معه كمقدمة للحرب، لانه لا سورية او تركيا لديهما مصلحة في الحرب. مشيرة ان تركيا التي تملك جيشا قويا بامكانها الاضرار وبشدة بقوات الاسد التي تقاتل على اكثر من جبهة.
ولكن انقرة واعية للموقف الشعبي المعادي لحرب مع سورية، لان الكثيرين يقولون ان موقف طيب رجب اردوغان المعادي لنظام الاسد كان سببا في تصعيد حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) عملياته الذي يعتقد انه يتلقى دعما من سورية وايران. ولهذا فاردوغان يعي الضغوط التي يتعرض لها للرد على الهجوم ولهذا يجب ان لا يكون مبالغا في الرد، اضافة فاردوغان اكد انه سيعمل مع المؤسسات الدولية لحل المشكلة مع سورية. ولهذا تقول الصحيفة ان موافقة البرلمان يجب ان تكون تحذيرا لسورية وليست خطا اخضر للتدخل العسكري. وتشير الى ان القرار ينعكس على الموقف الدولي. فالخلاف والشلل في مجلس الامن بسبب روسيا والصين يعطي الاسد الفرصة لمواصلة عملية القتل، فيما يتدفق الجهاديون الاجانب باعداد كبيرة لملء الفراغ الذي تركه الغربيون.
وسائل اخرى
وعليه تدعو الصحيفة روسيا لمعرفة ان موقفها يهدد بزعزعة الاستقرار في المنطقة ويهدد مصالح كل الدول بما فيها مصالح روسيا. وتضيف انه اذا استمر الموقف الروسي على ما هو فعلى الدول العربية والحكومات الغربية التفكير بطرق اخرى حتى وان كانت من خارج الامم المتحدة للحصول على تفويض يقضي بحماية المدنيين وانشاء منطقة حظر جوي، وهذه الخطوات تقتضي دعم واشنطن غير المستعدة لاي عمل عسكري في ظل الحملات الانتخابية.
وفي النهاية فالهجوم على بلدة اكجاكالي يثبت ان الوقوف جانبا وعدم التحرك ليس الاجابة، ومع ان احدا لا يريد الحرب،لكن اذا استمر الاسد في لعبة القتل التي يقوم بها فستكون الاثار اعظم.
يجب الحذر
وتجمع كل التحليلات للموقف التركي على خطر الانجرار للحرب واثرها المدمر على المنطقة وهذا ورد في تحليل البروفسور محمد ايوب - استاذ العلاقات الدولية في جامعة ميتشغان الذي حذر فيه تركيا من الانجرار للمستنقع السوري، حيث قال فيه ان المزاج الكئيب في تركيا حل محل الحماسة، فالاجماع شبه الكامل للدعم التركي للمعارضة حل محله مزاج من النظر والتفكير في عواقب هذا الدعم. ويمضي الكاتب بالقول ان دعم تركيا للمعارضة السورية جمع بين المثالية والواقعية، فالحزب الحاكم، العدالة والتنمية شعر بان ارثه الذي قام على سجله الديمقراطي كان في خطر ان لم يقف الى جانب حركة تدعو لنفس الشيء في بلد جار له.
اضافة لهذا الموقف المثالي، فتركيا حسبت ان المعركة لاسقاط النظام ستكون سريعة ودعمها يعني حماية لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية مع الحكام الجدد. كما ارادت تركيا ارسال رسالة للولايات المتحدة انه على الرغم من خلافها معها حول اسرائيل واحتلالها للاراضي الفلسطينية، والموقف من المشروع النووي الايراني الا ان انقرة تظل تقف في نفس المعسكر الغربي.
وفي البداية كان كل شيء يسير حسبما خططت تركيا، لكن المفاجأة حدثت عندما تحولت الحركة من احتجاج سلمي الى مواجهة عسكرية بفصائل متعددة وجماعات سلفية مدعومة من قطر والسعودية. اضافة الى ان تركيا اخطأت في تقديرها حول قدرة النظام الذي رد بشراسة وعبر عن استعداد لان يخلف وراءه فوضى عارمة بدلا من القبول بنقل سلمي للسلطة. وبسبب دعمها للمعارضة وجدت تركيا نفسها وسط حرب اقليمية باردة بين السعودية من جهة وايران من جهة اخرى مما اثر على علاقاتها مع طهران التي تعتبر المصدر الرئيسي لما تحتاجه من طاقة.
واشار الكاتب الى اثار الموقف التركي المدمر على العلاقات الاجتماعية داخل تركيا نفسها، فدعم انقرة للمعارضة المسلحة وسع من دائرة الانقسام الطائفي داخل تركيا نفسها موطن ملايين من العلويين المتعاطفين مع الاسد. ويختم بالاشارة للبعد الكردي الذي يؤثر على تركيا مباشرة سواء من اكرادها او اكراد سورية. ويعلق ايوب على قرار البرلمان التركي انه يحمل مخاطر لجر تركيا لحرب اقليمية غير محسوبة العواقب. وعليه يدعو الكاتب تركيا ان تتعامل مع الازمة بحذر وتقوم باعادة تقييم لدورها خشية ان تتحول فوضى سورية لفوضى تركيا.
ومن سوء حظ تركيا انها قريبة من سورية ولا مفر لها من هذا الوضع ان لم تتصرف بحكمة على خلاف امريكا والسعودية اللتين تستطيعان ترك سورية لقدرها وفوضاها. ولعل القاء التهمة على اردوغان واضحة وانه ليس طرفا بريئا بارزا في التحليلات الاخرى كما في تحليل كون غوغلين الذي حذر الغرب من الانجرار لمستنقع سورية.
عن القدس العربي