المراقب السياسي والمحلل الاقتصادي المثقف الموسوعي المفكر الدكتور عمر عبد العزيز لـ "الثورة اليمنية: على اليمنيين مواصلة القبض على جمرة الاستحقاق السلمي‮ ‬الرشيد بالحوار

خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
2012-04-29 | منذ 7 سنة

في حوار شيق وشامل أستطاع الزميل محمد محمد ابراهيم من صحيفة الثورة اليمنية أن يفوز بسبق صحفي متميز يحسب له وذلك من خلال محاورته للأديب والمفكر اليمني الكبير الدكتور عمر عبدالعزيز ، هذا الحوار الذي يعتبر بحجم رؤى الدكتور عبدالعزيز نظرا لتمثلاتها المتنوعة والمستبصرة للظرف الراهن في اليمن والمنطقة والعالم ، وعليه ولأهمية هذا لحوار الغير مسبوق رأينا في شبكة الأمة برس العربية الأمريكية الأخبارية إعادة نشره لتعم الفائدة الجميع مع شعورنا وإيماننا بأهمية ماقاله الدكتور عمر عبدالعزيز (شبكة الأمة برس العربية الأمريكية)

 
 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الأولى...  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراقب السياسي والمحلل الاقتصادي المثقف الموسوعي الدكتور عمر عبد العزيز لـ "الثورة اليمنية(1-4)

 
على اليمنيين مواصلة القبض على جمرة الاستحقاق السلمي الرشيد بالحوار
Ø      قوة الشرعية القائمة تكمن في توحيد مرئياتهاالمشتركة تجاه التحديات الجوهرية
Ø      علينا التخلي عن ثقافة الماضي السلبي وتحاشي مصيدة القطيعة مع الماضي الايجابي
Ø      الذاكرة الماضوية الناصعة-فقط-أساس الحاضر السّويْ ومن يُشوّه الماضي سيُشوّه الحاضر جبراً لاخياراً
Ø      على الساحات التحصن بثقافة الأخلاق الأولى وأن تظل مثالاً للنظام والقانون، فالبناء العشوائي أبعد ما يكون عن نُبل الأهداف والمقاصد
Ø      جميعنا متشاركون في صُنع الماضي بإيجابياته وسلبياته وليس من أحدٍ يخلو من العيوب
Ø      دعينا بعد حرب صيف 94م إلى عدم ترك الحزب الاشتراكي في مهب الريح واليوم ندعو أيضا لعدم ترك المؤتمر الشعبي العام لنفس المصير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالأمس تجادلنا واليوم نتجادل وغداً نتجادل وينمو أبناؤنا على عاصفة تستهلك الوقت الذي يحزُّ في عنق أعمارنا بسرعة غير متوقعة وحين يبلغ الوريد الآخر يكون قد أجهز على مستقبلٍ كان لزاماً علينا إنجازه.. البعض يثبت أن له المستقبل ولك الماضي، والبعض الآخر ينتظر حتى يخلو الجو ليثبت لك وللجميع إنه الأصوب، بينما ثمة من يتربص للبدء بمرحلته التي ستكون سيفه الحضاري لإجلاء الماضي من ركب المستقبل وتعبيد دروب الوصول للغد، ليتفاجأ أن للغد مخالباً ونهاياتٍ أتقن بذلك التربص إنتاجها بكفاءة بالغة.. بينما لا أحد منا يسأل نفسه ماذا أفعل اليوم لأراه أنا وإبني غدا نجاحا واضح الإنجاز..
راهناً تظل أسئلة الحير مفتوحة على معطيات الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي وعاصفة الربيع العربي التي كبرتها مأساة الـ (بوعزيزي) ثقاب التغيير المعاصر.. كانت الأجندة الاستفهامية كبيرة بحدود موسوعية من سأحاور.. فهو مراقب سياسي اعلامي متخصص بالشأن اليمني، ودكتوراه في الاقتصاد وعالم تاريخ جمالي وفلسفي متناهي التراكم المعرفي اللغوي بحكم إجادته عدة لغات، وسابر أغوار الفرق العقدية في تاريخية اليمن وعلاقتها بمحور فوران السياسة والصراعات الحاكمية في الجزيرة العربية، وملم بمرجعيات النظم الاتحادية والديمقراطيات العالمية، ومخضرم المعاصرة عن قرب لتجاذبات العملية السياسية ، وتآكل الزمن بمناطقه الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل تحت وطأة الجدل العدمي لهذه التجاذبات، وفوق كل هذا يبدو حاضراً سريع البديهة - منساباً حديثه كالنهر- شجاع الاعتراف بأخطاء الماضي على مختلف المسارات والاتجاهات، باعتبار ذلك ضرباً من أخذ العظة والعبرة والاستفادة من تلك الأخطاء، وجعل هذه الفائدة لبنة أساسية في تكوين الحاضر الإجرائي العملي وليس الجدلي، وهي الخطوة التي وبدونها سيفاجئنا المستقبل بترحيلنا على شمال الصفر مجبرين لا مختارين، مسيسي المظهر والصوت، لا أنقياء السريرة والعمل لمن بعدنا.. إنه حوار مطول، لكنه شيق لغة وفلسفةً ودلالةً ومعالجةً تطرق فيه المراقب السياسي والاعلامي المثقف الموسوعي/ الدكتور عمر عبد العزيز لمختلف الملفات اليمنية الجدلية والمطروحة على طاولة مرحلة انتقالية مثقلة بالتداعيات والتجاذبات السياسية التنازعية محليا واقليمياً لكن البداية كانت من راهن الجدل العدمي على الساحة اليمنية.. إلى تفاصيل ما دار في الحلقة الأولى من الحوار:..........  حاوره . محمد محمد إبراهيم
 
> دكتور عمر في بدء هذا الحوار السياسي سننطلق من جدل الحاضر.. فثمة قوى أسهبت كثيراً في التغني بالمستقبل دون ترجمة عملية للشعارات، وأخرى شدت فعلها وتصرفها إلى الماضي.. بينما الحاضر هو حلبة الجدل العدمي أو العقيم، في تصاعد لا يخدم عامل الزمن.. برأيكم إلى أي مدى سيسهم هذا الجدل العدمي في ضياع فرصة البدء بوضع اللبنات الأولى للمستقبل؟

سأنطلق في إجابتي من كلمة العدمية، وسأحاول تقديم قراءة لهذا المفهوم في إطار الزمن، ونحن نعلم تماماً أن الزمن الفيزيائي يمتد من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، والعدميون هم الذين يقفزون على أحد هذه المستويات، بمعنى، أن من يقرأ التاريخ قراءة استطراد بين الماضي والحاضر والمستقبل، فإنه إنما يقرأ التاريخ بروحية التفهُّم والتمثُّل لنواميسه، أما الذين يقرأون التاريخ من خلال القطيعة مع الماضي-على سبيل المثال- أو من خلال عدم التطلع إلى المستقبل، أو من خلال الإقامة في الماضي، أو من خلال الاعتقاد بأن الحاضر قد أنجز كل شيء.. هؤلاء هم العدميون. هؤلاء هم الذين يقومون بتقطيع أوصال الزمان، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال المكان، ويؤدي إلى إنكار الترابط بين الأجيال، فتنتفي المعاني، وتزداد الحيرة، ويصبح الاشتباك غير الحميد مع الذات والآخر سمة سائدة في المجتمع.. ولهذا السبب أعتقد إنه في ظروف التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي، واليمن ضمناً، تنشأ هذه الأسئلة.. وهي تعكس نوعاً من الاستدعاء السلبي للزمان والمكان، مزاجها إقامة سلبية في الماضي، وتشويه للحاضر، ونُكران للمستقبل.

 
> مقاطعاً - هل ثمة تأصيل ثقافي لهذه المعضلة الجدلية؟

- نعم.. نحن لدينا مشكلة حقيقية جداً في الثقافة العربية.. تتلخّص هذه المشكلة في سيادة ثقافة الاستدعاء للماضي، بمقابل انتفاء ثقافةالمراجعة،وهذا النوع من الاستدعاء الميكانيكي الخطّي للماضي ينطوي على وهم كبير، مداه أن الماضي لديه الجواب الجاهز الناجز لكل سؤال عصري ولكل سؤال مستقبلي، وفي هذا درجة كبيرة من الخطأ الابستمولوجي، والمخاتلة المفاهيمية- إن جاز التعبير-.. ذلك أن الماضي له إشارات في غاية الأهمية تدل على الحاضر والمستقبل، لأن الماضي سيظل موجوداً في الحياة، وسيظل حاضراً بكيفيات مختلفة.. والاستدعا للماضي إن لم يكن مقروناً بالمراجعة لهذا الماضي، سنجد أنفسنا في منطقة رمادية ضبابة الرؤية كتلك التي نراها الآن ونحن في ذروة سعير الفاجعة، والحرب المُعلنة بين الظلام والظلام.
في أحوال اليمانيين والعرب الماثلة حالة من الرفض العدمي لمفاجآت الثقافة العالمة.. أيضاً،شواهدالانتماء العضوي الموضوعي للحقائق الزمانية والمكانية، فهذه الحقيقة ليست معطىً ناجزاًتتناسب مع مزاجنا وذاكرتنا المتخمة بالأساطير، ولكنها ناجزة السطوع في الماضي الحميد الذي شوّهناه عبر التلاقح القسري مع العصر، فلا كان الماضي، ولا كانت الدولة العصرية.. أما الحاضر فشأنه شأن الماضي المُشوّه، لأن وجهي العملة الزمنية يتكاملان ويتقاطعان. من يُشوّه الماضي ياعزيزي سيُشوّه الحاضر جبراً لاخياراً. الذاكرة الماضوية الناصعة أساس الحاضر السّويْ، والمُستقبل النائر، وبالتالي كانت عقيدة التطورأو أيديولوجيته -إن جاز التعبير- هي الأيديولوجية المستقبلية، وهي في نهاية المطاف ليست مستقبلية، إلا لأنها تتكئ على مفردات من الماضي، وتعترف بحقيقة وجودها في الحاضر، وترى الحاضر بوصفه حاضناً للأحلام من جهة، والحقائق التاريخية من جهة أخرى.
في زمن التحولات العاصفة التي تجري في العالم العربي، لا بد من أن نستوعب هذه المعادلة بشكل دقيق، وأن نتخلّى عن ثقافة الاستدعاء الميكانيكي لما هو ماضوي، واليقين الواهم بأننا سنجد الجواب في الماضي، وبالمقابل علينا أن لا نقع في مصيدة القطيعة مع الماضي الايجابي، كما فعلنا أكثر من مرة في ظل التحولات التي مرت على الساحة اليمنية.. بمعنى،إنه عندما غادر الاستعمار البريطاني الشطر الجنوبي اعتبرنا أن المرحلة الماضية كانت مُظلمة، وحرصنا على مسح ذاكرة الإمارات والسلطنات والمشيخات الجنوبية بالرغم من عديد المفردات الهامة في تلك التجارب، كالدواوينية في السلطنة القعيطية الحضرمية، ونظام المحاكم في سلطنة لحج.. الخ، وعندما ذهبت الإمامة في الشطر الشمالي( يبتسم ضاحكاً ساخراً من طبيعة تعاطينا مع الماضي) اعتبرنا أن المرحلة الإمامية كانت مُظلمة حصراً، وبالتالي مارسنا نوعاً من القطعية الإجرائية مع ما كان من قبل، وهذا خطأ كبير، ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى عدم تكرار هذه القطعية أو ممارستها.
> هل نفهم من هذا أن حلقة الوصل بين الأجيال الحاكمة المتعاقبة مفقودة؟

- بالمعنى المفاهيمي للكلمة نعم.. لكن بالمعنى الواقعي لا.. ذلك أن ناموس التاريخ والضرورات الموضوعية التاريخية أقوى من أوهامنا، فعندما كان خطابنا يُلغِي إجرائياً ومفاهيمياً العهد السلاطيني في جنوب اليمن، أو العهد الإمامي في شمال اليمن، كنا نقع في خطيئة معرفية، ومفاهيمية، غير أن الزمان كان يحتضن في داخله كل عناصر الماضي، جبراًلا خياراً. هذه هي المسألة المهمة. ليست مشكلتنا مع الماضي، وليست مشكلتنا مع نظامٍ كان وذهب.. المشكلة الحقيقية والجوهرية هي في كيفية توظيف كل عناصر الماضي في الحاضر، بوصفها عناصر تحمل في تضاعيفها وفي طيّاتها قيم إيجابية، وليست كلها سلبية.. ومن هذه الزاوية، أتمنّى من الذين يعتنون بترسيخ القضايا المفاهيمية الكُلّية في الوطن، أن يتعاملوا مع ما كان بوصفه ضرورة موضوعية من جهة، وبوصفه يحمل بعض العناصر الإيجابية من جهة أخرى، وأن لا نقع في مصيدة المقاطعة الإجرائية العدمية لما كان في الماضي.

 
> ما الذي تدعو إليه أطياف العمل السياسي، خصوصاً في ظل دوامة هذا الجدل الذي يسيطرعلى منطقة الحاضر الزمنية؟

- أنا أعتقد أنه من الضرورة بمكان في مثل هذه الظروف، وفي هذا الزمن الذي يكتسي طابعاً استثنائياً أن تواصل طيوف الألوان السياسية في الساحة اليمنية القبض على جمرة الاستحقاق السلمي الرشيد، عبر مواصلة الحوار، وتوحيد مرئياتها في ما يتعلق بالتحديات الأساسية والجوهرية القائمة في الوطن، وكذا التحديات السياسية والاقتصادية وما ينجم عنهما من تفاصيل أُخرى.
من الضرورة بمكان لكل الذين هم في إطار الشرعية التوافقية القائمةأن يديروا حواراً داخلياً على قاعدة توحيد المرئيات تجاه المسألة الجنوبية وتجاه قضية صعدة على وجه التحديد.. أيضا تجاه ما يجري على الأرض، خاصة في الساحات، ومطالب الشباب، وبالتالي تأمين وحدة الشرعية القائمة وفق المبادرة الخليجية ووفق الدستور اليمني. وحدة الشرعية القائمة تكمن في أن يكون لديها مرئيات مشتركة.ومن الحكمةاستبعاد بعض المسائل الخلافية، وبما لا يضر بالتغيير، بوصفه الركن الركين في المعادلة السياسية القائمة.

 
الصورة النمطية لليمن

> مقاطعاً الاسترسال- دكتور.. قبل الدخول في تفاصيل هذه التحديات ومعالجاتها.. هناك قضية من صميم عملكم كمراقب سياسي واعلامي للمشهد اليمني. تضاربت الصورة وزادت قتامة في الإعلام الخارجي مذ بدأت الأحداث اليمنية .. وطالت الاحتمالات نوافذ الأمل في سلامة المجتمع اليمني المسلح من الصوْملة والحرب الأهلية وغيرها.. كيف تقيم الخطاب الإعلامي الخارجي نحو اليمن خصوصاً بعد رسو العاصفة التنافرية وتتويج الصراع بالتوافق؟ وكيف تعاطى المحيط الدولي السياسي مع هذه الصورة؟

- من خلال وجودي الأساسي في إطارالمراقبة السياسية الميدانية للشأن اليمني، على المستويات المحلية والعربية والدولية.. ومن خلال مشاركاتي في كثير من الندوات العربية والدولية حول هذا الشأن، ووجودي العملي في كثير من الدوائر وصنع الرأي العام.. لا حظتُ أن الصورة الذهنية النمطية تجاه اليمن قد تغيّرت بطريقة جذرية، وذلك عطفاً على التتويج الرشيد للانتفاضة والثورة الشبابية السلمية، كما لم يحدث في أي بلد من بلدان الربيع العربي. هذا السيناريو لم يكن متوقعاً من قبل المتابعين والمراقبين، فقد كانت هناك صورة نمطية قاتمة.. إذ كان الكل يتصوّر أن اليمن سيقع في مستنقع سيء جداً، وإنه شعب مسلح، وأن هناك انتشاراً قبلياً فوضوياً، وما إلى ذلك من صور قاتمة أسهم نظام المتاهات المُنحسر في تعميمها ظلماً وباطلاً، حتى أن النتائج الماثلة جعلت العالم يتأرجح بين الدهشة والإعجاب والاستغراب. كان سؤال المراقبين الذي نجتهد تباعاً في تقديم إجابة عنه يتلخّص في التالي: كيف خرجت اليمن من المحنة بهذا الشكل، وبمتغير كبير جداً، قلب الصورة النمطية الظالمة رأساً على عقب.

 
> مقاطعاً - نحو الإيجاب .. أم ماذا؟

- نعم. نعم. نحو الإيجاب.. هذا الانطباع وهذه الصورة التي نشأت عطفاً على ما حصل، وعطفاً على التوافقية السياسية التي لولا الأطراف اليمنية لما نجحتْ،ولما كانت العوامل الإقليمية والدولية أفضت إلى ما نحن عليه.نعم .. تغيرت الصورة النمطية بشكل كبير، ولكن علينا أن نقبض على جمرة الاستمرار، في خط التسوية السلمية، القابلة بحوار مفتوح، وخاصة بين فرقاء الساحة الذين تشاركوا في هذه التسوية.. يفترض أن يكون هناك تخلٍ حر عن ثقافة القطيعة مع الآخر، وتخلٍ حر عن الاستقطاب والمكايدات، بل وإلجام من يمارسون الخطاب السياسي بعقلية سُوقية، وبأخلاقيات خسيسة.
من المؤكد أن هنالك عناصر جيدة وحكيمة، في كل المستويات، في أطراف الشرعية القائمة. وبالتالي هذه المحطة سترسخ من قيمة التوافقية الداخلية التي تمت في اليمن، وستمهد - أيضاً- لحوار إيجابي مع الأطراف التي تشرْعنت بقوة الأمر الواقع -إن جاز التعبير- ، وبقوة المكونات الاجتماعية، ووجود مطالب حقيقية حيوية وصحيحة أخذت طابعها الفعلي والعملي خارج إطار الشرعية الدستورية التي تم انتهاكها أصلاً من قبل النظام قبل المواطنين. وبالتالي.. نحن نتحدث عن مكونات اجتماعية من حقها أن تكون حاضرة في أساس الحوار الوطني القائم على تماسك وتكامل عناصر الوفاق.. باعتبار أن عناصر الوفاق تمثل الذاكرة الجمعية المرتبطة بالسلطة التوافقية الماثلة من جهة، والروافد المُكمّلة للمشهد السياسي في الجنوب وصعدة. وعلى أن يتم الذهاب مباشرة إلى فتح هذه الملفات وطرحها على طاولة واحدة.. وأنا أعتقد أننا بهذا الشكل سننتصر للعتبة التالية من الحكمة اليمانية.. بمعنى آخر، إننا إذا كنا وصلنا إلى هذه النقطة من التوافقية الحكيمة-بغض النظر عن كثير من التفاصيل التي تشوبها-سيكون انتصارنا الأكبر إذا ذهبنا إلى مؤتمر الحوار الوطني على قاعدة وحدة موقف المتوافقين سياسياً من جهة، وعلى قاعدة محاورة مفتوحة مع الحوثيين والحراكيين في الجنوب من جهة أخرى، وعلى قاعدة محاورة شباب الساحات من جهة ثالثة، واعتبار أن الساحات لعبت دوراً حاسماً في مسألة التحول، ولكنها في نفس الوقت قابلة لأن تتحوّل.. أي أن هذه الساحات ليست منطقة مقدسة - مع اعتذاري لاستخدام هذا المفهوم- بل منطقة قابلة لأن تتحوّل بالترافق مع معطيات معينة، وأن تأخذ متوالية جديدة قد تكون سلبية.. ولهذا السبب أقول: أن رسالة الساحات وصلتْ، وأن ما جرى على خط التوافق السياسي هو تُرجمان مؤكد للمطالب المشروعة للشباب، وللمواطنين اليمنيين أينما كانوا، ويمكن للساحات أن تكون مشاركة في إطار الحوار الوطني..

 
> مقاطعاً - قلت أن الساحات منطقة قابلة لأن تتحول وتأخذ متوالية جديدة قد تكون سلبية.. كيف؟ هل تذهب بقولك هذا إلى أن الساحات قد تعود بشكل سياسي آخر .. فيكون الشارع هو الحل دائماً؟

- مما لاجدال فيه بأن شباب الساحات شكلوا الرافعة الكبرى في معادلة التغيير، لكن ما جرى في الساحات استوعب ضمناً وأساساً ما كانت تنادي به وتتمنّاه الشرعية السياسية المُمثّلة في أحزاب اللقاء المشترك، والمكونات التي ترافقت مع أيام المواجهة، وقد كانت الساحات بذاتها روافد مؤكدة لمختلف الألوان السياسية والمجتمعية التوّاقة للتغيير، واستمرار الساحات رهن بتحقيق الأهداف المُعلنة والقابلة للتطبيق، فالمجمتع الألفي الفاضل لا يأتي بين عشية وضحاها. كما أن هذه الأهداف يمكنها أن تتغيّر مداً وجزراً، وفق معطيات الحال، ومن هذه الزاوية بالذات أرى أن تتحصّن الساحات بثقافة الأخلاق الأولى التي جعلت منها ملحمة شعبية ناصعة النقاء، وبعيدة عن فعل من شذوا عن القاعدة، وان تظل مثالا للنظام والقانون، وأن لا يتم تشويهها لأغراض خبيثة، فالبناء العشوائي، وأسواق تصريف المنتجات، أبعد ما تكون عن نُبل الأهداف والمقاصد التي جعلت من الساحات رمزاً عظيماً لثورة الشعب اليمني ضد الظلم والباطل.
أتمنى على شباب الساحات المبادرة بتنقيتها من الشوائب التي تسيء لها، واقصد تحديداً : إزالة ومنع البناء فيها، ومنع التسويق الذي يحيلها إلى «بازارات» رخيصة، ذات أهداف متعارضة مع مقاصدها النبيلة، والشروع في منظومة من أعمال التنظيف الشاملة.. تنطلق منها لتشمل عموم المُدن الكبرى.

 
> ذكرت أن على الجميع التخلي الحر عن ثقافة الاستقطاب غير الحميد.. ما الذي تقصده دكتور؟.. هل لهذا المفهوم صلة بأخطاء التلاقي السياسي بين القوى السياسية، وما يصحب ذلك من استقطابات غرضها عبور جسر زمني معين بهذا التعايش المصلحي المؤقت....؟

- نعم. نعم. هذه واحدة من صور الثقافة السياسية في اليمن - في العالم العربي حصراً -. الاستقطاب غير الحميد ناجم عن الاعتقاد الواهم بأنني امتلك الحقيقة لوحدي، وأرى الخصم أو الآخر باعتباره غير قابل لأن أتحاور معه، أو أنه مجرد جسر عبور لأهداف سياسية غير مُعلنة.. وبما أنه ليس هناك جامع مشترك بيني وبينه، تنشأ نوع من التكتلات التي تؤدي إلى القطيعة، وهذا أمر غير سوي.. لأن هذا الأمر ينتمي إلى ثقافة الماضي من جهة، ويؤدي إلى مزيد من إعادة إنتاج المشاكل والأزمات من جهة أخرى.. وأنا متأكد تماماً، إن فرقاء الساحة، متى ما جلسوا على طاولة واحدة كما نجلس الآن، سيجدون قواسم مشتركة، ولما لا؟

 
> لكن يرى الكثير أن التكتلات القائمة بين المؤتمر وحلفائه والمشترك وشركائه هو من قبيل هذا التكتيك السياسي المصلحي وتحديداً التقاء أقصى اليمين بأقصى اليسار في اللقاء المشترك.. كيف تنظر دكتور لهذه الرؤى؟

- التحالفات السياسية بطبيعتها تتّسم غالباً بالبراغماتية، بل وحتى الميكيافيلّلية، فالسياسة تعريفاً تنتمي لفن الممكن لا المرجو، لكنها إلى ذلك أرقى درجات الشجاعة الأدبية والنقاء الأخلاقي كما كان يقول الشهيد الكبير جار الله عمر الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي ومهندس اللقاء المشترك. في تلك الأيام كنا ندعو دوماً إلى عدم ترك الحزب الاشتراكي اليمني في مهب الريح .. حدث ذلك بعد حرب 1994م الظالمة، ومازلنا ندعو اليوم لعدم ترك المؤتمر الشعبي العام في مهب الريح، لاعتقادي الجازم بأن المؤتمر ساحة واسعة لتعددية مؤكدة، وأن السلطة الخابية هي التي اختطفته من تنظيميته وحزبيته، وفصلته على مقاساتها الخاصة.
أرى أن الحوارات الثنائية والمتعددة بين أحزاب الشرعية القائمة، وتلك التي تكتسب قوة دفعها الخاصة من خارج الشرعية.. أرى أن هذه الحوارات واللقاءات ستجعل الخارطة السياسية اليمنية أكثر منطقية، وأقل ميكافيلّلية، وأتوقع شخصياً أن يبادر المؤتمريون العقلاء إلى تبرئة ذمتهم مما حدث خلال السنوات الماضية، كما رأينا ذلك بالفعل بعد جمعة الكرامة. وما أقوله هنا ليس دعوة لانشقاقات مؤتمرية، بل إعادة قراءة واقعية ومنطقية لتصرفات السلطة التي أفقدت المؤتمر وهجه وقوته. وبالمقابل أرى أن على الاشتراكي أن يُعيد النظر في بعض ثوابته التنظيمية، وصولاً إلى استعادة مجد الفعل الأفقي الوطني الذي كان سمة مُرجحة لمكانة الاشتراكي في المشروع الوطني اليمني.. أما حزب الإصلاح ، فأنا على يقين بأنه يتجدد من داخله، وأنه لا يفتقر للكوادر الرائية المُجرّبة التي تمسك بالخيط الرفيع الذي يفصل ويصل بين الماضي والمستقبل، وقد كانت لتجربة اللقاء المشترك فوائد جمّة لصالح الاشتراكي والإصلاح، وبقية حلفاء المشترك.. اعتقد جازماً إن ما حدث خلال عام الثورة الشعبية السلمية أضاف زخماً كبيراً للعقل السياسي الجمعي اليمني، والمستقبل واعد بالمزيد.

 
التغيير داخل الاحزاب

> من أبرز ملامح التسلطية داخل الأحزاب أن أشخاص على قمة هرم الحزب من عشرين أو ثلاثين سنة ..هل ترى أن هذه المرحلة بداية للتغيير الحقيقي داخل هذه الأحزاب وتجديدها بدماء شابة قادرة على العطاء؟

- ما لا جدال فيه أن الهزّة التي طالت البنية السياسية والمؤسسية من شأنها أن تستطرد على مكونات المجتمع السياسي، فلقد نشأت مفردات جديدة على الأرض، وبدأنا نلج مرحلة حاسمة من الشفافية التي لا تقبل تفصيل الثوب على المقاس كما كنا نفعل دوماً في السُلطة والمعارضة، والناجح هو من يُبادر بالتقاط هذه الحقيقة الموضوعية، ويسارع بتطهير نفسه من الأدران والشوائب. وهذا ينطبق على الجميع. المستقبل لمن يُراجع المألوف والمعروف، لا من يقف عند حد المعلوم المُكرر.

 
الدور الإعلامي .. داخلياً

> في إطار تعزيز القواسم المشتركة التي أشرت إليها.. كيف تقيمون الخطاب الإعلامي اليمني.. على المستويين الرسمي والمستقل؟
- مما لا جدال فيه أن المؤسسات الإعلامية تعيش في ذروة المخاض، وهو مخاض عسير كما يتبدّى للجميع.. وبالتالي فإنالتحول العسير سمة واضحة المعالم في أداء الإعلام.. لأنه مقرون بالحالة المجتمعية الكاملة. علينا أن نعرف أن الإعلام اليمني اليوم يتشظّى أو يتنوع أو يتوزع إلى مستويين.. مستوى الإعلام الرسمي الذي ورث تقاليد في ظل نظام تعددي ظاهراً، وشمولي في جوهره .. نظام انتمى حصراً لما أُسميه بالاتوقراطية الجمهورية التي لا صلة لها بالآداب والممارسات الخاصة بفقه الجمهوريات التاريخية المعروفة. وهنالك إعلام أهلي ينتمي ضمناً إلى ثقافة الاستقطاب أو إلى ثقافة المناوأة العدمية -إن جاز التعبير-.. وبالتالي، هذا هو الموروث القائم في الإعلام اليمني،ولا نستطيع أن نقول أن كل الإعلام يصب في مجرى إعادة انتاج ما كان، من صنمية الإعلام الرسمي، أو تطيُّرات الإعلام الحزبي والأهلي، ولكنه يتلمّس الطريق نحو منطقة وسطى بين هذه وتلك، ولمحت أنا مثل هذه المسألة على وجه التحديد في أداء بعض الفضائيات اليمنية، وأداء بعض الصحف اليمنية، وأتمنّى على الصحف الحزبية وبعض الصحف الأهلية المُجيّرة ضمناً علىالاصطفافات السياسية «الحزبوية»، وليست الحزبية بالمعنى المثالي للكلمة.. أتمنّى عليهم أن يلتحقوا بركب الخطاب المسؤول، والمغادرة الاجرائية لثقافة الرفض العدمي للآخر، والاعتقاد بأن ثمة طرف يمتلك الحقيقة كاملة.جميعنامتشاركون في صُنع الماضي بإيجابياته وسلبياته، وليس من أحدٍ يخلو من العيوب، وهذا ليس تعميم أو حكم قيمة إطلاقي، ولكنه حقيقة موضوعية.. إلا أن مسئولية السلطة دائماً أكبر، لأن السلطة بيدها القرار، وبيدها إمكانية أن تنجز كثير من الأشياء الإيجابية، ولكن حتى المعارضة في أفقٍ ما مسئولة عن ما جرى ويجري حتى الآن.

 
ثقافة الإقصاء

> أمام إنجاز الوفاق السياسي الرشيد والحكيم -كما وصفت سابقاً - كميزة حظيت بها اليمن في ظرف عصيب كهذا .. كيف تنظر إلى مستقبل ثقافة الإقصاء السياسي في المجتمع اليمني؟

- أعتقد أن هنالك جدل خلاّق في المجتمع اليمني، وهذا الجدل الخلاق واضح المعالم، فما نقوله اليوم لم نكن نقوله قبل سنوات، وما كنا نقوله في المرحلة الانتقالية وبعد المرحلة الانتقالية ما كنا لنقوله في ظل نظام الشطرين.. تبعاً لذلك،هنالك اعتمال داخلي يحصل في المجتمع ويأخذ طابع المخاض. لكن هذه المخاضات في المجتمعات البشرية، هي السبيل الموضوعي والجبري للولادة، تماماًكأي قانون طبيعي. وبالتالي، كل ما نراه الآن هو عبارة عن مخاض عسير وحالة من التفاعل الجدلي، وحالة من الحيرة. ولكن هذه المسائل في نهاية المطاف، تصب في مجرى التفتيح لخطاب جديد، لمنطق جديد في المواطنة..التفتيح لرؤية جديدة في الحياة.اليوم نحن نتكلم عن وطن أكبر، ونتكلم عن ذاكرة أشمل، ونُعانقمستويات معرفية وتعليمية ومهنية متعددة ومتنوعة، ونتكلم عن حالة موضوعية عالمية تفاعلية، حيث نستطيع أن نكون رافداً بنّاءً في هذا العالم، ويرانا العالم أيضاً بعدسات مبصرة ودقيقة. كل هذه العوامل لا بد لها أن تؤثر على المجتمع، ولا بد لها أن تعطي أملاً في إمكانية تدوير الملعب السياسي على قاعدة اللعبة الديمقراطية، واللعبة الديمقراطية ليست لعبة مثالية في إطلاقها، ولكنها تنتمي لفن المُمْكن السياسي والعملي، من أجل الخروج من حالة إعادة انتاج ثقافة الماضي .. ثقافة الاحتراب .. ثقافة الالغاء المتبادل.. ثقافة التنافي العدمي، ثقافة القطيعة الابستمولوجية مع الأنا والآخر الإنساني. تلك الثقافة التي رمتنا في مجاهيل «السيكوباتزم» والفصام، على المستويين الشخصي والمجتمعي.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الثانية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
المراقب السياسي والمحلل الاقتصادي المثقف الموسوعي الدكتور عمر عبد العزيز لـ "الثورة اليمنية(2-4)

 
أُطالب الحكومة بتحريم المساعدات الخارجية ومواجهة الحقيقة التنموية بإرادتنا
Ø      هناك نماذج متعددة وبيئات ثقافية ومجتمعية وتاريخية حاضنة للديمقراطيات
Ø      حاجات المجتمع الفعلية تحدد معالم الليبرالية الاقتصادية والتعددية السياسية
Ø      الدولة الاتحادية اليمنية قادمة وهي الكفيلة بإخراجنا من البؤس إلى التقدم
Ø      لن تجد دولة ناجحة في العالم إلا وهي اتحادية ولن تجد دولة فاشلة إلا وهي مركزية
Ø      رفض الخزانة العامة المعمول بها من أيام الانجليز غيب ضبط انسياب المال العام
 
 
صار الأحرى بالجميع الاتجاه صوب العمل، فما وصل إليه اليمنيون من وفاق سياسي شرف وإنجاز كبير لا يقتصر إنجازه على أحد وليس كرامة من طرف سياسي وحده أياً كان داخلياً وخارجياً، بل هو مثابة لكل أطراف النزاع والصراع السياسي التي ارتضت مخرجاً منقذاً لتجنيب اليمن- ليس - من الحرب التي كانت قنائلها قد بدأت بالأشتعال هنا وهناك- بل- ولتجنيب أجيالنا القادمة ثأر الغبن السياسي الذي قد ينشأ عن العنف بين فريقين ولا ينتهي بتشتيت الوطن إلى فرقاء كثر .. في المقابل الواقعي لإنجاز التوافقية والانتخابات الرئاسية والانتقال السلمي للسلطة، من الرئيس السابق إلى الرئيس اللاحق يبقى أمام المرحلة الانتقالية إلى جانب ملفات الصراع في صعدة وفي أبين وملف المصالحة وإهالة النسيان على الماضي السلبي ومعالجة أخطائه حتى لا يبقى أحد متضرراً في مكان ما .. والبدء بتوثيق عرى التواصل بين الأجيال والاستفادة من الماضي الإيجابي والحاضر الجدلي الخلاق في وضع لبنات المستقبل المنشود..
ومع هذا وذاك يبقى الواقع مضرجاً بألوان فاقعة من ثوابت ذهنية معقدة ومنحنيات ثقافية خطيرة ملغومة بقصور في فكر المجتمع متمثلا في عدم الاستيعاب الحقيقي والكامل لمفهوم الديمقراطية ممارسة وفعلاً وقبولاً بالتداول في المراكز القيادية في كل مكان، في الأحزاب في المؤسسات في القبيلة حتى .. لتتراءى الديمقراطية لدى البعض في اليمن - للأسف الشديد- وكأنها درب الحق لكل ما هو ذاتي دون الوقوف عند حدود حريات القوى الأخرى، وهو ما فرض الجدل على العمل، والنفاق السياسي المصلحي على النقد البناء المعالج، عبر خطاب يكرس استمرارية وامتداد الأخطاء والقطيعة بين الأجيال، وصارت هذه معضلة تفت في عضد ومفاصل المجتمع اليمني ككل .. حتى على المستوى المجتمعي والأسري .. دون أن يلتفت الجميع إلى وضع اقتصادي يترنح وتستلب مقدرات مجتمعية وفردية تلاشياً في ضياع الوقت ومتاهات الشعارات التي أضفت الديمقراطية تعددها حد اللامعقول.. في الحلقة الثانية من الحوار المطول مع الدكتور عمر عبدالعزيز .. فتحنا ملف الديمقراطية ، وأفق مستقبل الدولة اليمنية ، وعلاقة ذلك بأكثر الملفات اليمنية تعقيداً وهو الملف الاقتصادي اليمني والجمود التنموي في زمن تخطو اقتصادات العالم بسرعة الضوء:..........  حاوره . محمد محمد إبراهيم
 
من المعروف أن اليمن مشهور بالديمقراطية كممارسة شوروية حضارية .. لكن البعض يرون -رغم ذلك- أن الديمقراطية أسهمت في زيادة تشظي المجتمع اليمني إلى كيانات تتنافر على الدوام.. كيف تنظرون لمثل هذه الرؤى؟

- أعتقد أن الديمقراطية في واقعنا أشبه ما تكون بالحِمية القسرية.. مثل المريض الذي يخرج من حالة مرض، فيدخل في حِمية، فيحصل عنده نوع من ردة الفعل الداخلي، حتى أن جسمه لا يتقبّل هذا الضنى.
 الحقيقة أن فكرة التعددية السياسية طُرَحتْ في الشطر الجنوبي بعد أحداث يناير عام 1986م السيئة النتائج والسمعة، وكان المُبادر بهذه الفكرة من داخل مؤسسة الحُكم الشهيد جار الله عمر -رحمه الله- .. وكانت الفكرة مطروحة على أساس أن هناك مشكلة، وكيف نخرج من هذه المشكلة؟ كان هناك حزب واحد، وهذا الحزب مُسيّج باعتقاد أنه يملك الحقيقة كاملة، وفي المقابل كان هناك وضع مُشابه في الشمال.. وبالتالي جاءت فكرة التعددية السياسية مُتزامنة مع الوحدة اليمنية، وكان على البيئة السياسية أن تتمرّس على هذه الفكرة، ولا بد أن يكون هناك مسار زمني طويل حتى نستطيع أن نُكيّف هذه الفكرة على ثقافة مجتمعية وتاريخية وسياسية مغايرة تماماً.. وبالتالي، من الطبيعي أن تكون هناك عقود من الزمن حتى ندخل في تبيئة هذا المفهوم بالمعنى الثقافي الحقيقي للكلمة، وما زلنا حتى الآن نقول : إن هذه المسألة لا تقدم جواباً ناجزاً ونهائياً، فالديمقراطيات في العالم المعاصر تنطلق من البيئة الثقافية المحددة للبلد المحدد.. وبالتالي ليست هناك ديمقراطية واحدة، وليس هنالك نموذج واحد لديمقراطية واحدة.. فهناك نماذج متعددة وبيئات ثقافية ومجتمعية وتاريخية حاضنة لمثل هذه الديمقراطيات، وهنالك تنوع، وليست الديمقراطية بنموذجها الأكثر انتشاراً هي المعيار المطلق للنجاح، أي أننا إذا ذهبنا -على سبيل المثال- إلى بلد كالصين لا نستطيع أن نتحدث عن ديمقراطية نمطية كالتي نراها في العالم الآخر، ولكننا نشاهد نجاحات باهرة لم تدر في خلد أحد من ذي قبل، وبل وتجاوزت الآداب السياسية والنماذج المفاهيمية البنائية ، وفلسفة النمو المستدام المتعارف عليها أكاديمياً.
وإذا ذهبنا إلى روسيا سنجد أن هنالك مركزية ديمقراطية واضحة المعالم، كتلك التي طالب بها «لينين» ذات يوم بعيد من تاريخ البلشفية السوفيتية .. وسنجد بالمقابل أن هنالك درجة كبيرة من اللزوجة الإسفنجية في الديمقراطية الأمريكية التي راهن عليها « فوكوياما « بوصفها النموذج القادم لمجتمع ألفي لا يخبو ولا يتلاشى!!، لكن أي نموذج لا يعني بالضرورة نجاحاً اقتصادياً أو نجاحاً مجتمعياً.. فالمسألة نسبية. حتى الديمقراطيات في البلدان الإسكندنافية هي ديمقراطيات اشتراكية لم تتخلّ عن الحماية الاجتماعية للفقراء والعجزة والمهاجرين، وما إلى ذلك.

 
مقاطعاً الحديث - هل نفهم أن ذلك التخلّي هو اكتمال للديمقراطية في رأسمالية غير إنسانية؟

- لا .. الديمقراطية المؤنْسنة، هي كالرأسمالية المؤنْسنة، بكل ما في الكلمة من معنى .. بمعنى آخر، أن هذه اللعبة لا بد أن يكون وجودها مقروناً مع نوع من سياسة الحماية الاجتماعية، ونوع من الإشتراكية الداخلية، ونوع أيضاً من نزع بذور الوحشية من الديمقراطية المقرونة بالرأسمالية، لأن الرأسمالية ليست واحدة، فهنالك رأسمالية متوحشة كرأسمالية القرن الثامن عشر والتاسع عشر التي لها ظلال كئيبة في العالم العربي، وهنالك رأسمالية تأنْسنت إلى حد كبير، وألغت الاحتكار، وفتحت الملعب للاستثمارات الحرة للأقاليم المختلفة ، ولأفراد المجتمع، وخلقت أنظمة مُشجّعة للوحدات الصغيرة العضوية التي تستطيع أن تقوم بأعمال خدماتية واقتصادية لصالح المجتمع، وجعلت فكرة النمو مقرونة بالانتعاش العام للمجتمع، وليس بتراكم رأس المال بيد فئة محدودة من الناس، مما لا نراه إلا في العالم العربي، الذي يدّعي أنه ليبرالي، أو يدّعي أنه رأسمالي، أو يدّعي أنه يمشي على هذا الخط.
حاجات المجتمع الفعلية والحقيقية هي التي تحدد معالم الليبرالية الاقتصادية، وهي التي تحدد معنى التعددية السياسية، لأنه إذا تحولت التعددية السياسية إلى جدل عقيم لا علاقة له بحاجة المجتمع أو إذا تحولت إلى نوع من الاستقطابات القبائلية ذات الصلة بالعصبية المقيتة.. في هذه الحالة سنقع في مفارقة توظيف الموديل أو النموذج العالمي على بيئة غير مؤهلة لذلك، كما فعلنا مع التجربتين اليسارية والقومية.

 
تعني بذلك تهجيناً سياسياً ثقافياً؟

- نعم هذا هو التشخيص.. وبالتالي وجدنا أنفسنا في خيبات متوالية.. وهذا الكلام نفسه ينطبق على تيار الإسلام السياسي في العالم العربي الذي هو الآن عند عتبة إطلالة لحضور كبير في كثير من الدول العربية، وأرى أن على هذا المد أن يستعيد دراسة الخيبات التي ترافقت مع مشاريع الفكرين القومي واليساري، بالترافق مع تجارب» جمهوريات الموز « العربية الاوليغاركية النتنة.

 
حتى لا يكرر التيار الإسلامي السياسي نفس الإنتاج التقليدي للتيارات المهجنة بالبيئة العربية اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ما الذي يجب عليهم في إطار الإطلالة المشار إليها؟

- مع هذه الاطلالة على التيار الإخواني أن يتساءل أولاً، ولا بد أيضاً أن يعتمد فلسفة المراجعة، وليس الاستدعاء للماضي- فقط-. ويعتمد أيضاً فلسفة استقراء ما كان في العالم العربي، خلال العقود الماضية منذ خروج ما يسمى بالاستعمارات في عدد من الدول العربية، أو سقوط بعض الملكيات من جراء ما سميت بالثورات. مراجعة هذه التجارب كلها مسألة حتمية لتنقية المستقبل السياسي من الأخطاء التي حدثت في المراحل الماضية.
 
الملف الاقتصادي

دكتور عمر أشرت إلى بعض أشكال الرأسمالية.. ففي ضوء المعضلة التنموية والاستثمارية في اليمن .. برأيك أي نوع من الرأس مالية تُرجمَتْ في اليمن خلال الفترة الوحدوية.. فلماذا فشلت؟ وما الرأسمالية المناسبة للمعالجات المستقبلية؟

- لم يكن لدينا نظام رأسمالي بالمفهوم العصري للكلمة، بل كانت لدينا منظومة متوحشة انتقائية لا تعرف من النموذج الرأسمالي إلا اسمه، ومن الليبرالية الاقتصادية إلا عنوانها، وهذه المنظومة عاثت فساداً في الأرض، فخلقت اقتصاداً استهلا


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي