نيويورك تايمز: حرب جواسيس خطرة بين بكين وواشنطن.. ذكاء صناعي وعمليات سرية في بروكسل وسنغافورة وأبو ظبي  

2023-09-17

 

يُعتبر التجسس وسيلة لمنع النزاعات أو يسهل التفاوض الحساس، لكنه قد يزيد من انزلاق الدول نحو النزاع  ويتسبب بخلافات دبلوماسية (أ ف ب)نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده جوليان إي بارنز، وإدوارد وونغ، قالا فيه إن الولايات المتحدة والصين تخوضان حرب تجسس دولية سرية محفوفة بالمخاطر، هدفها الحصول على الأسرار.

وجاء في التقرير، أن البلدين اتخذا خطوات جريئة في حرب ظل تجسسية من أجل جمع المعلومات عن تفكير القيادات والقدرات العسكرية. فمع انحراف المنطاد الصيني باتجاه المجال القاري للولايات المتحدة في شباط/ فبراير، رصدت وكالات الاستخبارات الأمريكية إشارات عن غضب الرئيس الصيني شي جين بينغ من القيادات العسكرية.

ولم يعارض شي العملية التجسسية المحفوفة بالمخاطر ضد الولايات المتحدة، لكن المخابرات الأمريكية استنتجت أن الجيش الصيني، ضلل شي حتى وصل المنطاد إلى أمريكا. ورفض المسؤولون الأمريكيون مناقشة الكيفية التي حصلت فيها الوكالات الاستخباراتية على هذه المعلومات.

لكن ما حصلت عليه الصحيفة من معلومات تنشرها للمرة الأولى، فعندما علم شي عن مسار المنطاد، وعرف أنه سيُفشل لقاءه مع وزير الخارجية أنطوني بلينكن، وبّخ جنرالاته لعدم إخباره أن المنطاد انحرف عن مساره، وذلك بحسب مسؤولين أمريكيين اطّلعوا على إفادات.

وكشفت الحادثة عن المنافسة السرية التجسسية والمتوسعة بين الولايات المتحدة والصين. وتظل قصة المنطاد جزءا صغيرا من جهد تجسسي صيني، وتعكس جرأة بكين لجمع المعلومات عن الولايات المتحدة، وكذا قدرات واشنطن المتزايدة لجمع المعلومات عن الصين.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فالجهود التجسسية هي جزء حيوي من استراتيجية جو بايدن لتقييد صعود القوة العسكرية والتكنولوجية الصينية، وهي استراتيجية متوافقة مع تفكيره بأن الصين تمثل تهديدا بعيد المدى للقوة الأمريكية.

وفي حالة الصين، فجرأة الاستخبارات الصينية تدفعها رغبة من الرئيس شي الذي يقود جهودا عسكرية قاسية على طول حدود بلاده، ودفع مخابراته الخارجية لزيادة نشاطاتها في مناطق بعيدة.

 وتهدف الجهود التجسسية التي يقوم بها البلدان للإجابة على سؤالين صعبين: “ما هي نوايا قيادات الدولة المنافسة؟ وما هي القدرات التكنولوجية والعسكرية الواقعة تحت سيطرتها؟”.

وقال مسؤولون أمريكيون تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، إن تركيز المخابرات الأمريكية هو على الرئيس الصيني وتفكيره ونواياه، خاصة فيما يتعلق بتايوان.

وكثّف مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) جهوده لملاحقة الجهود الصينية في تدريب العملاء داخل الولايات المتحدة. وحددت وكالات الولايات المتحدة عمليات اختراق من مواطنين صينيين لقواعد عسكرية على التراب الأمريكي، خلال الـ12 شهرا الماضية.

ويخوض البلدان سباقا مع الزمن لتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، حيث يعتقد كل منهما أن ذلك حيوي للحفاظ على التفوق النوعي العسكري والاقتصادي، ويمنح وكالاتهما الاستخباراتية قدرات جديدة. ويقول المسؤولون الأمريكيون إن جهود الصين تمس كل ملامح الأمن الوطني والدبلوماسي والتكنولوجيا التجارية المتقدمة في الولايات المتحدة والدول الشريكة.

وأنشأت وكالة الاستخبارات العسكرية في البنتاغون مراكز جديدة تركز جهودها للتجسس على الصين، وحسّن المسؤولون من قدراتهم للتنصت على التواصل الإلكتروني بما فيه استخدام طائرات التجسس على شاطئ الصين. ويقول كريستوفر ري، مدير “أف بي آي” إن النزاع التجسسي مع الصين هو أوسع من ذلك الذي خاضته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي في فترة الحرب الباردة.

فعدد سكان الصين وقدرتها الاقتصادية تعطيها القدرة على بناء خدماتها  الاستخباراتية أكثر من أمريكا. وقال: “في الحقيقة، ومقارنة مع الجمهورية الشعبية الصينية، فإننا غير قادرين، ولكن مسؤوليتنا هي حماية الشعب الأمريكي هنا في الوطن، أنظر لهذا على أنه تحد لجيلنا”.

وتنظر الصين للأمر بطريقة مختلفة، فالمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ وينبن يقول إن “الولايات المتحدة هي الدولة الأولى في مجال الرقابة ولديها شبكة تجسس واسعة حول العالم”.

ويُعتبر التجسس وسيلة لمنع النزاعات أو يسهل التفاوض الحساس، لكنه قد يزيد من انزلاق الدول نحو النزاع ويتسبب بخلافات دبلوماسية. ففي شباط/ فبراير، وبعد إلغائه زيارة لبكين بسبب المنطاد، واجه بلينكن أكبرَ دبلوماسي صيني بمعلومات استخباراتية تكشف عن خطط صينية لتزويد روسيا بالسلاح. وزاد الكشف من حدة التوتر، لكنه ربما منع الصين من إرسال السلاح لموسكو، كما يقول المسؤولون الأمريكيون.

وعندما زار بلينكن الصين في حزيران/ يونيو، فتح موضوع النشاطات الصينية في كوبا. ويعلق المسؤولون الأمريكيون أن قدرات الصين الاستطلاعية وتدخّلها الإلكتروني هما أقوى سلاح لديها لجمع المعلومات. وسمح أسطول المناطيد التجسسية، مع أنها ليست متفوقة، لبكين باستغلال محاور غير خاضعة للتنظيم من “الفضاء القريب”، حيث حذرت الولايات المتحدة حلفاءها من قدرات الرقابة الإلكترونية لدى الصين، والتي قد تتوسع لو استخدمت دول العالم تكنولوجيا الاتصالات التي تنتجها الشركات الصينية.

يأمل المسؤولون الصينيون أن الذكاء الصناعي سيساعدهم على مواجهة القوة العسكرية الأمريكية، بما في ذلك تحديد الغواصات والهيمنة على الفضاء

وتحوّل الذكاء الصناعي لساحة حرب تعتقد الولايات المتحدة أنها قادرة على تجاوز الصين فيها من ناحية الأرقام. فيما يأمل المسؤولون الصينيون أنه سيساعدهم على مواجهة القوة العسكرية الأمريكية، بما في ذلك تحديد الغواصات الأمريكية والهيمنة على الفضاء.

ويخشى المسؤولون الأمريكيون من جهود الصين لجمع المعلومات على مستويات شخصية، ويقولون إن وزارة أمن الدولة الصينية تهدف لزرع أو تجنيد أرصدة لها في الحكومة الأمريكية، وكذا الشركات والصناعات الدفاعية.

ويستخدم الصينيون منصات التواصل الاجتماعي خاصة “لينكد إن” لجذب مجندين محتملين. ففي كل مرة يقوم فيها مواطن أمريكي بالكشف عن وظيفة أمنية، فهم يتوقعون سيلا من الاتصالات من مواطنين صينيين والإعلام المحلي، بحسب المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين.

وردّت المخابرات الأمريكية على التهديد من خلال فتح وتوسيع عمليات التجسس الداخلية. وتركز التحقيقات على محاولات الصينيين تجنيد مخبرين أو سرقة معلومات أو تخريب الأنظمة، ومراقبة والتحرش بالمعارضين الصينيين في الولايات المتحدة، واستخدام ما يطلق عليها “نقاط الشرطة”.

ويقول مدير مكتب التحقيقت الفدرالي: “يلاحقون كل شيء. وما يجعل جهاز الجمهورية الشعبية الصينية خبيثا جدا، هو الطريقة التي يستخدم فيها كل وسيلة متاحة له ضدنا، والجمع بين السايبر والمخبرين والعقود التجارية والاستثمار لتحقيق ما يريد”.

إلا أن بعض النقاد يجادلون بأن جهود الحكومة الأمريكية في مقاومة الاستخبارات الصينية قد تكون عنصرية ومصابة بالخوف، تصل إلى حد التخويف من الخطر الأحمر، وهي حقيقة مدعومة بإلغاء وزارة العدل عددا من الحالات التي تعود إلى فترة ترامب وبرنامج المبادرة الصينية.

وأنشأت الحكومات المنافسة مواقع تنصت واتفاقيات مشاركة بالاستخبارات مع حكومات أخرى. وزاد العملاء الأمريكيون والصينيون من عملياتهم ضد بعضهم البعض، وفي مدن مهمة من بروكسل إلى أبو ظبي وسنغافورة، حيث يحاول كل طرف التأثير على المسؤولين الأجانب وتجنيد أرصدة.

وبالنسبة للمخابرات الأمريكية، فنوايا وأهداف الرئيس شي، هي الأهم لكنه يظل مراوغا. ويركز مسؤولو الاستخبارات على وزير الدفاع الصيني الجنرال لي شانغفو، وسبب فتح تحقيق ضده بتهم الفساد. وكذا سبب إطاحة شي بوزير خارجيته كين غانغ، ذلك أن الدبلوماسية والسياسة الأمريكية تعتمد على الدوافع وراء هذا.

وتم القضاء على شبكات التجسس الأمريكية في الصين قبل عقد، وذلك بعد الكشف عن هوية العملاء الأمريكيين، نتيجة لجهود مكافحة التجسس الصينية. ولم تستطع الاستخبارات الأمريكية إعادة بناء شبكاتها، كما لم يستطع العملاء السفر بحرية للصين لمقابلة العملاء نتيجة شبكة الرقابة الهائلة التي أقامتها بكين.

وتملك الصين برمجية ذكاء صناعي قادرة على الكشف عن ملامح الجاسوس الأمريكي، مما يعني أن طرق التخفي التقليدية ليست كافية لتجنب الاكتشاف. ويقضي العملاء الأمريكيون أياما وليس ساعات لتجنب أي ملاحقة صينية لهم قبل مقابلتهم المخبرين. ويقيّد شي والقادة الديكتاتوريون استخدامهم للأجهزة الإلكترونية بدرجة تحدّ من قدرة الاستخبارات الغربية في التنصت على محادثاتهم. ولكن البيروقراطية الواسعة تحت شي تستخدم التواصل الإلكتروني مما يعطي المخبرين الأمريكيين فرصة للتنصت.

وفي ظل ويليام بيرنز، استعانت “سي آي إيه” بالمزيد من خبراء الصين، وأقامت مركز مهمة لها داخل الصين. وأشار بيرنز في تموز/ يوليو إلى التقدم في إعادة بناء “قدرات بشرية استخباراتية قوية”. ويعتقد المسؤولون الاستخباراتيون الأمريكيون، أن طريقة الرئيس شي المستبدة والمتحكمة، تمنحهم فرصة لتجنيد الساخطين على النظام، بمن فيهم ساسة ورجال أعمال استفادوا سابقا في ظل حكام أقل سلطوية من شي.

ويعبّر عدد من أعضاء النخبة بمن فيهم رموز الحزب الشيوعي عن عدم رضاهم من المسار الذي اتخذته الصين. وزادت بكين من جهودها في قراءة التفكير الأمريكي. وبحسب حالات لوزارة العدل، فإن رجال أعمال مرتبطين بالحكومة حاولوا تجنيد جيمس وولسي، مدير “سي آي إيه” السابق والذي كان مرشحا لمنصب مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب عام 2016. وحصلت الصين في عملية أخيرة استهدفت منصة سحابية تابعة لمايكرسوفت، على عناوين إلكترونية لمسؤولين بارزين في الخارجية الأمريكية، وعناوين سفير واشنطن في بكين، ووزيرة التجارة جينا ريموندو.

 ويتجنب المسؤولون الأمريكيون الزائرون للصين استخدام أجهزتهم النقالة، وتعطى لهم أجهزة كمبيوتر يمكن التخلي عنها، وهواتف نقالة بديلة. وأهم ملمح في الحرب التجسسية بين البلدين، هو قراءة القدرات العسكرية لكل منهما، خاصة النقطة الساخنة في العلاقات، تايوان. فقد أخبر شي قادته العسكريين بالتحضير للسيطرة على الجزيرة شبه المستقلة، واستعادتها بحلول 2027.

وليس لدى المخابرات الأمريكية أدلة قوية حول رغبة شي في الإعلان عن غزو للجزيرة. وفي غياب المعلومات القوية حول تايوان، يركز الجواسيس الأمريكيون والصينيون للتجسس على القدرات العسكرية لكلا البلدين.

وزادت الولايات المتحدة من الرقابة العسكرية الجوية للقواعد الصينية. واستطاع الجواسيس الصينيون اختراق مفاصل الحكومة في تايوان ويحاولون معرفة القدرات العسكرية التي تقدمها واشنطن للجيش والتدريبات السرية للجنود التايوانيين. ويبحث الجواسيس الصينيون عن معلومات تتعلق بترتيبات الولايات المتحدة مع حلفائها في آسيا.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي