لعنة حرب غزة تطارد اليهود حول العالم.. أزمة هوية وخوف من المستقبل

وكالات - الأمة برس
2023-11-12

عائلة يهودية من الحريديم، يعدّ الحريديم الجماعة اليهودية الأكثر نمواً، نظراً لندرة الزواج المختلط وارتفاع معدل المواليد (ويكيبيديا)يبدي يهود في عدد من العواصم الغربية، مخاوفهم من التعرض لاعتداءات في ظل الحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس، في وقت تسجّل السلطات المحلية تزايدا في الحوادث المرتبطة بـ"معاداة السامية".

ومع دخول العدوان الإسرائيلي الشهر الثاني، سلطت وسائل الإعلام العبرية، الضوء على تداعياته على الجاليات اليهودية حول العالم، حيث أجمعت أن حرب غزة تلاحق اليهود والإسرائيليين عالميا، خصوصا مع تراجع الشرعية الدولية لهذه الحرب والضغوطات التي تمارس على الحكومة الإسرائيلية لوقفها.

ووفق تقارير عبرية، فقد تم تسجيل شكاوى متصاعدة من "لعنة حرب غزة"، وسط الجاليات اليهودية حول العالم.

وإذ تتوسع دائرة المظاهرات والاحتجاجات ضد إسرائيل ونصرةً لغزة، اكتشف الإسرائيليون الذين يعيشون في أوروبا أن الحرب هزت حياتهم أيضا، في ظل ارتفاع حوادث العداء لليهود، بحسب تقرير لصحيفة "ذا ماركر" العبرية.

وقرب ساحة الاحتفالات في الدائرة التاسعة عشرة بباريس، حيث تقيم جالية يهودية كبيرة، لاحظ جاك إسحق أزروال (67 عاما) الذي يملك محل جزارة "تراجع عدد الزبائن" منذ بدء الحرب، مؤكدا أن "الناس يخشون الخروج للتسوق"

وتحدّثت زبونة فضّلت عدم كشف اسمها، وتعمل في عيادة لطب العيون: عن "الخوف من الخروج"، وقالت: "نخاف من أن يقدموا أنفسهم كمرضى، ويطلقوا النار علينا ويقتلوننا".

وما زالت الجالية اليهودية تعاني صدمة بسبب هجمات عام 2015 في العاصمة الفرنسية باريس (أربعة قتلى في متجر استهلاكي) وعام 2012 في تولوز (أربعة قتلى أمام مدرسة يهودية).

بدوره، أكّد لوران تشيتشا: "نحن نتعرض لضغوط، ونطلب من الأطفال أن يكونوا حذرين وأن يعودوا إلى المنزل مبكرا".

ومنذ بدء الحرب، سجِّل مئات الأحداث في فرنسا، من بينها هجمات على أشخاص وإهانات وتهديدات.

وحسب استطلاع للرأي، يخشى 82 في المئة من الفرنسيين أن تكون للصراع الإسرائيلي الفلسطيني انعكاسات في بلادهم.

وفي لندن، أكّد ريمند سيمونسن مدير المركز الثقافي "جيه دبليو 3" اليهودي: "الناس خائفون، والأعمال (المعادية للسامية) تصل إلى مستويات قياسية".

وأضاف: "ضاعفنا الفرق الأمنية.. ازداد عدد زيارات الشرطة أربع مرات خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. عزز كل كنيس وكل مبنى يهودي تدابيره الأمنية".

ورغم تعزيز الإجراءات الأمنية، سُجِّل أكثر من 400 عمل معاد للسامية هذا الشهر في لندن، مقارنة بـ28 خلال الفترة نفسها من العام الماضي، حسب الشرطة.

كما ازدادت الأعمال المعادية للإسلام من 65 إلى 174 خلال الفترة نفسها، في دليل على التوترات الراهنة.

وروى سيمونسن، أن اليهود البريطانيين ما زالوا "مصابين بالصدمة ومنهكين.. يمضون وقتا كبيرا كل يوم في الاتصال بأصدقائهم وأفراد عائلاتهم في إسرائيل ومتابعة آخر الأخبار".

وفي حي ستامفورد هيل، حيث توجد كنس يهودية ومسجد في الشارع نفسه، مدّدت مجموعة الأمن المحلية “شومريم” (الحراس بالعبرية) ساعات دورياتها.

وأقرّ رئيس شومريم الحاخام هيرشل غلاك: "الناس أصبحوا حساسين أكثر ويشعرون بأنهم أكثر عرضة للخطر" الآن، خصوصا أن العديد منهم يتحدرون من ضحايا المحرقة اليهودية.

وفي إسبانيا، قال رئيس اتحاد الجاليات اليهودية إسحق بنزاكين، خلال مؤتمر صحفي: "الشعور الذي يخالجنا (…) لن أقول إنه خوف، لأنه ليس هناك خوف، لكنه قلق".

يشار إلى أن عدد الجالية اليهودية الإسبانية يبلغ حوالى 45 ألف شخص.

أما في ألمانيا، فصرحت رئيسة الجالية الإسرائيلية لميونخ وبافاريا العليا شارلوته كنوبلوخ، بأن اليهود يعيشون في خوف متزايد.
وقالت لصحيفة "تاغس شبيجل": "لا يمكنني تذكر أنني اضطررت لمواجهة مثل هذه العقدة من الخوف بين يهوديات ويهود بألمانيا كالتي نواجهها اليوم".

وأضافت كنوبلوخ، وهي ناجية من محرقة اليهود، أن اليهود يشعرون بمخاوف كبيرة على نحو غير مسبوق، وقالت: "بل ويفكر البعض في مغادرة البلاد".

وتابعت أن اليهود شعروا بالأمان في ألمانيا لفترة طويلة، ولكن الآن يشعرون فقط بأنه "لم يعد هناك أمان هنا كما كان من قبل".

وأشارت إلى أنه منذ أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي تآكلت ثقة اليهود في أن يتم حمايتهم من جانب قوات الأمن الألمانية.

كما أنه ليس بعيدا، اقتحام المئات من المواطنين في داغستان الروسية، الواقعة في منطقة القوقاز، مبنى مطار "محج قلعة" في العاصمة، وذلك بعد ورود أنباء ومعلومات تفيد بهبوط طائرة قادمة من تل أبيب تقل مواطنين إسرائيليين.

نجمة داوود (ويكيبيديا)

ووثقت مقاطع فيديو لحظات اقتحام العديد من المحتجين الغاضبين من هذه الأنباء، بينما أخذوا يتنقلون من طائرة إلى أخرى بحثا عن "اليهود" و"الإسرائيليين".

وكطالبة يهودية، شعرت إيدن روث دائما بالأمان والترحيب في جامعة تولين في ولاية لويزيانا الأمريكية، حيث أكثر من 40% من الطلاب هم من اليهود، لكن تمت إعادة النظر في كل شيء في أعقاب الهجوم المفاجئ الذي شنته حماس على "غلاف غزة" والحرب الإسرائيلية على غزة، بحسب ما نقلت عنها صحيفة "يديعوت أحرونوت".
وتعتقد روث، التي كانت في إسرائيل الصيف الماضي للمشاركة في برنامج دراسي، أن "التغيير في تجربة اليهود في الحرم الجامعي كان صادما للغاية. يأتي العديد من الطلاب إلى تولين بسبب السكان اليهود، ويشعرون بأنهم مدعومون، كونهم أغلبية لا أقلية. أعتقد أن هذا قد تغير بالتأكيد، بتنا نخشى حتى التحدث بالعبرية".

وفي مؤشر آخر على لعنة الحرب، التي تلاحق اليهود في أمريكا، ظهرت كتابات على الجدران في حرم جامعة "نيو أورليانز" تحمل رسالة "من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر"، وهو هتاف شائع في المظاهرات التي ينظمها النشطاء المؤيدون للفلسطينيين والمناهضين للحرب الإسرائيلية على غزة.

فيما قال رئيس الجالية اليهودية في مونتريال الكندية يائير شلاك: "تم إطلاق النار على مدرستين يهوديتين مؤخرا، نواجه الآن واقعا مختلفا، الجالية اليهودية، بسبب الحرب على غزة، تتعرض للهجوم، ومعاداة السامية ليست مشكلة يمكن لليهود حلها. هناك مظاهرات مناهضة وضد الحرب في كل مكان".

وأضاف شلاك، إنها "أوقات صعبة بالنسبة لليهود في جميع أنحاء العالم، لقد غمرتنا الشكايات من الطلاب وأولياء الأمور في أوروبا وكندا بشأن الملاحقة لليهود والمظاهرات والاحتجاجات ضد الحرب الإسرائيلية على غزة، لا يمكننا حل مشكلة معاداة السامية، لا يمكننا تحمل ذلك، لقد طفح الكيل".

وأمام كل ذلك، وهربا من "لعنة الحرب على غزة" ولتجنب تداعيات الحرب التي تلاحق اليهود، فقد اختار بعض اليهود في القارة الأوروبية تغيير أسمائهم في تطبيق "أوبر"، ومنهم من يخشى تثبيت "المزوزاه" وهي تميمة الباب التي تعرف بـ"العضادة اليهودية".

كما أن بعضهم يُخفون الرموز الدينية اليهودية والإسرائيلية ويخشون حتى الحديث باللغة العبرية.


في هذا السياق، يشعر الإسرائيليون في المدن الأوروبية التي تشهد مظاهرات واحتجاجات، أن العديد من التصورات قد تحطمت، بحسب ديكلا كوهين التي تعيش في لندن منذ 7 سنوات، وتقول "هذه هي المرة الأولى منذ أن انتقلت إلى هنا، التي أسأل نفسي فيها عما أفعله هنا، إن الشعور بالانتماء والاستقرار في لندن تزعزع".

وأضاف كوهين "إنها أزمة هوية لمن اعتقد أنه كإسرائيلي يسكن في أوروبا ويدأب على تعزيز الهوية اليهودية.. الكثير من الإسرائيليين الذين يعيشون في الخارج ويعتبرون أنفسهم مواطنين في العالم، يكتشفون الآن أنه ليس من السهل قطع هويتهم اليهودية وأصلهم الإسرائيلي".

من وجهة نظر اليهود الأمريكيين، حسب تقرير لصحيفة "هآرتس"، عادت إسرائيل إلى المكانة التي كانت عليها في الماضي، إذ يُنظر إليها كطفل صغير تابع ومرتبط ومتكل على الآخر، ولا تبدي القيادات اليهودية تفاؤلها بشأن مستقبل إسرائيل ما بعد الحرب.

وفي رده على سؤال عما سيحدث بعد الحرب؟، يقول البروفيسور ديريك بنسلر المختص في التاريخ اليهودي الحديث: "أنا غير متفائل على الإطلاق، بعد 75 عاما على حرب الاستقلال لم يكن من الممكن أن تكون الظروف أكثر اختلافا، لكن يهود الولايات المتحدة يشعرون مرة أخرى أن مصير دولة إسرائيل يعتمد على عمق جيوبهم وسخاء قلوبهم".

ويعترف بنسلر أن الحملات الأخيرة والتعبئة الكبيرة لليهود الأمريكيين إلى جانب إسرائيل في الأسابيع الأخيرة، قد سببت للجالية اليهودية قدرا كبيرا من الانزعاج والملاحقة، وسط مظاهرات داعمة للفلسطينيين ومناهضة لإسرائيل ومنددة بالحرب.

وفي ظل اتساع دائرة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يضيف بنسلر: "نشهد بشكل رئيسي ظاهرة مثيرة للقلق تتمثل في خيبة الأمل من إسرائيل وانتقادها والابتعاد عنها خاصة بين جيل الشباب، إن استمرار احتلال الأراضي العربية وعدم تسوية الصراع مع الفلسطينيين، والتطرف الديني، والتعديلات القضائية، كل ذلك أدى إلى تفاقم وتعميق الفجوة بين إسرائيل واليهود بأمريكا".

وردا على سؤال إذا ما كان هناك أيضا قلق حقيقي لدى الجاليات اليهودية بشأن استمرار وجود دولة إسرائيل، يجيب البروفيسور قائلا: "أعتقد أننا نشهد بشكل أساسي شعورا قويا جدا بالذعر. ومع ذلك، لا أعتقد أن هناك قلقا حقيقيا هنا بشأن استمرار وجود دولة إسرائيل، ولكن هناك شعور بالعودة إلى أيام إسرائيل كدولة هشة وضعيفة كما كانت قبل حرب الأيام الستة".









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي