

لندن – بدأت الأوضاع على الحدود التركية السورية تخرج عن السيطرة بعد قصف سوري لقرية حدودية تركيّة، قابلها الأتراك بقصف مقابل وحملة دبلوماسية تحريضية لأعضاء حلف الأطلسي للتدخل في سوريا دفاعا عن تركيا العضو بالحلف.
وتأتي هذه الأحداث المتسارعة على الأرض تتويجا لحالة عداء تواصلت منذ بدء الانتفاضة السورية، حيث انحاز أردوغان إلى المتظاهرين، ثم أصبح بمرور الوقت يطالب بالإطاحة بالأسد الذي كان صديقا مقربا أياما قليلة قبل بدء الثورة.
واحتضنت أنقرة عدة مؤتمرات للمعارضة، وعملت على التنسيق بين مختلف الفصائل والمجموعات، لكنها فشلت إلى الآن في كسب شق كبير من هذه المعارضات نظرا لانحيازها إلى الإخوان المسلمين.
ويقول مراقبون إن الأسد واردوغان يدفعان باتجاه تدويل المعارك، فكلاهما لم يعد يتحمل حالة الجمود الراهنة.
ويذهب هؤلاء إلى أن الأسد يتهم أردوغان بأنه من أفشل خطته لضرب المتظاهرين في الأيام الأولى للانتفاضة.
وبينما بادر الأسد إلى استعمال القوة العسكرية لإسكات معارضيه واقترب من تحقيق ذلك، كان رئيس الوزراء التركي يتحرك إعلاميا ودبلوماسيا للتعريف بالاحتجاجات وحولها إلى قضية دولية.
وتقول تقارير إن الأسد كثيرا ما صرح لمقربين منه بأن أردوغان يقوم بحرب بالوكالة ضده تلبية لأجندات خارجية، ويتهمه بدعم مجموعات المنشقين من الجيش والشرطة ومعارضين مدنيين، وأن أنقرة تدرب وتمول هؤلاء الذين يتسللون إلى المدن السورية وينفذون العمليات والتفجيرات.
كما يتهمها بتسهيل دخول مجموعات جهادية بتنسيق مع دول إقليمية أخرى لديها نفوذ على هذه المجموعات "خاصة قطر" وأنها تتولى إيواءهم وتدريبهم للقيام بعمليات نوعية في التراب السوري.
ويقول محللون للشأن السوري إن الأسد الذي دب اليأس إلى نفسه، ولم يعد متيقنا من البقاء في السلطة، يريد أن يستدرج تركيا إلى المواجهة، ويدفع أطرافا دولية "حلف الأطلسي" إلى أتون الحرب من باب "عليّ وعلى أعدائي".
ويضيف هؤلاء أن الأسد مؤمن بأن الغرب يتخوف من حرب مفتوحة في سوريا، وأن مقربين منه يرسخون هذه القراءة بالتأكيد المستمر على أن الخوف من "التدويل" يدفع الإدارة الأميركية إلى الامتناع عن التدخل، وإلى عرقلة حماسة أردوغان وقوى إقليمية أخرى تريد أن تطيح بنظام دمشق بالقوة.
ويشير هؤلاء إلى أن دمشق تتفاخر بهذا المعطى وتعتبره ورقة ضغط بيدها، وهي تؤمن بأن واشنطن تخاف على إسرائيل، وتتخوف من وصول السلاح السوري إلى مقاتلين أعداء "حزب الله على وجه الخصوص"، وخاصة السلاح الكيمياوي، مثلما تسربت أسلحة القذافي وأصبحت وسيلة تحد وقوة بيد المجموعات المتشددة المعارضة للوجود الأميركي.
وفي الاتجاه المقابل لا يستبعد المتابعون للشأن التركي أن ينساق أردوغان إلى فخ الأسد لأن رئيس الوزراء التركي لا يتصرف كمسؤول عن بلد، وإنما كزعيم أممي خاصة في ظل تهافت مجموعات الإسلام السياسي عليه، ووصفه بالقائد واعتباره نموذجا يقتدى به.
يشار إلى أن حزب العدالة والتنمية التركي عقد منذ أيام مؤتمره، وأعاد انتخاب أردوغان لرئاسته، وهو مرشحه للانتخابات الرئاسية القادمة، وحضرت المؤتمر شخصيات إسلامية بينها الرئيس المصري محمد مرسي، ورئيس حركة النهضة الحاكمة في تونس راشد الغنوشي.
ويقول المتابعون إن اردوغان يحاول أن يلبس جبة السلطان العثماني الذي يبسط قبضته على المنطقة العربية، ولهذا فليس مستبعدا أن يخوض حربا مع سوريا على أمل أن تفضي بالإخوان المسلمين إلى السلطة، ويضم ولاء تاما لسوريا مثلما يحاول كسب ولاء مصر بإغراءات مالية واستثمارية.
وفي آخر استطلاعات الرأي نزلت شعبية أردوغان في تركيا إلى مستوى العشرين بالمئة، ورد مراقبون محليون هذا التراجع إلى أن الأتراك ملوا من الاستماع لنفس المفردات والوعود التي دأب على إطلاقها.
وقد أعاد المراقبون تراجع شعبية اردوغان إلى تركيزه على قضايا خارجية وإهمال ملفات داخلية كثيرة تحتاج إلى تفكير وحلول.
وبدأ أردوغان في مهمة صناعة "الزعيم" بالانحياز إلى غزة وإدانة العنف الإسرائيلي، لكنه انكفأ على نفسه بعد أن قتلت إسرائيل مجموعة من الأتراك الذين جاءوا لدعم غزة في سفينة "مرمرة"، ورفضت الاعتذار.
وإلى الآن تقيم إسرائيل علاقات اقتصادية وعسكرية مع تركيا رغم البرود في العلاقات السياسية.
ويقول مراقبون إن صورة "البطل" فقدت بريقها في المنطقة العربية بعد حماس أردوغان للتدخل الخارجي في سوريا، وتسليح المعارضة بعد أن كان السوريون يأملون في ثورة مدنية تحمل إليهم الديمقراطية فإذا بها تحمل الحرب والخراب.