انفتاح الإمارات على العالم الخارجي عزز مكانتها كإحدى عواصم صنع القرار العالمي

خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
2012-06-17
درع الوطن : الجهاز الدبلوماسي الإماراتي تمثل نموذجا للحيوية والفاعلية والديناميكية عالميا

أبوظبي- سلّطت مجلة "درع الوطن" في عددها الأخير على ديناميات جديدة في العلاقات بين الإمارات والقوى الدولية الصاعدة.

وقالت المجلة في ملفّ خاص: "لا يختلف المراقبون لتفاعلات الأحداث وتطوراتها على الساحتين الإقليمية والدولية على أن السياسة الخارجية الإماراتية تمثل نموذجاً للحيوية والفاعلية والديناميكية، ويعود ذلك بالأساس إلى تبني القيادة السياسية في دولة الإمارات وعلى رأسها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، رؤية ذات محددات وركائز واضحة لإدارة العلاقات مع العالم الخارجي.. موضحا أن الجهاز الدبلوماسي للإمارات يتحرك انطلاقاً من هذه الرؤية، ووفق الأسس التي تقوم عليها والثوابت التي تنطلق منها.

ويضاعف من الثمار السياسية والنتائج الايجابية لهذه الحركة الدبلوماسية الدؤوبة، الكفاءة النوعية المتميزة التي يدار بها الجهاز الدبلوماسي الذي يقف على رأسه الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، حيث انطلقت الدبلوماسية الإماراتية وفق رؤية مدروسة إلى فضاءات أرحب، وأسهمت جدياً في إدارة أزمات المنطقة العربية.. ويضاعف من قيمة هذه النجاحات أنها أنجزت في توقيت عصيب يتسم بالتعقيد السياسي البالغ بسبب "التوابع" والتأثيرات الإقليمية لما اصطلح على تسميته إعلامياً بـ "الربيع العربي" وما ارتبط به من إشكاليات أمنية واضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية وإنسانية في العديد من الدول العربية.

وحققت الدبلوماسية الإماراتية على هذا الصعيد، بالتعاون مع بقية دول مجلس التعاون ومن خلال العمل بشكل متواز ضمن منظومات المجتمع الدولي، التي تصدت لمعالجة هذه الأزمات، تفوقاً مشهوداً وضع الإمارات في مكانة بارزة ضمن حسابات العواصم الدولية الكبرى، أو ما يعرف بعواصم صنع القرار العالمي.

وفي هذا الإطار يشار إلى دور الإمارات في معالجة أزمات الوضع الداخلي في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وهي أدوار تمت بالتنسيق مع بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كما حدث في اليمن عبر "المبادرة الخليجية"، أو مع حلف شمال الأطلسي كما كان عليه الحال لحماية المدنيين في ليبيا، علاوة على الدور الذي اضطلعت به الإمارات بالتنسيق مع بقية دول مجلس التعاون للحفاظ على أمن مملكة البحرين الشقيقة واستقرارها، في ترجمة لإيمان هذه الدول بوحدة المصير والأهداف وضرورة مواجهة أي تهديدات لأمنها الداخلي ضمن أطر العمل الجماعي الخليجي المشتركة.

وقد عبر الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات خلال لقائه السنوي الأخير مع سفراء الدولة في الخارج وممثليها في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية عن الرضا عن النجاحات التي تحققت وتتحقق في مجال السياسة الخارجية بقوله إن "نجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات يشكل أحد أبرز الإنجازات المشهودة للدولة التي قامت على مجموعة من الثوابت للسياسة المتوازنة والمعتدلة التي تنتهجها الدولة منذ قيامها تجاه القضايا العربية والدولية والتي أكسبت بلادنا الاحترام والتقدير في مختلف المحافل الدولية".

ويجمع المراقبون وخبراء السياسة على أن ما وصلت إليه دولة الإمارات من نجاحات وازدهار تنموي مدعوم بحالة رائعة من حالات الأمن والاستقرار الداخلي يمثل حصاداً طبيعياً ومردوداً مباشراً للدبلوماسية الذكية التي صاغ معالمها وأرسى دعائمها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ثم اكتسبت هذه الدبلوماسية قوة دفع متجددة وزخماً نوعياً جديداً على يد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حيث كسبت السياسة الخارجية الإماراتية في عهده، بفضل الرعاية المستمرة من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وبفضل ديناميكية ونشاط الفريق أول الشيخ محمــد بن زايــد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مساحات حركة خارجية أوسع وأرحب، وباتت تمتلك زمام المبادرة في ملفات عدة، وسطع نجمها عالمياً في دوائر اهتمام مستحدثة على أجندة الحوار الدولي، كما هو عليه الحال في ملف الطاقة المتجددة، وحظر الانتشار النووي، والأمن والسلم الدوليين وغير ذلك، كما لفتت الانتباه وضربت المثل والقدوة عبر تبني نموذج غير مسبوق دولياً في امتلاك برنامج نووي سلمي بات مضرب المثل في التعاطي الدولي مع هذه التكنولوجيا ذات الحساسية الاستثنائية بالنسبة للأمن والاستقرار العالميين.

ويدرك متابعو الشأن الإماراتي أن السياسة الخارجية للدولة قد تطورت بتطور المعطيات الإقليمية في كل مرحلة زمنية، بحيث تبدو مرآة لما يشهده الواقع الإقليمي والدولي من تغيرات وتحولات، مع احتفاظها بسماتها الأساسية المميزة والمتفردة، وفي مقدمتها الهدوء والرصانة والحفاظ على قواعد حسن الجوار الأمر الذي يعكس مدى ديناميكية هذه السياسة التي تبدو في حقيقة الأمر انعكاساً لما تشهده جميع قطاعات العمل والتنمية في دولة الإمارات من تطورات ايجابية متسارعة يتكرس من خلالها مصطلح "الدولة النموذج" ليس فقط على مستوى البناء الاتحادي السياسي، ولكن أيضاً على صعيد البناء التنموي والاقتصادي بمختلف مظاهره وتجلياته ووفقاً لأحدث نظرياته وأطروحاته.

ويشهد تاريخ العقود السابقة التي مضت منذ نشأة اتحاد دولة الإمارات على حكمة القيادة الرشيدة حيث نجحت في عبور أزمات إقليمية كانت من القوة والجموح بحيث زلزلت كيان الإقليم ودوله كافة، ومن بين هذه الأزمات أزمة الخليج في تسعينيات القرن الماضي، وقبلها الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي امتدت لسنوات ليست قليلة، ثم تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي رسمت خطاً فاصلاً بين ما قبلها وما بعدها على صعيد التحالفات والعلاقات الدولية.

ولا يخفى على أي من المراقبين والخبراء عمق علاقات التعاون التقليدية التي تربط بين دولة الإمارات والعديد من القوى الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان.. وفي هذا الملف نلقي الضوء على توجهات جديدة في السياسة الخارجية الإماراتية، التي تمضي في السنوات الأخيرة نحو فتح آفاق أرحب في تحركاتها الخارجية من أجل بناء شراكات مع قوى صاعدة على الخارطة العالمية وفي مقدمتها الصين والهند وكوريا الجنوبية ودول أمريكا اللاتينية وغيرها، فاليوم تقف السياسة الخارجية الإماراتية عند مجموعة من نقاط التحول أملتها عليها طبيعة المرحلة الراهنة من عمر النظام الدولي، حيث أصبحت الموضوعات الاقتصادية والتنموية هي الركائز الأساسية في إدارة العلاقات بين الدول التي تتسابق خططها التنموية مع الزمن.

ومن هذا المنطلق أصبحت السياسة الخارجية الإماراتية تركز على الأولويات الدبلوماسية الجديدة لتتواكب مع الخطط التنموية للدولة ولتعظيم الاستفادة من شبكة العلاقات المتميزة التي تمتلكها الدولة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية شرقاً وغرباً، بما يجعل من محطات هذه الشبكة مصبات وروافد تغذي وتدعم بشكل متواصل مسيرة التنمية وخططها الطموحة في دولة الإمارات.

ويدرك الخبراء والمراقبون أن الاقتصاد والاستثمارات وتنويع مصادر الدخل وتحقيق الاستدامة في برامج البيئة والطاقة المتجددة وغير ذلك من مجالات تعاون أصبحت هي المحرك الأساسي والموجه الأنشط في ديناميكيات السياسة الخارجية الإماراتية مقارنة بالملفات والموضوعات التقليدية مثل الأحداث السياسية الإقليمية والدولية، التي تؤكد الشواهد تراجع أهميتها نسبياً ضمن مجالات الحوار وإدارة العلاقات بين الدول، وفي أحسن الأحوال ربما باتت هذه الأحداث لا تحظى بدرجة التأثير ذاتها التي كانت تفرزها في فترات زمنية سابقة، ويرجع المراقبون هذه المتغيرات والتحولات في محركات السياسة الإقليمية والدولية إلى الضعف والوهن الذي يعاني منه النظام الإقليمي العربي ومستوى الإحباطات المتكررة في التعامل مع قضاياه الرئيسية.

وعلى الخلفية السابقة يمكن فهم أبعاد المجالات الحيوية الجديدة التي انطلقت من خلالها السياسة الخارجية الإماراتية في السنوات الأخيرة، فلم تعد المحطات التقليدية للدبلوماسية الإماراتية في الخارج هي ذاتها، بل استحدثت عواصم ومحطات جديدة صارت تحظى بدرجة قصوى من اهتمام صانعي القرار الإماراتي وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة التقليل من أهمية ومحورية العواصم الكبرى التقليدية التي كانت ولا تزال تمتلك علاقات شراكة إستراتيجية تحرص الإمارات على ديمومتها والإبقاء عليها وتعزيزها، وعلى الخلفية السابقة صارت عواصم مثل بكين وسيئول ونيودلهي شرقاً، وبرازيليا وبوجوتا ومونتفيديو وغيرها من عواصم دول أمريكا اللاتينية غرباً محطات مهمة على خارطة تحركات الدبلوماسية الإماراتية في السنوات والأشهر الأخيرة.

والمؤكد أن مجمل تحركات السياسة الخارجية الإماراتية وتنوعها شرقاً وغرباً للاستفادة من الفرص الاقتصادية والاستثمارية المتنوعة على أجندة التجارة العالمية، يرتكز بدوره على تبني القيادة في دولة الإمارات سياسة خارجية فاعلة ومتزنة، تحرص على توظيفها في خدمة أهدافها الداخلية والخارجية على حد سواء، وهذا ما أكده الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات، في العاشر من شهر أبريل الماضي على" حرص دولة الإمارات على مد جسور الصداقة والتعاون والتسامح بين الشعوب، وبناء علاقات متوازنة مع كافة الدول الصديقة، إضافة إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية والثقافية والسياحية مع دول العالم".

هذه الرؤية تعكس العديد من المبادئ الحاكمة والموجهة لسياسة الإمارات الخارجية، أولها التوازن، بمعنى التوجه نحو إقامة علاقات مع القوى المختلفة في العالم، وتوسيع خيارات الدولة ومجالات حركتها، دون التركيز والاهتمام بمنطقة دون أخرى، وهذه المبادئ ولا شك قد أنتجت علاقات إماراتية قوية وفاعلة مع معظم دول العالم في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ثانيها التكامل والشمول في التحرك الخارجي، حيث تعمل الدولة على بناء شبكة علاقات متكاملة مع الخارج لا تقتصر على العلاقات السياسية فقط، وإنما تمتد إلى المجالات المختلفة الأخرى مثل الاقتصادية والثقافية والسياحية وغيرها، وذلك من منطلق الإيمان بأن كل مجال من هذه المجالات يضيف بعداً جديداً إلى علاقاتها الخارجية، ويرفدها بروافد جديدة تساعد على تطويرها وتقويتها. ثالثها خدمة الأهداف الوطنية في الداخل، حيث تحرص الدولة في تحركاتها الخارجية أن تنعكس إيجاباً على الأهداف الوطنية في الداخل، وبالشكل الذي يلمسه أبناء الوطن جميعاً، وذلك من خلال الإطلاع على تجارب التنمية الناجحة في كل مكان، واختيار الأفضل منها وتطويعها لخدمة الأهداف التنموية في مختلف المجالات، وهذا الأمر يعكس بدوره الرؤية بعيدة المدى، التي ترى في الانفتاح على دول العالم أجمع، والاستفادة من خبراتها المختلفة، استثماراً مهماً للحاضر والمستقبل، من أجل تعزيز مكانة الدولة وموقعها على خريطة الاقتصادات المتقدمة، كما أن التحركات الخارجية وبناء العلاقات يلتزم دوماً بمبادئ السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة والثوابت التي سارت عليها منذ إنشاء الدولة الاتحادية، وهي الحرص على التزام مواثيق الأمم المتحدة، والقوانين الدولية كافة واحترامها، وإقامة علاقات مع جميع دول العالم على أسس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، والتزام حل النزاعات بين الدول بالحوار والطرق السلمية، والوقوف إلى جانب قضايا الحق والعدل والإسهام في دعم الاستقرار والسلم الدوليين، وهي المبادئ ذاتها التي أرسى دعائمها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وتعكس رسالة مهمة مفادها أن الإمارات وهي تتفاعل بقوة مع متغيرات العصر وتجاري تطوراته بفاعلية على المستويات كافة لديها ثوابتها التي لا تحيد عنها وتحرص على أن تكون تحركاتها وتفاعلاتها الخارجية كلها في إطارها، وهذا من سمات الدول راسخة الأركان المؤمنة بمبادئها والواثقة بنفسها وبتوجهاتها، لأنها بنيت على أسس سليمة وواضحة وحضارية.
وبناء على ما سبق، يجمع الخبراء والمراقبون على أن السياسة الخارجية الإماراتية تعد نموذجاً للفاعلية والاتزان والنجاح بفضل رجاحة الأسس التي تقوم عليها والثوابت التي تنطلق منها، وهي الرؤية التي جعلت دول العالم تنظر بمزيد من التقدير والاحترام للإمارات، باعتبارها دولة مسؤولة في محيطها الإقليمي والعربي، وتتفاعل بإيجابية مع مختلف المبادرات التي تطرحها وتتناول قضايا حيوية تهم المجتمع الدولي، فضلاً عن أن هذه السياسة الخارجية المنفتحة والفاعلة تفتح المجال أمام فرص التجارة والاستثمار بين الإمارات ومختلف دول العالم شرقاً وغرباً، كما أنها تفسر جانباً من مظاهر الحفاوة والتقدير والاحترام التي تحيط بمسؤوليها والوفود التي ترافقهم خلال الجولات الخارجية العديدة التي تعكس حرص دول العالم على تعميق روابطها السياسية والاقتصادية مع الإمارات ودفعها إلى الأمام في المجالات كافة واستثمار فرص التعاون التي تتيحها بما يعود بالخير على الجانبين.

وتدرك الإمارات في تحركاتها الخارجية أن هناك تجارباً تنموية مهمة ومميزة استطاعت أن تصعد بالدول التي تمت وتتم فيها إلى مراكز متقدمة على خريطة الاقتصاد العالمي، حيث ترى الإمارات أن تمتين العلاقات الاقتصادية والتجارية مع هذه الدول يصب في خدمة المسيرة التنموية الإماراتية ويحقق أحد أهم أهداف السياسة الخارجية للدولة، وهو خدمة التنمية في الداخل من خلال بناء شبكة كبيرة من المصالح المتبادلة مع دول العالم المختلفة تتيح تبادل الخبرات وتعرف التجارب ونقل التكنولوجيا وغيرها من الآليات التي تصب في خدمة الاقتصاد الوطني. كما تعكس أيضاً قدرة الدبلوماسية الإماراتية على بناء جسور التفاهم والتعاون مع المناطق المختلفة في العالم خاصة مع القوى الصاعدة في الشرق والغرب، ومن ثم خدمة مصالحها وتعزيز حضورها وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي، وهو الحضور الذي يتعمق باستمرار بفضل السياسة الحكيمة للقيادة الإماراتية التي تحظى بتقدير العالم كله واحترامه وكفاءة الجهاز الدبلوماسي وقدرته على التحرك المدروس والواعي تجاه دوائر الاهتمام ومناطقه، ومن ثم بناء صورة إيجابية للدولة لدى شعوب العالم وقياداته السياسية.

وهذه الصورة تجد صدى وانعكاسات لها في العديد من المواقف والساحات والمجالات، ولعل من أبرز هذه المناسبات في السنوات الأخيرة نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة في الفوز بتصويت الثقة من جانب المجتمع الدولي واستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "ايرينا" في أبوظبي الذي كشف بوضوح عن الثقل السياسي للإمارات على الساحة الدولية الذي جاء بحكمة قيادتها ومساهمتها الكبيرة في خدمة السلام والأمن والاستقرار والتنمية في العالم، كما إن هذا الإنجاز وإن كان تعبيراً عن الثقة الدولية في توجهات الإمارات في مجال الطاقة المتجددة فإن له كذلك آثاره الإيجابية على خطط التنمية في الداخل، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن الاستثمار في الطاقة المتجددة أصبح توجهاً عالمياً تسعى إليه معظم دول العالم، وتؤكد الشواهد أيضاً أن الصورة النمطية الايجابية للإمارات في الخارج قد وجدت صدى لها أيضاً في نجاح الدبلوماسية الإماراتية عبر جهود مكثفة وتحركات نشطة في احتواء العديد من حالات التوتر والأزمات والخلافات الناشبة، سواء على صعيد المنطقة أو خارجها، كما سعت بشكل دءوب ومستمر لتعزيز مختلف برامج مساعداتها الإنسانية والإغاثية والإنمائية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للعديد من الدول النامية خاصة تلك التي تشهد حالات نزاع أو كوارث طبيعية، فضلاً عن مساهماتها الأخرى الفاعلة في العديد من عمليات حفظ السلام وحماية السكان المدنيين وإعادة الإعمار في المناطق بعد انتهاء الصراعات وهو ما يجسد شراكتها المتميزة مع أطراف عدة وتفانيها من أجل تحقيق الأهداف النبيلة من صيانة واستقرار السلم والأمن الدوليين.

تجدر الإشارة إلى أن أحد مظاهر وتجليات التأثير الدبلوماسي الإماراتي يكمن في علاقات الدولة مع مختلف دول العالم في قاراتها الست، فقد بلغ عدد الدول التي ترتبط مع الدولة بعلاقات دبلوماسية 182 دولة، فيما ارتفع عدد سفارات الدولة في الخارج إلى69 سفارة و11 قنصلية، إضافة إلى ثلاث بعثات دائمة، بينما بلغ عدد السفارات الأجنبية لدى الدولة 94 سفارة و75 قنصلية عامة، و11 مكتباً تابعاً للمنظمات الإقليمية والدولية بحسب ما تشير أحد إحصاءات وزارة الخارجية الإماراتية.

كما تشير الإحصاءات الرسمية في هذا الإطار إلى أن دولة الإمارات استقطبت خلال السنوات الخمس الماضية استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 220 مليار درهم لتتبوأ بذلك المرتبة الثانية عربياً بين الدول الأكثر جذباً لرأس المال الأجنبي في تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية " أونكتاد" للاستثمار العالمي للعام 2011، كما صنّف التقرير الإمارات ضمن أفضل 30 موقعاً عالمياً للاستثمار الأجنبي المباشر، وجاءت الإمارات في المرتبة الثالثة عربياً و27 عالمياً ضمن مؤشر التنافسية العالمية 2011-2012 الذي أعده المنتدى الاقتصادي العالمي، وفي المرتبة الثامنة عالمياً من حيث البنية التحتية التي يعتبرها المنتدى من أهم مقومات التنافسية بين الدول، كما جاءت الإمارات في المرتبة العاشرة عالمياً من حيث فعالية أسواق السلع والمرتبة 11 في بنية الاقتصاد الكلي، والمركز الثالث في فعالية النظام الضريبي وانخفاض تكلفة الأعمال الناتجة عن الجريمة والعنف، بفضل ما تنعم به من أمن واستقرار، وفي المركز الأول عالمياً من حيث استقرار معدل مستوى التضخم، كما صنف البنك الدولي دولة الإمارات في تقرير ممارسة الأعمال للعام 2011 في المرتبة الثالثة عالمياً ضمن أفضل الدول في تمكين التجارة عبر الحدود، وفي المرتبة 28 عالمياً في سهولة الأعمال.

وتصدرت دولة الإمارات قائمة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحلت في المرتبة 16 عالمياً في تقرير تمكين التجارة العالمية للعام 2010 الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، وحققت التجارة الخارجية للدولة في العام 2011 نمواً بمعدل 14 في المائة لتصل قيمتها إلى4ر754 مليار درهم مقابل 4ر666 مليار درهم في العام 2009، وبلغت قيمة مساهمة الصادرات في هيكل التجارة الخارجية 1ر83 مليار درهم، وقيمة مساهمة قطاع إعادة التصدير نحو 202 دولة في العالم نحو 186 مليار درهم، فيما بلغت قيمة الواردات 4ر458 مليار درهم.

ويشير الخبراء والمتخصصون إلى أن العلاقات التجارية والاستثمارية الجيدة التي ترتبط بها دولة الإمارات مع كل من الصين والهند توفر فرصاً جيدة للاقتصاد الوطني للاستفادة من مرحلة النمو والازدهار الاقتصادي السريع الذي تعيشه هاتان الدولتان صاحبتا أكبر الاقتصادات الصاعدة على مستوى العالم وأكثرها نمواً في الوقت الحالي، وهما أيضاً القوتان الاقتصاديتان التي يعول عليهما في دفع الاقتصاد العالمي نحو التعافي، هذه هي النتيجة التي توصلت إليها مؤسسة "الإيكونوميست" في تقرير حديث لها، حيث رجحت هذه المؤسسة أن تحتل دولة الإمارات المرتبة الأولى على مستوى منطقة الشرق الأوسط بين أكبر المستفيدين من ازدهار أسواق الاقتصادات الناشئة في السنوات المقبلة، ليس الارتباط بالتجارة والاستثمار مع اقتصادات آسيا الصاعدة بما فيها الصين والهند هو فقط ما يتيح للإمارات فرصة الاستفادة من الازدهار المتوقع لهذا الاقتصادات، بل إن الاقتصاد الإماراتي بذاته يتمتع بعدد من المزايا التي تضعه في قلب الاقتصادات الأوفر حظاً في هذا الشأن، وعلى رأس هذه المزايا هي التعافي الحقيقي من آثار الأزمة المالية العالمية والذي بدت معالمه واضحة على الاقتصاد الوطني في الآونة الأخيرة، وفي هذا الإطار هناك العديد من المؤشرات الدالة على بداية التعافي الحقيقي للاقتصاد الإماراتي، بداية بتقديرات معدلات النمو الاقتصادي المتوقع أن تحققها الدولة خلال العام الجاري، والتي لا تنخفض بأي حال من الأحوال عن نحو5ر4 في المائة أو 5 في المائة وفقاً لتقديرات "وزارة الاقتصاد" الإماراتية وعدد من المنظمات والمؤسسات الدولية كمؤسسة "الإيكونوميست" و"صندوق النقد الدولي"، وهو ما يشير إلى اقتراب الاقتصاد الوطني من النمو بمعدلات تقترب كثيراً من معدلات ما قبل "الأزمة المالية العالمية"، وهناك العديد من الدلالات الأخرى التي تشير بالفعل إلى أن هذا التعافي قد بدأ في التحقق على أرض الواقع، ومن بين هذه الدلالات ذلك النمو الذي شهدته التجارة الخارجية غير النفطية للدولة خلال شهر يناير الماضي، والذي بلغ وفقاً لبيانات "الهيئة الاتحادية للجمارك" نحو 22 في المائة مقارنة بمستواها في نفس الشهر من العام السابق، هذا بجانب التحسن المستمر في مؤشرات ثقة المستهلكين والمستثمرين في الاقتصاد الإماراتي، وكذلك الارتفاع الذي شهدته أرباح الشركات العاملة في الدولة خلال الربع الأول من العام الجاري.

وتزداد أهمية التعافي الحقيقي ودوره في دعم الاقتصاد الإماراتي وتمكينه من الاستفادة بشكل أكبر من غيره من الانتعاش المرتقب للاقتصادات الصاعدة في ظل كون المناخ الاستثماري والبيئة الاقتصادية في الدولة بشكل عام يعد من المناخات الاستثمارية الأفضل على مستوى العالم في الوقت الحالي، نظراً للسياسات الاقتصادية المرنة التي تتبعها الدولة، بأطرها التشريعية والقانونية والتنفيذية المحفزة للمستثمرين، كما أن اندماج الاقتصاد الوطني الإماراتي في الاقتصاد العالمي، وتمكنه من وضع نفسه كمركز للتجارة والأعمال على المستويين الإقليمي والعالمي، كل تلك المعطيات لا تقضي فقط بتعظيم استفادة دولة الإمارات من وفورات النمو والازدهار الاقتصادي في الاقتصادات الصاعدة في آسيا، بل إنها تضع الاقتصاد الإماراتي منافساً للاقتصادات الصاعدة ذاتها، وواحداً من محركات النمو والتعافي الاقتصادي العالمي المرتقب خلال العقود المقبلة.

وتمثل دولة الإمارات النموذج الأبرز بين دول منطقة الشرق الأوسط فيما يتعلق بتحسن أداء قطاع التجارة الخارجية، وقد دلل أداء هذا القطاع في الدولة على مدار السنوات الماضية على أنها استطاعت استثمار التغيرات الجارية على خريطة التجارة العالمية والمذكورة آنفاً وأن تطوعها لخدمة أهدافها الاقتصادية والتنموية، ويتأتى هذا النجاح بداية من خلال الاستثمار الجيد للموقع الجغرافي المميز للدولة، الذي تحرص الدولة على تحقيقه منذ نشأتها، خصوصاً أنها تقع في منطقة تتوسط العالم أجمع، بما يسهل إمكانية الوصول إليها من جميع المناطق والقارات، ويجعلها معبراً للسلع والمنتجات المنقولة عبر الحدود العالمية من خلال أنشطة إعادة التصدير، وقد استطاعت الدولة أن تحقق هذه النجاحات من خلال نجاحها المتميز في توفير البنى التحتية والتكنولوجية والمالية المتطورة وإنشاء الموانئ البحرية والمطارات وتزويدها بأكثر التكنولوجيات وأساليب العمل تطوراً على مستوى العالم، وتكليلاً لهذا كله فقد استطاعت الدولة أن تطور بنيتها التشريعية والتنظيمية لتكون ملائمة لممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية دون استثناء، فاستطاعت بذلك أن تصبح مركزاً للتجارة والأعمال أيضاً.

إن العالم يمر بمخاض لتشكيل نظام دولي لم تسفر ملامحه عن شيء واضح بعد، وبالتالي فإن دبلوماسية الدول الطموحة تنموياً مثل الإمارات تسعى إلى توسيع هامش المناورة وفتح آفاق جديدة للمستقبل من خلال تنشيط دوائر تحركاتها وفتح قنوات اتصال وتواصل ترتكز على المصالح المشتركة مع القوى الدولية الصاعدة كافة، بافتراض أن غالبية هذه القوى سيكون لها دور ما في إدارة العالم خلال القرن الحادي والعشرين.

ولابد من التأكيد على أن أي سياسة خارجية ناجحة لابد وأن ترتكز على مقومات ودعائم داخلية، بمعنى أن النجاح في الخارج يتطلب نجاحاً في إدارة الداخل سياسياً واقتصادياً وأمنيا واجتماعياً، ويؤكد الخبراء أن السياسة الخارجية هي ترجمة صريحة لركائز القوة الشاملة بشقيها القوة الصلبة والناعمة التي تتمتع بها الدول .

وفي هذا السياق يمكن استنتاج إحدى أهم ركائز فاعلية السياسة الخارجية الإماراتية متمثلة في متانة التجربة الاتحادية وما أفرزته من ثمرات على الصعد التنموية كافة، بما جعل من دولة الإمارات شريكاً اقتصادياً وتجارياً جذاباً لكل الاقتصادات الإقليمية والعالمية، إذ ترتكز دولة الاتحاد على مؤسسات قادرة على الوفاء بمتطلبات العصر، وتجاوز أي سلبيات أو تحديات يمكن أن تعترض مسيرة الاتحاد، فبعدما توافقت إرادة حكام الإمارات على ضرورة الوحدة فيما بينهم، تم تقنين هذه الإرادة في دستور مكتوب رسم ملامح النظام السياسي الإماراتي وحدود العلاقة بين سلطات الحكومة الاتحادية وسلطات الإمارات المنخرطة ضمن الدولة الاتحادية.

وإذا كانت دولة الإمارات استطاعت ترسيخ أركانها بفضل حكمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فإنها تواصل بخطى واثقة المضي في تثبيت دعائم مرحلة التمكين في ظل قيادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

وهذه المرحلة التي تعيشها الآن تعد مؤشراً قوياً على نجاح تجربة الاتحاد، ليس لأنها تستهدف فقط تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، سواء البشرية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية أو السياسية، وإنما أيضاً لأنها تعتمد في إنجاز ذلك على التكامل بين السياسات والاستراتيجيات المختلفة، وهذا ما يمكن تلمسه بوضوح في العديد من المبادرات والتوجيهات التي طرحها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، خلال السنوات الماضية والتي أنتجت أثرها البناء في تحقيق أهداف مرحلة التمكين، من اهتمام كبير بالتعليم، والاستثمار في العنصر البشري، وتفعيل دور المؤسسات، وتطويرها، وتمكين فئات المجتمع المختلفة من المشاركة بفاعلية في حركة تنمية المجتمع وتطوره، أضف إلى ذلك أن دولة الإمارات قد حققت خلال السنوات القليلة الماضية العديد من الإنجازات في مختلف الجوانب، فاقتصادياً أصبح الاقتصاد الإماراتي واحداً من أقوى الاقتصادات في المنطقة، وأثبت قدرته ليس على التطور وحسب، بل وأيضاً على التماسك، واحتواء آثار الأزمات التي قد تواجهه، فقد استطاع مواجهة تداعيات الأزمة المالية التي عصفت بالعالم منذ عام 2008، وواصل بنجاح خططه ومشاريعه التنموية.


لقد استطاعت دولة الإمارات أن تقدم نموذجاً في التنمية المستدامة، فعمدت إلى تخفيف اعتماد اقتصادها الوطني على القطاع النفطي كمصدر رئيس للدخل، فاستثمرت عائدات هذا القطاع في بناء اقتصاد متوازن وقادر على النمو والازدهار دون استنزاف الموارد، وتوسعت تدريجياً في القطاعات غير النفطية لضمان أعلى مستويات الاستقرار لاقتصادها؛ فحققت إنجازات استثنائية في قطاعات البنى التحتية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والتجارة الداخلية والخارجية والطاقة المتجددة والخدمات المالية والمصرفية، وكانت نتيجة ذلك كله أن احتلت مرتبة متقدمة في سلم الترتيب التنموي على الصعيد العالمي، وأمنياً تتمتع دولة الإمارات بدرجة عالية من الاستقرار الأمني، وهذا يرجع بالأساس إلى إيمان القيادة في دولة الإمارات بأن الأمن هو أساس التنمية والتقدم إلى الأمام، ولذلك عملت على توفير كل ما من شأنه المساعدة على تحقيقه وفق أعلى المعايير العالمية والوقوف بكل قوة في وجه أي إخلال به، وبالتوازي مع هذا كله تتسم السياسة الخارجية الإماراتية بالاعتدال والحكمة والسياسة المتزنة.

ولاشك أن الأوضاع السياسية والاقتصادية المتطورة في دولة الإمارات قد أنتجت بدورها سياسة خارجية متزنة بعيدة عن أي توترات أو افتعال للأزمات، وهو ما أكسبها احترام الجميع في الداخل والخارج، كما أن هذه السياسة الخارجية التي تحظى بالقبول والمصداقية على الساحتين الإقليمية والدولية، جعلها داعماً لخطط وأهداف التنمية في الداخل، فبفضل التحركات المختلفة التي قامت بها الدبلوماسية الإماراتية، استطاعت الدولة أن تحتل موقعاً دولياً متقدماً في خارطة الاستثمار العالمي، واستقطاب عدد كبير من مؤسسات الاستثمار العالمية لإقامة مشاريع ضخمة في مختلف إمارات الدولة.

وللبرهنة على سجل الإمارات الدولي الناصع سياسياً يمكن الإشارة إلى ما ذكرته نشرة" جلف ستاتزنيوز لبتر" الصادرة في لندن في سياق تقييمها للإسهامات الإماراتية في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين حيث قالت النشرة أن دولة الإمارات تمتلك سجلاً إقليمياً استثنائياً كمساهم قوي في المهمات العسكرية لحفظ السلام.

والواقع يشير إلى أن الدبلوماسية الإماراتية لم تعد تنفصل عن قضايا التنمية، بل أصبحت إحدى الأدوات الداعمة لها، فالسياسة الخارجية التي تتبناها الدولة بمحاورها وأسسها التي استعرضناها آنفا باتت تشكل داعماً قوياً لاقتصادنا الوطني ولخطط التنمية في الداخل، فالجولات الخارجية التي يقوم بها كبار مسؤولي الدولة في مختلف قارات العالم باتت تركز بوضوح على الجانب الاقتصادي، سواء في استكشاف فرص الاستثمارات الخارجية لرجال الأعمال والقطاع الخاص في الدولة أو في الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة داخل الإمارات، والتي يمكن لرجال المال والأعمال والقطاع الخاص في هذه الدول الاستثمار فيها، وهو الأمر الذي يؤكد بوضوح أن الدبلوماسية الإماراتية تحرص على أن تخدم في تحركاتها الخارجية خطط ومشاريع التنمية في الداخل، ودائماً ما كانت الدبلوماسية الإماراتية داعماً قوياً للاقتصاد الوطني، والخطط التنموية في الداخل، فبفضل التحركات المختلفة التي قامت بها، استطاعت الإمارات أن تحتل موقعاً دولياً متقدماً في خارطة الاستثمار العالمي عبر امتلاك حصص في شركات عالمية وقطاعات اقتصادية مهمة، كما كان للدبلوماسية الإماراتية دورها المهم في استقطاب عدد كبير من مؤسسات الاستثمار العالمية لإقامة مشاريع ضخمة في إنحاء البلاد، مستفيدة من السمعة العالمية المشرفة،والتاريخ الاستثماري الايجابي، والمكانة الاقتصادية البارزة التي حصلت عليها الدولة خلال السنوات الماضية، باعتبارها من أكثر الدول الجاذبة للاستثمار في العالم، كما استطاعت الدبلوماسية الإماراتية أن تحقق العديد من الإنجازات التي تصب في خدمة خطط التنمية، ولذا يمكن القول بكل ثقة أن الدبلوماسية الإماراتية تقوم بدور فعال في خدمة الاقتصاد الوطني، وتوفر الأرضية السليمة لبناء تنمية مستدامة، بما تنسجه من خيوط تعاون وصداقة وتفاهم مع دول العالم المختلفة، وبما تتيحه من فرص جديدة لإقامة شراكات اقتصادية مع العديد من دول العالم، وبما تبنيه من ثقة عالمية في قدراتنا الاقتصادية، أسهمت كلها في وضع الاقتصاد الإماراتي في موقع متقدم على خريطة الاقتصادات المتقدمة.

وفي سياق الحديث عن دبلوماسية التنمية بل في جوهره يمكن رصد مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في "قمّة الأمن النووي"، التي استضافتها كوريا الجنوبية خلال شهر مارس الماضي، حيث ترأس وفد الدولة إلى هذه القمة الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث كان لافتاً خلال مشاركته في أعمال هذه القمة أمران مهمان، أولهما التقدير الواضح الذي تحظى به الدولة تحت قيادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، في المحافل الدولية الكبرى، والحرص على الاستماع إليها وتعرّف وجهات نظرها في القضايا الحيوية التي تهمّ العالم.

وقد اتضح ذلك من خلال اللقاءات التي أجراها الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس وفد الإمارات إلى القمة، مع العديد من رؤساء الدول وقادتها وممثّليها، وما عبّرت عنه هذه اللقاءات من تقدير واحترام عالميين لدولة الإمارات وقيادتها الرشيدة، إضافة إلى سياستها في التعامل مع قضية الأمن النووي وما تمثله من تجربة مهمة في هذا الشأن حيث انعكس هذا التقدير في تصريحات قادة وزعماء العالم الذين شاركوا في فعاليات قمة سيئول للأمن النووي، الأمر الثاني أن أعمال القمة كانت بمنزلة مؤشر أو "ترمومتر" لقياس ما تتميز به الدبلوماسية الإماراتية من حيوية وحنكة وديناميكية وقدرة فائقة على التعبير عن مواقف الدولة في المحافل المختلفة، فبالإضافة إلى اللقاءات المهمة التي أجراها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على هامش القمة مع العديد من القادة وفي مقدمتهم الرئيس الكوري الجنوبي، لي ميونج باك، الذي أكد عمق العلاقات المتميزة التي تجمع كوريا الجنوبية ودولة الإمارات العربية المتحدة في المجالات كافة، فقد أسهمت التصريحات التي أدلى بها الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في إلقاء الضوء على البرنامج النووي الإماراتي والتعريف بما يتميّز به من الأخذ بأعلى المعايير العالمية في مجال الطاقة النووية للأغراض السلمية، إضافة إلى تأكيد موقف الإمارات الثابت والمبدئيّ في الانحياز إلى كل ما من شأنه "إشاعة أجواء الأمن والاستقرار والسلام في ربوع منطقة الشرق الأوسط وبلدان العالم كله".

ومن الضروري الإشارة في هذا السياق إلى أن حرص دولة الإمارات على المشاركة في "قمة الأمن النووي" الثانية بهذا المستوى الرفيع من التمثيل، الذي يمثّل امتداداً لمشاركتها في القمة الأولى في عام 2010، هو ترجمة لخطّها السياسي المستقرّ منذ نشأة دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971 في الانخراط في أي جهد إقليمي أو دولي من شأنه أن يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في العالم ومواجهة مصادر الخطر التي تتهدّده وأسبابه على المستويات كافة، من أجل توجيه الاهتمام إلى مجالات التنمية التي تصبّ في مصلحة الشعوب وتقدّمها ورفاهيتها. وإذا كانت المشاركة الإماراتية في "قمة الأمن النووي"، في كوريا الجنوبية، قد عكست سياسات دولة الإمارات وكونها دولة مسؤولة في العالم تحرص على المشاركة القوية والفاعلة في أي جهد من شأنه تقوية العمل الدولي المشترك وتعزيزه في مواجهة التحديات الكونية والتصدي لمخاطرها، فهي قد عبّرت أيضا بوضوح عن أن الإمارات قد أصبحت مشاركة بقوة في صياغة أولويات التحرك العالمي ومساراته في مجال تكريس أعلى معايير الأمن النووي، قولاً وعملاً، وهذا ما وضح من المبادرتين اللتين طرحهما الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال حضوره القمة، رئيساً للوفد الإماراتي.. المبادرة الأولى التي طرحها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في هذا الإطار تمثلت في استضافة الإمارات لمؤتمر دولي نيابة عن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" في أكتوبر من العام المقبل 2013 حول استراتيجيات المراقبة المستمرة للمواد المشعّة وتقنياتها طوال دورة حياتها. أما المبادرة الثانية فهي تبرّع الدولة بمبلغ مليون دولار بهدف توسيع المختبرات الحالية وترقيتها، التي تتيح لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" تحديد أصل المواد النووية واكتشاف المنشآت النووية غير القانونية التي لم يتم التصريح بها، إلى جانب العديد من المهام الأخرى، ولقد أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال هاتين المبادرتين المهمتين أن التعامل الجادّ مع التحديات الخطرة التي تواجه العالم يحتاج إلى خطوات عملية لدعم المنظّمات الدولية المعنيّة حتى يمكنها القيام بدورها وأداء مهامها بفاعلية بما يعود بالخير على البشرية جمعاء، وأن الإمارات مستعدّة دائماً للمساهمة في أي جهد أو تحرّك في هذا الشأن من منطلق إيمانها بمسؤوليتها الدولية من ناحية واقتناعها الراسخ بأن العالم يواجه العديد من التحدّيات الصعبة والمعقّدة التي يمتد تأثيرها إلى دوله جميعها من دون استثناء، ولا يمكن التعامل معها إلا من خلال تحرّك مشترك، وفي مقدمة هذه التحديات التحدي النووي.

وقد كانت كلمات الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان واضحة ومعبّرة في هذا الشأن، حيث قال إن التهديدات المتصلة بالأمن النووي بما فيها احتمال الإرهاب النووي لا يمكن حصرها في دولة دون الأخرى، بل يجب النظر إليها على أنها تشكّل تهديداً عاماً لجميع دول العالم، داعيا إلى تعاون دولي من أجل إيجاد بنية تحتية عالمية والقدرة البشرية اللازمة لضمان أعلى معايير الأمن النووي ومؤكداً الدور المحوري الذي تؤديه "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" في هذا الشأن.

وذكرت صحيفة كوريا تايمز في عددها الصدر في الخامس من مارس الماضي في مقال بقلم كيم تاي جيو أنه قبل سنوات عديدة كان اهتمام الكوريين الجنوبيين بالفرص الاقتصادية في دولة الإمارات قليلاً، ولكن الآن أصبحت المشاعر "أخوية".

ويفسر الكاتب هذا التطور قائلا إن السنوات القليلة الماضية قد شهدت أحداثاً عززت العلاقات بين الدولتين ومن الواضح أن البداية كانت خلال عام 2009، في ذلك الوقت، بحسب ما تقول الصحيفة، فاجأت الإمارات العالم باختيار اتحاد شركات كوري برئاسة المؤسسة الكورية للطاقة الكهربائية لمشروع بناء أربعة مفاعلات نووية بحلول 2020 بتكلفة 18.6 مليار دولار، ثم جرى توقيع اتفاق لتطوير ثلاثة حقول نفط يتوقع أن تنتج ما يصل إلى 43 ألف برميل من النفط يومياً اعتباراً من 2014، وبالإضافة إلى نقل تصريح أدلى به وزير اقتصاد المعرفة الكوري الجنوبي هونج سوك و قال فيه أن التعاون الاستراتيجي بين الإمارات وكوريا الجنوبية سيستمر لأكثر من 100 عام، أشارت الصحيفة للدلالة على أهمية الاتفاق وعمق الشراكة بين البلدين إلى أن الإمارات لم تفتح الباب أمام أطراف جديدة لتطوير حقول النفط فيها خلال العقود الثلاثة الماضية منذ أن فعلت ذلك مع اليابان في السبعينات، كما أكد الوزير الكوري هونج سوك المكلف بملف صناعة الطاقة في كوريا أن العقد النفطي سيدعم العلاقة المئوية للحليفين التي تأسست بعد اتفاق الطاقة النووية في 2009 معرباً عن اعتقاده بأن الإمارات وكوريا الجنوبية شريكان مثاليان لأن نقاط القوة لدى كل طرف تكمل نقاط النقص عند الآخر، بينما قال مسؤول في وزارة اقتصاد المعرفة أن المتوقع أن يسفر هذا الخليط عن تآزر كبير عبر الحدود.

وقالت الصحيفة إن "صورة الكوريين لدى الإمارات جيدة إذ تعتبرهم شعباً يتسم بالمواظبة، كما أن لدينا أيضاً انطباعات ودية للغاية عن الإمارات، وذلك إثر العقد النووي في 2009 ووقائع أخرى للتعاون أعقبت ذلك".

وأضافت" تضع كوريا النمو الأخضر الذي تنخفض فيه نسبة الكربون كأولوية أولى، بينما استعدت الإمارات لعهد ما بعد النفط وهناك أسباب جيدة لهذا التجاوب بين الدولتين.

وعلى الخلفية السابقة يمكن القول إن التعاون الإماراتي ـ الكوري الجنوبي في مجال التكنولوجيا النووية السلمية هو الركيزة الأساسية التي تتكئ عليها العلاقات الإستراتيجية بين البلدين في الآونة الأخيرة، ما يستوجب تسليط الضوء على البرنامج النووي السلمي الإماراتي الذي ينظر إليه الخبراء والمراقبون باعتباره نموذجاً دولياً في توظيف الطاقة النووية لمصلحة التنمية، فضلاً عن كونه يضرب المثل والقدوة في التعاطي مع الأطر القانونية الدولية الخاصة بحظر الانتشار النووي.

وفي الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 2009 وقعت الإمارات اتفاقيات عدّة مع كوريا الجنوبية لإنشاء أربع محطات للطاقة النووية، بقيمة 75 مليار درهم وتبلغ قدرة كل منها 1400 ميجاوات بحلول عام 2020.

وسيبدأ توليد الكهرباء بعد عام 2017، ولعل أهم ما يميز المحطات النووية الأربع، التي تعتزم الدولة بناءها أنها تنتمي إلى الجيل الثالث، وهي تتمتع بنسبة أمان مرتفعة جداً، كما يتميز برنامج إنتاج الطاقة الكهربائية عبر هذه المحطات بانخفاض تكلفته، قياساً بطرق الإنتاج الأخرى، حيث إن 85 في المائة من تكلفة إنتاج الكهرباء في هذه المحطات هي تكلفة إنشائية، وهذا يعني أن هذه المحطات النووية تعدّ إحدى البدائل المهمّة المضمونة لمصادر الطاقة في الدولة.

ويكتسب التعاون الإماراتي ـ الكوري الجنوبي في مجال التكنولوجيا النووية السلمية أهمية استثنائية لكونه أول عقد تتوصل إليه دولة عربية لامتلاك مفاعلات نووية حديثة ذات طاقة إنتاجية عالية، حيث يشغل العقد بين البلدين موقع الريادة في منطقة استفاقت لتبحث عن موقعها على خارطة هذا النوع من الطاقة وبالتالي فإن هذه الشراكة ستلقي بتأثيراتها على دول المنطقة سواء لجهة التعاقد مع كوريا الجنوبية كمورد لمفاعلات الطاقة النووية، أو لاختيار هذا المصدر الآمن لتلبية الاحتياجات المتزايدة للتنمية في دول المنطقة عبر بناء المفاعلات النووية، ويدرك المراقبون أن التفاعلات التي سبقت اختيار كوريا الجنوبية لتوريد المفاعلات النووية لدولة الإمارات توحي بأهمية هذه الخطوة كونها تتطلب قرارات على أعلى مستوى سياسي في البلاد، كما تتطلب ثقة راسخة في الشريك الاستراتيجي الذي سيقع عليه الاختيار لتوقيع مثل هذا العقد الضخم، ولذا دارت هذه التفاعلات على مستوى القيادات السياسية في دول عدة، وخلال المرحلة الأخيرة، برزت أربعة تحالفات صناعية متخصصة في الطاقة النووية تابعة لخمس دول هي الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، اليابان، وكوريا الجنوبية.


وقامت هذه التحالفات بتقديم عروضها لحكومة دولة الإمارات، ثم جاء قرار الإمارات بإسناد المشروع إلى الجانب الكوري الجنوبي الذي توافرت فيه عناصر وضعتها القيادة السياسية في دولة الإمارات على رأس المعايير الحاكمة لقرارها في هذا الشأن، ومن أهمها مستوى التقدم التكنولوجي المستخدم في بناء المفاعلات النووية، وتحديداً مدى توافر عنصر الأمان والسلامة النووية، لضمان الحد الأقصى من سلامة وأمان المفاعل من مخاطر التلوث والتسريبات الإشعاعية ومخاطر الانفجارات المصاحبة لأخطاء التشغيل وغيرها من الأخطار المتوقعة على صعيد عمل المفاعلات النووية.

وفي هذا الإطار يشار إلى أن المفاعلات الكورية الجنوبية تعد من أفضل المفاعلات أماناً في العالم، ويوحي أداؤها بذلك على مدار السنوات والعقود الماضية، كما أن الشركة الكورية الموردة تُعَدّ ثالث أكبر شركة عالمية في مجال توليد الطاقة الكهربائية بالمفاعلات النووية، وتمتلك أكثر من عشرين محطة توليد نووية عاملة، إلى جانب 18 محطة قيد الإنجاز أو في مراحل التخطيط، وبالإضافة إلى حسابات ومعايير فنية أخرى معقدة فإن الشريك الكوري الجنوبي يعد شريكاً مثالياً لدولة الإمارات سواء من واقع التجارب والخبرات السابقة أو في ضوء حسابات المستقبل، وأيضاً في ضوء العوامل الحاكمة لعلاقات الدول، حيث تتفادى هذه الشراكة "المثالية" حسابات الضغط السياسي والاقتصادي، وتتجنب الوقوع في براثن صراعات القوى السياسية المتناحرة في أي من الدول خصوصاً في ظل الأمد الزمني الطويل نسبياً لهذه الشراكة، حيث أن بناء مفاعلات الطاقة النووية سيستغرق فترة زمنية تقارب العشر سنوات، وعملية التشغيل والاستفادة تستمر لمدة ثلاثين عاماً، وبالتالي كان عامل تقليل مخاطر التدخلات السياسية في سير المشروع النووي من جانب الدولة المتعاقِدة حاضراً بقوة عند إرساء العقد في المراحل النهائية.

وتجمع دولة الإمارات العربية المتحدة، وكوريا الجنوبية علاقات اقتصادية إستراتيجية تتركز في عدة مجالات أبرزها الاستثمارات المشتركة في قطاع الطاقة، والتبادل التجاري، خصوصاً أن الإمارات تعتبر من أهم أسواق المنطقة للمنتجات الكورية، وتجمع البلدين شراكة، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة " تسعى كوريا الجنوبية إلى إنتاج 11 في المائة من احتياجاتها للطاقة عبر مصادر متجددة بحلول عام 2030، مقارنة مع النسبة الحالية البالغة 2.46 في المائة وخصصت 891.2 مليون دولار لدعم وتمويل مشاريع الطاقة المتجددة، بما في ذلك بناء محطات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتدريب والتعليم والإنشاءات وبناء السفن وأشباه الموصلات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إضافة إلى مواصلة الشراكة التقليدية في مجال الطاقة بما فيها النفط والغاز.

وتسعى كوريا إلى التعاون مع الإمارات في مجالات إضافية، منها التعاون الصناعي وتأسيس المنشآت الصغيرة والمتوس












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي