ميدل إيست آي: لماذا أخطأ الغرب في حساباته بتركيا وكيف تحولت المعارضة إلى الحزب "القبيح"؟

2023-05-25

يعتقد الكاتب أن موقف الغرب المؤيد للرئيس الجديد، حال فوز المعارضة سيعقّد من مهمة التفاوض مع الروس والإيرانيين والأسد أكثر من الوضع الحالي (أ ف ب)

تساءل رئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” في لندن، ديفيد هيرست عن الخطأ الذي دفع الغرب إلى الاعتقاد بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتهى وأعلن عن نهاية حقبته. وقال إن المفكرين الليبراليين في الغرب غضوا الطرف عن قوة الديمقراطية التركية لأنها لم تحقق النتائج التي أرادوها.

وقال إن أداء الرئيس التركي في الجولة الأولى صدمت المعارضة، بحيث لم تستفق منها إلا بعد أربعة أيام، وكان التشتت واضحا إلى درجة أن المرشح الرئاسي اضطر إلى إصدار فيديو ليؤكد أنه لا يزال موجودا. وقال وهو يضرب بقبضته على الطاولة “أنا هنا”. وعندما أعادت المعارضة حملتها من جديد، ظهر مرشح مختلف تماما، فقد اختفى الجواب التركي لغاندي الذي بدأ حملته الانتخابية من مطبخ بيته المتواضع. واختفى المرشح الداعي إلى لم شمل الجميع والتوافق عبر التفاوض والذي سيقود تركيا إلى عصر ما بعد الديكتاتورية، وخرجت من النافذة كل رموز الإيموجي على شكل قلب. ودخل مجال القومية الرخيصة لكي يمسك بالسلطة على حساب أضعف فئة في البلاد: 3.6 مليون لاجئ سوري، وليس هم فقط، ولكن 10 ملايين أيضا سيجلبهم أردوغان لو فاز بالانتخابات مرة ثالثة.

وقال مسؤول معارض للموقع “هذا هو اختيار بسيط بين قليجدار وأردوغان، والسمة الرئيسية فيه هي التخويف، وسنذكر الجميع ماذا ستكون السنوات الخمس المقبلة لو أعيد انتخابه”، حيث كان المعارض صريحا جدا وواضحا. ولم يكد يكمل كلامه حتى خرجت الملصقات التي حملت عبارات “سوريلر جي- دي تشيك” “سيذهب السوريون، قرر!”.

وعلينا أن نكون واضحين، موضوع السوريين في تركيا ليس أمرا بسيطا، فتركيا استقبلت أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم، 3.6 مليون سوري إلى جانب 320.000 “شخص محل اهتمام” من جنسيات أخرى. ففي الوقت الذي زادت فيه نبرة العداء للسوريين حول البلاد وبخاصة بعد الهزات الأرضية المدمرة، فإن مهمة أي زعيم قادم، علاوة على كونه يتبجح بالليبرالية هي تخفيف حدة الخطاب لا التحريض عليه.

وبنهاية العام الماضي، عاد نحو 530.000 سوري إلى بلادهم من تركيا، ولكن كما أشار الموقع في تقرير من إدلب، شمال- غرب سوريا فهم لا يستطيعون العودة إلى أي مكان، فالرئيس بشار الأسد لا يفرش البساط الأحمر لهم. وبالنظر إلى خطاب قليجدار المعادي للسوريين، من إدلب، فإنه يبدو سيئا جدا، فأي قرار من تركيا بسحب قواتها أو تغيير الموقف، يعني تدفقا هائلا للاجئين نحو الحدود التركية، كما حدث في الماضي وبمنطقة شمال العراق في عهد صدام حسين.

ويعتقد الكاتب أن موقف الغرب المؤيد للرئيس الجديد، حال فوز المعارضة سيعقّد من مهمة التفاوض مع الروس والإيرانيين والأسد أكثر من الوضع الحالي. فميزان القوة في شمال سوريا حقل ألغام قد ينفجر بتداعيات دولية. وشخص يتحدث بصخب من دون معرفة بالوضع ويتقرب إلى الشعبويين، هو آخر ما تريده رئيسا في ظل هذه الأوضاع.

ووعد أردوغان بإعادة اللاجئين لكنه لم يحدد جدولا زمنيا للقيام بهذا، حيث قال “الحقيقة المعروفة هي أن اللاجئين وطالبي اللجوء وغيرهم عادوا إلى مهاجعهم لكي نبدأ بإسكانهم مساكن بسوريا، ولدينا خطة إعادة مليون لاجئ، وبالطبع سيحدث هذا مع مرور الوقت”.

وفي هذا الوضع، بمن أثق؟ شخص يستخدم التخويف كسلاح في حملته أو رجل يقول بقوة إن الترحيل غير إسلامي؟ وبالطبع سأثق وبقوة بالإسلامي.

ويعلق هيرست أن حملة قليجدار ليست مجرد خطاب بلاغي، فتحميل الضحية مسؤولية الكارثة التي خلقتهم هو ملمح واضح في منطق القوميين.

ففي منطقة تيكرداغ، وهو مجلس يسيطر عليه حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعمه قليجدار، قرر المسؤولون طرد الضحايا من الفنادق في بلدة كومباغ. وكان هؤلاء هم الناجون في أسوأ المناطق التي أصيبت بالزلازل، أي كهرمان مرعش وهاتاي. ونُشرت ملصقات تخبرهم بضرورة المغادرة بحلول الأحد. ووسط الغضب من الناجين جرى تأخير الطرد إلى الأول من حزيران/يونيو. ولام المجلس الحكومة زاعما أن الأموال المخصصة للمنطقة بعد الزلازل قد نفدت.

ولعل هناك دافعا آخر وراء الطرد يكمن في أن المنطقة صوتت وبالأغلبية، لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان. وقرارات كهذه تسخر من شعارات لم شمل الجميع التي يتشدق بها قليجدار أو حاول دفنها، فالحملة التي يقودها الآن لا تحاول إخفاء القبح القومي. ومن هنا فقرار قليجدار تحويل تحالف قوس قزح إلى الحزب الشرير لن يكون بدون تداعيات على المعارضة. فأولا، لن يكون قليجدار قادرا على تقديم نفسه بالليبرالي الذي يريد تحقيق أجندة دمقرطة ويعيد السلطة إلى البرلمان وحقوق الإنسان إلى البلد. ولم تعد حملته تقوم على حقوق الإنسان، بل التنقيب عن لوم الضعفاء والفقراء. وثانيا، العودة إلى العنصر القومي في حملته والحفاظ في الوقت نفسه على ائتلاف الشعب ومحاولة الحصول على مزيد من أصوات الأكراد، وهو هدف بعيد المنال، وتناقض لن يمر على الأكراد. وثالثا، ضرْب قبضته بالطاولة ليس مقنعا، فهو ليس أسلوب الموظف المدني الذي عرفه الرأي العام عقدا من الزمان، فلا أحد في تركيا سيصدقه عندما يحاول لعب دور الرجل القوي.

وهنا، فالسؤال عما حدث وأين أخطأت حسابات المعارضة وداعميها في الخارج؟ وكيف جرى الحكم خطأ على قدرات أردوغان لجذب الناخبين؟ ولماذا أخطأت الاستطلاعات؟ ولماذا توصلت مجموعة محترمة من منظمي الاستطلاعات والباحثين السياسيين قبل شهرين إلى أن نسبة 51.5 ستصوت ضد أردوغان وأن نسبة 37.6% ستصوت معه؟ وقال منظمو الاستطلاعات “من المحال أن يفوز أردوغان”. وصدق قليجدار هذا التقييم وكذا معظم الإعلام الغربي. ولماذا كانوا مخطئين؟ هناك العديد من العوامل الواجب أخذها بعين الاعتبار، وعليك أن تنظر وتطلق على العملية الانتخابية بأي طريقة تريد – حرة ولكنها ليست نزيهة (كما قال فريد زكريا في واشنطن بوست)، وهو إجماع غربي على ما يبدو، لكن الحقيقة الواقعة هي أن الأتراك وبشكل غالب يؤمنون بحرية العملية الانتخابية في بلدهم.

وتعتبر تركيا ثاني دولة في العالم من ناحية المشاركة في الانتخابات، ولم تكن الجولة الأولى هذا الشهر استثناء، وبنسبة 90%. وقارن هذه المشاركة مع المشاركة في دول تطلق على أردوغان مستبدا وديكتاتورا، فانتخابات تركيا تتفوق على المشاركة في بريطانيا والولايات المتحدة. إذ وصلت المشاركة في الجولة الثانية بانتخابات فرنسا الرئاسية العام الماضي التي خاضها إيمانويل ماكرون ضد مارين لوبان، واعتبر سباق انتخابي وجودي لفرنسا، إلى 72% وحصل فيها ماكرون على نسبة 58.54%.

ويقول هيرست إن ثقة الأتراك بنظامهم الانتخابي مختلف عن الأنظمة المستبدة الحقيقية التي لا يثق سكانها بالحكام ويقاطعون الانتخابات. وحدث هذا في مصر عام 2018 عندما حصل عبد الفتاح السيسي على نسبة 97%، مع أن المشاركة كانت أقل من 40%، رغم جهود الجيش لدفع أكبر عدد من الناخبين إلى مراكز الاقتراع. وحصل الأمر نفسه في تونس حيث لم يشارك سوى نسبة 11% في جولتين انتخابيتين لانتخاب البرلمان.

وقال إن عدم اعتراف المفكرين الليبراليين بالغرب بقوة النظام الانتخابي التركي لأنه يؤدي إلى نتائج خطأ، أصبح تخصصا. في وقت يغضون فيه الطرف عن انتخابات مهزلة في مصر وتونس يقاطعها الناخبون. وهذا هو السبب الذي ثبت خطأ توقعاتهم.

وهناك مثال آخر، فعندما زحفت الدبابات على جسر البسفور في ليلة 15 تموز/يوليو 2016، وكان أردوغان في مصيف أطلق نداء للجماهير التركية للرد، وخرجت الجماهير تلبية لندائه. لماذا؟ لأن الأحزاب التركية والناخبين رفضوا أن يحرموا من حقهم في الانتخاب. ودعم الأتراك حالة الطوارئ ضد الغولونيين الذين حملوا مسؤولية المحاولة الفاشلة.

وإذا كان هناك شخص بنى تركيا كما هي اليوم ببنى تحتية حديثة ومستشفيات وجامعات فهو أردوغان. ويتسامى على المعارضة أولا وأخيرا لأنه الخيار الوطني. وإذا كان هناك شخص مسؤول عن عيوب النظام الرئاسي الذي بناه وعن تراجع الاقتصاد الذي لم ينتج مؤسسات مستقلة، فهو أردوغان ـ فهذا هو إرث أردوغان. فهذا الرجل هو الذي شكل الأمة الحديثة، سواء إلى الأحسن أو الأسوأ.

والمفارقة هي أن أردوغان يدخل الجولة الثانية للانتخابات وفي موقع سياسي أقوى من المعارضة منذ خسارته بلديات المدن الكبرى، وبخاصة أنقرة وإسطنبول. وهناك العديد من الأدلة تظهر أن إستراتيجية الحزب القبيح فشلت، فقد حاول قليجدار جذب المرشح الثالث سنان أوغان لدعمه، لكن الأخير أعلن الإثنين عن دعمه لأردوغان وبدون أن يسارع الرئيس إليه. ولم يقدم التزامات لأوغان. ثم إن فوز تحالف أردوغان في البرلمان منحه السلطة الأخلاقية ويعطيه الفرصة بالجولة الثانية. وبات الطريق معبدا له أمام ولاية ثالثة.

ولو استمع أردوغان لنصيحة مستشاريه واستمع الجانب الأيسر في عقله للجانب الأيمن وقام بتعيين نائب قوي له يكلفه بملف الخارجية والاقتصاد، فسيحل هذا مشكلتبن: السياسة النقدية الكارثية التي تبتلع مليارات الدولارات من العملة الصعبة واحتياطات الذهب، والصوت في السياسة الخارجية الذي يعطي المصداقية. ولن يمنع هذا الإعلام الغربي من النباح والقول إن تركيا تسير نحو الديكتاتورية، لكن مواقفها تبدو بعيدة عن الواقع أكثر فأكثر.

والحقيقة هي أن أردوغان هو أنجح زعيم في الشرق الأوسط وأكثرهم استقلالية، ولا يستطيع الغرب إرسال الدبابات والمدافع لمنعه. إن إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن عن دعمه للمعارضة التركية ليس فقط بلا معنى، بل وستكون له نتائج عكسية، وسيتعلم رئيس ما في يوم ما من هذا، وبالتأكيد لن يكون في الوقت القريب.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي