صــــــــعــــــدة.. تاريخ متمرد

الأهالي اليمنية - خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2008-09-09

يحي الثلايا

تمرد صعدة» الأخير ليس إلا حلقة من حلقات مسلسل التمرد التاريخي الذي شهدته بلاد سحار وخولان بن عامر وجماعة وهمدان وايلة وغيرها من قبائل صعدة عبر التاريخ الممتد أكثر من عشرة قرون. شهدت اليمن في عصور مبكرة خلافات داخلية نتيجة مماحكات عصور الخلافة العباسية وشهد التناحر تنامياً في بلاد اليمن وتمردت على مركز الدولة الإسلامية. وصل إلى مدينة صعدة يحيى بن الحسين الذي عرف بالإمام الهادي قادماً من «الرس» في بلاد الحجاز وإليها ينتسب، فقال الرسي وكانت قيادته بعد أن دعاه مجموعة من قيادات القبائل اليمنية ليحل خلافاتهم.  وأسس «الهادوية» التي يصفها بعض أتباعه بأنها «طبعة جديد من المدرسة الزيدية»، وأقام دولة في اليمن استمرت في «ذريته» و»البطينين» أكثر من ألف عام، كما بنى جامعه الذي دفن فيه بمدينة صعدة ويسمى باسمه «جامع الإمام الهادي».
وخلال الدولة الهادوية والقاسميين ثم الدولة المتوكلية في اليمن شهدت البلاد تناحراً بالغاً وصراعات قوية وكانت صعدة هي البؤرة الأشد عمقاً لها. شهدت صعدة خلافات «المطرفية» و»الجارودية» كفرق زيدية لها آراء مختلفة، وفيها دفن نشوان بن سعيد الحميري، وعبدالله بن حمزة وكثير من مختلف المدارس الفقهية والاتجاهات السياسية.
وحتى مع أئمة الدولة الزيدية كانت تمثل صعدة بؤرة التمرد -كما سلف- فحين شهدت الأيام الأخيرة للدولة المتوكلية في اليمن تراجعا بسبب الخلافات الداخلية والمد العثماني برز الإمام يحيى بن محمد حميد الدين كشاب مؤهل يحظى بإجماع فقهاء المذهب الزيدي (كانوا يشترطون الإجماع) لكن صعدة وحدها هي التي خرقت الإجماع، إذ ادعى أحد الهاشميين من ضحيان لنفسه أحقية الإمامة مما دفع إلى إجراء مناظرة بين المرشحين «الفاطميين العلويين» انتهت بحيلة أوكلت ولاية أمر اليمن إلى يحيى حميد الدين واستمرت أكثر من أربعين عاماً. وخلال المدة الطويلة لحكم الإمام يحيى وابنه أحمد ظل الاثنان يختاران الرهائن من قبائل صعدة بعناية شديدة ليضمنا استمرارها في الولاء له. كانا يأخذان الرهائن من كل المناطق لكنهما كانا أكثر تمعناً في الاختيار عندما يتعلق الأمر بصعدة، إذ أخذا من أبنائهم أهم المشايخ أطفالاً وشباناً وأرسلاهم إلى سجن «المشبك» البعيد في بلاد الأهنوم (المدان، عمران) وهو السجن الذي يودع فيه معارضيه السياسيين الكبار مثل الشهيد محمد محمود الزبيري والشهيد محمد قاسم أبو طالب.
وظل أبناء مشايخ صعدة «رهائن الطاعة» في «المشبك» تصرف عليهم أسرهم وقبائلهم عشرات السنين حتى مات منهم الكثير ولا تزال المقبرة التي كانوا يدفنون فيها بجوار السجن شاهدة إلى اليوم وتسمى «مقبرة الرهائن». وبقيام ثورة سبتمبر 62م بدأت صعدة فصلاً جديداً من التمرد وإليها لجأ إليها محمد بن الحسين بن الإمام يحيى لقيادة التمرد ضد حكومة الثورة واستمرت سيطرة «الملكيين» الكاملة عليها حتى بعد 67م وقتل محمد بن الحسين فيها. وكان ثمن دخول الثورة إليها مكلفاً ومرتفعاً، إذ شهدت عدة مواجهات وحملات عسكرية بقيادة مشايخ من صعدة ومصريين وعسكريين وكان أول محافظيها هو الشيخ المشهور/ أحمد عبد ربه العواضي الذي عرف بشجاعته، حيث كان يعتمد عليه قادة البلاد في تصفية المناطق الساخنة.
وواجه معهم الشيخ العواضي المشاكل المتعددة منها محاولة اغتياله عبر لغم كبير أخطأه ليطال خاله الشيخ/ الأحرق الذي كان داخل السيارة المستهدفة.
في بداية الثمانينات من القرن الماضي اندلعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وكان الموقف اليمني الرسمي يميل كغيره من الأنظمة المحسوبة على المعسكر الغربي إلى العراق، لكن صعدة تمردت عن هذا الموقف إذ عبر أحد شعراؤها عن هذا التمرد باستيائه من مشاركة اليمن مع صدام وقال:
سلام من بعده شكانا
من حكم في صعدة شوانا
ما هو على دستور قانوني ولا ميثاق
على صعيد آخر، فإن الخلاف بين الإخوان المسلمين والقاضي عبدالرحمن الإرياني -رئيس المجلس الجمهوري -رحمه الله- الذي تسبب في خروج عدد من القيادات آنذاك دفعت الشيخ عبدالمجيد الزنداني لاختيار وادي نشور ملجأ لهروبه واحتمائه بمساندة بعض مشايخها كالشيخ الراحل قايد شويط وأسس الشيخ الزنداني خلال هذه الفترة معهداً علمياً في «آل أبو جنارة» ولا شك أن اختياره لها لكونها بمنأى عن نفوذ الدولة وسلطتها وهو الأمر الذي دام في صعدة كذلك طويلاً.
وبالعودة إلى حكاية حرب العراق وإيران فإنه وفقاً لرواية الدكتور رشاد العليمي نجد أن هذه الفترة هي البداية التاريخية لنشأة فكرة ما سمي في منتصف التسعينات «منتدى الشباب المؤمن».
وكما تأخرت مناطق كثيرة في الاندماج باليمن الجمهوري فقد تخلفت الثورة عن وصولها إلى مناطق كثيرة في صعدة من أهم أسبابها غياب التعليم وخدمات الدولة وتأخرها في الوصول.
ومع قيام الوحدة اليمنية المباركة وإعلان التعددية السياسية أقبل أبناء صعدة على الانضمام في الأحزاب السياسية ودشنت الأحزاب عملها بافتتاح المقرات. المؤتمر الشعبي -كحزب للرئيس صالح- حظي بنفوذ قوي في المحافظة، خاصة أن الشريط الحدودي مع السعودية جعل سكان مديريات الخط الحدودي ينجذبون لمماحكات السعوديين في تمجيد الملك من خلال تمجيد الرئيس، وبلغ ذلك حد رفض بعض سكان الحدود إنارة قراهم عبر الشركة السعودية الكهربائية وإطفائها بالرصاص ليبقوا في الظلام.
ومن المفيد ذكره هنا أن مديرية «منبه» هي المديرية الوحيدة التي حصل فيها الرئيس صالح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على (100%) من أصوات الناخبين.
حزب الحق أحد الأحزاب التي حظيت بشعبية في صعدة، إذ أن الشيخ بدر الدين الحوثي رأس قيادة الحزب «الهيئة العليا» ورأس نجله «حسين بدر الدين الحوثي» الدائرة السياسية للحزب.
التجمع اليمني للإصلاح أيضاً لقي قبولاً جيداً من أبناء صعدة، وافتتح مقره بصعدة الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر -رحمه الله- ومعه من وجهاء صعدة الشيخ فيصل مناع والراحلون الشيخ قايد شويط والشيخ محمد حسن مناع والشيخ الرازحي سليمان الفرح وغيرهم. الحزب الاشتراكي وأحزاب أخرى حققت وجوداً في صعدة بداية فترة التعددية. وفي فترة تعددية وتوازن قوة السلاح هذه أيضاً خرج إلى النور منتدى «الشباب المؤمن» الذي رأسه محمد بدر الدين الحوثي والأمانة العامة محمد يحيى عزان. في عام 94م غادر بدر الدين الحوثي البلاد إلى إيران وعاد إليها في 96م بعد دعوة رئاسية له بالعودة.
وكإفراز لحرب 94م ضاقت ساحة الممارسة الديمقراطية نتيجة توسع وتمدد شعور النصر فكان أن خرج الإصلاح متبوعاً بالاشتراكي. وإدراكاً بالحاجة إلى «المشاريع الصغيرة» دعم الحاكم منتدى الشباب المؤمن رسمياً لاستخدامه في ساحة العمل السياسي كـ»كرت».
الدعم الرسمي للشباب المؤمن وإن كان رمزياً في الجانب المالي فإنه حقق المشروعية له. كان الحاكم يظن أن بإمكانه استخدام الحليف الجديد وضمان السيطرة عليه غير أن الأيام لم تدم كذلك، حين كان يريد تحقيق مكاسب بهم في مواجهة قوى حزب الحق وتجمع الإصلاح لم يكن يظن أنهم سيسقطون مرشحي المؤتمر أنفسهم كما حدث في 2003م.
لكن دورة الزمن وبداية الشعار وحج رئيس الجمهورية كانت كلها مجرد مؤشرات لصراع استمر حتى اليوم خمس سنوات، وكانت حروب صعدة هي الفصل الدامي من حكاية التمرد التي نقف اليوم على أطلالها.
أحاطت بها المواجهات من كل جانب وفي الحرب الخامسة اكتملت حلقة الحصار بانفجار الحرب في جبهة حرف سفيان كونها الطريق الرابطة بين «لواء الشام» كما كانت تسمى قديماً وبين «اليمن» والأخيرة اسم يطلقه أغلب أبناء شمال صعدة على القادمين من مناطق أخرى وقد يستخدمون «اليمن» كتعبير عن جهة الجنوب.
ونتيجة لهذا التوسع في ساحة الحرب شهدت صعدة الحصار الخانق وانقطعت عنها الخدمات حتى داهمها الظلام.
ورغم كل ما حصل قبل ذلك فقد ظلت المدينة بعيدة عن الحرب نوعاً ما ولم يصلها من حمم النار إلا ما سمعته الأذن أو رأته العين باستثناء حوادث قليلة ومحاولة استهداف المجمع الحكومي وحادثة جامع بن سلمان. وهذا الجو ساهم في توفير نوع من الأمان لساكني صعدة ولم يُدفع الناس للمغادرة إلا بعد الحصار الذي بلغ حد «انقطاع الكهرباء». قصة الكهرباء هذه التي انقطعت عرفها الجميع وروي أنها كانت بسبب الحصار وقيام الحوثيين باستهداف ناقلات ديزل متجهة إلى صعدة للتموين. وللعلم فإن مما ساهم في هذا الانقطاع هو أن مدينة صعدة ليست مرتبطة بالشبكة الكهربائية التي تمد غيرها من مراكز المحافظات بالإنارة ـربما لبعد المسافةـ إنما اكتفت الدولة بدلاً عن ذلك بتوفير عدد من المولدات العادية لتعمل على إنارة المدينة ولذا كان انعدام الديزل موجباً لانطفاء الكهرباء.

متطوعون في المعركة الخطأ..

منذ بداية الحرب الأولى في مران عمدت السلطة إلى إشراك أبناء القبائل في حربها ضد الحوثي وتوافد -فعلاً- جموع من أبناء «عذر، والعصيمات، وحجور، والجميمة»، إضافة إلى قبائل صعدة وغيرها من محافظات عمران وحجة. ولا يزال المبرر لإشراك القبائل في الحرب غير معلوم، كما أن تكرار إشراكهم في الحروب المتتالية في ظل خبرات الحروب أيضاً لا يزال يحتاج إلى تفسير.
من ناحية عسكرية اقتيدت القبائل إلى المواجهة دون خبرة مما سبب سقوط كثير من أبنائها ضحايا وكان أغلب ضحايا الحرب هم من المتطوعين الذين جاؤوا باحثين عن التجنيد وخطوط النار. ومن ناحية استراتيجية فإن تحويل الأمر إلى مواجهات قبلية من شأنه إطالة أمد الفتنة ولو لغرض الثأر القبلي، كما أن مشاركتهم تعني اعترافاً بعجز الجيش أو على الأقل التسبب في كسر معنويات الجنود النظاميين.
وفوق ذلك فإن حوادث كثيرة شهدتها مناطق المواجهات -وفق روايات محايدين- إذ أن حالات نهب واسعة طالت الممتلكات، وتشير أصابع الاتهام إلى «المتطوعين» وهو الأمر الذي أساء إلى سمعة الدولة وقواتها المسلحة. فيما يقول مواطنون من أبناء صعدة أن هذه الشائعة انتشرت للتهوين من شأن المتطوعين الذين وقفوا في وجه الحوثيين.
اليوم، عدد من القبائل تحركت في صعدة وعمران تطالب دفع فاتورة الحرب وتلجأ إلى قطع الطريق! وهذه إحدى النتائج المرة. صباح السبت الماضي قطعت قبائل في «آل عمار» الطريق الرابط بين صنعاء وصعدة وأوقفت السير لعدة ساعات. نساء وأطفال ومسافرون وحتى أشقاء من دول أخرى أوقفوا بحجة الضغط على الدولة وربما تتعطل مصالح كثيرين.. من يتحمل هذه النتائج!؟
 

بعد الحصار

بعد إيقاف الحرب فتحت الطرق التي تزود الناس بالخدمات وهذا كان عاملاً طيباً أفرح الناس، فخلال اشتداد الحصار وصلت قيمة أسطوانة الغاز المنزلية إلى «2500 ريال» ومثلها دبة البنزين والديزل «في حال توفرها»، أما الكهرباء التي تعمل بمولدات فقد انقطعت تماماً لعدة أيام.خلال تواجدي في صعدة لاحظت أن الأمور لم تعد إلى ما كانت عليه، أجرة ركوب الباص ارتفعت بمقدار 50% بناء على تعميم رسمي من مكتب النقل. الكهرباء يرثى لها، فحارات داخل المدينة القديمة ينقطع عنها التيار لمدة أيام.كنت قد نقلت الصور التي التقطتها إلى جهاز كمبيوتر لغرض التنسيق وفجأة انقطع التيار، انتظرنا قليلاً فتأخرت عودة التيار زيادة على المعلوم، اتصلنا بالكهرباء للاستفسار؟ فكان الرد «يمكن يستمر الظلام يومين أو ثلاثة». أدركت ساعتها أنني في إحدى تلك المناطق التي سمعت عنها!! ومع الصباح حملت الكمبيوتر الذي خدعني باحثاً عن حارة مولعة.
 

في الطريق نحو لواء الشام


«هدأت الأمور حالياً وبإمكانك الآن زيارة «صعدة» لعلك تقدم عملاً صحفياً غير مسبوق», هكذا يتحدث إليك كائن في أعماقك دون أن تدرك أو تستطيع تحديد نوع هذا الكائن هل هو ملاك خير أم «شيطان ودّافة». إذن، ليلة السفر من صنعاء اكتب الوصية وسجّل فيها ما لك وما عليك وعندها ستكشف أن التزاماتك أكثر من الأصول المملوكة لديك وستلجأ في الوصية إلى توريط من يهمه أمرك لـ»براءة الذمة» و»المسامحة من الكبير والصغير».. ركبنا البيجوت قديم الصنع وكنت أنا «غلق الحملة» وفي جاه واحد كريم.. تمر بزحمة ضروان الخانقة ثم تبدأ من منطقة ذيفان بعمران في متابعة مسلسل الحوادث المرورية القاتلة (شاهدنا خلال الذهاب خمسة حوادث مرورية), وأكثر من ضعف هذا العدد هي نقاط قبلية تقطع على الناس الطريق وتستوقف السيارات والمارة في محاولة للضغط على الدولة «وحَورها» لإنصاف أنصارها القبائل والجنود المتضررين من ضحايا ومآسي حرب صعدة التي سافرنا للاطلاع على بعضها عياناً.
أوقفوا سيارات عدة لكننا كنا نتجاوز كل النقاط لحسن الحظ لأن معنا نساء، والقبائل لا تقاطع في «الحريم». ولأن فرصة الحصول على وجبة غداء غير أكيدة بفعل الحرب التي أغلقت المطاعم فإنه يلزمك تناولها «جمع وقصر» مع الصبوح في مدينة خمر التي تسمى «مدينة السلام».
آخر المواقف كان مدينة حوث، هذه المدينة احتضنت ذات زمن قديم رجلاً جاء من صلبه فيما بعد السيد/ بدر الدين الحوثي وأولاده الذين برزوا مؤخراً في قيادة المواجهة المسلحة في صعدة التي استقر فيها جدهم بعد الانتقال من «حوث» التي احتفظ له منها بالنسب.
وقفنا في «حوث لينضم إلينا رفيق سفري رغم أن «الحملة وافية» من صنعاء ولضرورة الأمر فقد كانت لحظة العيش والملح في خمر فرصة لإقناع السائق بأن يشل «الجمالي».
 

يحيى العمري.. المحافظ والشارع


العميد يحيى العمري محافظ صعدة الأسبق قيل إن الحوثيين أصروا بعد الوساطة الأولى على إزاحته ولذا تم نقله إلى البيضاء وجاء يحيى الشامي من البيضاء إلى صعدة بديلاً عنه. العمري بمجيئه إلى صعدة صنع واقعاً جديداً في صعدة وأحدث أشياء لم تشهدها صعدة من قبل.
لقد عمل كرجل إدارة صارم وشديد الحزم وألزم دوائر السلطة المحلية ومكاتبها بالأداء الوظيفي الذي لم تعرفه من قبل. ولأنه في مجتمع يحظى النافذون كالمشايخ بالقبول والقدرة فقد اصطدم مع كثير منهم وواجههم بصرامة وكان يخرج هو الكاسب. كثيرون من الموظفين وأصحاب المعاملات يشيدون بالعمري خلافاً لما هو حال الحوثيين الذين اختلفوا معه سياسياً. انتقل الأمر بعده إلى يحيى الشامي الذي عمل محافظاً لإدارة أزمة وكانت فترة المصري قصيرة نوعاً ما. بانتخاب الشيخ حسن مناع يعتبر أن أهل صعدة حققوا مكسباً كونه الأول في المنصب من نفس المحافظة، كما أن خبرته كأمين عام للمجلس المحلي بالمحافظة وأحد رموز صعدة تجعلهم يؤملون فيه تحقيق ما لم يقدمه سابقوه كونه «داري بأحوال صعدة وأخبارها» على حد تعبير أحدهم.

حزب الحق.. الانشقاق والشرعية الغامضة

 

 

 

 

 

 

حزب الحق اسم تردد كثيراً في ظل هذه الحرب فالسلطة تتهمه بالمشاركة في حرب صعدة وهويتهما بالتسبب في حرب صعدة من خلال تبني انشقاق تنظيمي بداخله في النصف الأخير من العقد الفائت.
«الحزب الذي ولد بعد الوحدة» هو أحد الأحزاب اليمنية التي تأسست عقب الوحدة، وصنف نفسه بأنه ذو اتجاه إسلامي.والملاحظ في تكويناته القيادية تشابه الأسماء مع الهيئات المماثلة في التجمع اليمني للإصلاح وهي التي تبدو ذات صبغة إسلامية مثل «الهيئة العليا، مجلس الشورى، الهيئة القضائية، الأمانة العامة».
من خلال مشاركته في انتخابات 93م دخل الحزب البرلمان بعدد من الأعضاء أحدهم حسين بدر الدين الحوثي. وبعد سنوات حصل خلاف داخل الحزب كما قبل دفع برئيس هيئته العليا «بدر الدين الحوثي» وأحد أهم قياداته «حسين بدر الدين الحوثي» إلى مغادرته والانضمام إلى المؤتمر الشعبي العام باحتواء من اللواء الراحل يحيى محمد المتوكل رحمه الله الأمين المساعد للمؤتمر الشعبي العام. الأمانة العامة للحزب ممثلة بالقاضي أحمد محمد الشامي اتهمت السلطة بتفريخ الحزب وشقه وكما دخل تيار المنشقين إلى الكتلة البرلمانية للمؤتمر الشعبي العام «حسين الحوثي» فقد دخل في ذات الدورة «غير المنشقين» إلى حكومة المؤتمر الشعبي العام ذات الأغلبية إذ أسند إلى القاضي أحمد الشامي حقيبة وزارة الأوقاف. وفوق ذلك ظل الحزب عضواً في مجلس تنسيق أحزاب المعارضة الذي ضم الاشتراكي والناصري ثم بانضمام الإصلاح تحول إلى تحالف «اللقاء المشترك».
مع انفجار حزب صعدة بدأت أصابع السلطة في الإشارة إلى حزب الحق ضمن حملتها العشوائية وكان الرئيس يتهم «ميليشيا» حزب الحق حد وصفه في خطاب له بحضور أمين عام الحزب القاضي الشامي.
بعد ذلك فوجئ المراقبون أن القاضي الشامي أصدر مذكرة قبل أكثر من عام قرر فيها حل الحزب واعتبرت السلطة ذلك مكسباً لها واقتناعاً بوسطيتها، وكان الشامي قد ظهر إلى جانب مرشح المؤتمر الشعبي بمهرجان ميدان السبعين في الانتخابات الرئاسية الماضية.
فيما ظهر آخرون يتهمون القاضي بالعمالة للسلطة ويصفون ذلك بـ»انشقاق جديد» واعتبروا أن قرار القاضي الشامي فردي وغير مؤسسي ولا مشروعية له.
كثير من أتباع الحوثي ليسوا مؤيدين ولا أنصاراً لحزب الحق رغم أنهم كانوا يعتبرونه الفضاء الزيدي لهم إذ سمعت من أحدهم حين سألته عن حزب الحق تذمراً إذ قال هو «حزب إمحق»!!
 

صعدة.. باب نحو الأمل


كانت موافقة شركاء السفر على انضمام صاحبي فرصة للتعارف بيننا وهو ما كشف زيف ما ظننت حيالهم, فلأنهم مثلي يبدون غرباء توقعتهم جنوداً في أحد المعسكرات المرابطة بصعدة أو على الأقل لديهم محل تجاري أو مهنة ما في صعدة. فكشف حديثي معهم أنهم الثلاثة قادمون من جبل حبشي بمحافظة تعز ويستخدمون صعدة مجرد بوابة عبور نحو أمل أكبر في رزق وفير عجزت اليمن عن توفيره لهم وأمثالهم. ثلاثة في سن الحيوية والشباب أكملوا الثانوية والتحقوا بمعاهد مهنية في تعز وأبين لكنهم وصلوا إلى نتيجة مريرة مفادها: «هذه البلاد ما تخارجش»، ولذا هم يسافرون الآن وبطريقة غير شرعية (تهريب) نحو الشقيقة السعودية بحثاً عن فرصة رزق. رغم مخاطر التهريب وحرس الحدود السعودي وشرطة التفتيش إضافة إلى كوابيس صعدة المهولة فقد خاطر أولئك اليافعون بحياتهم ومستقبلهم، والمبرر: صعدة أقرب إلى الرياض من المنافذ الأخرى.
وطن يدفع بأبنائه إلى مسالك الموت للبحث عن الحياة يحتاج إلى أكثر من وقفة تقييم وإعادة نظر وحكومة ترعى مصالح شعبها بهكذا آلية ملزمة شرعاً وعقلاً بالرحيل أو على الأقل التفكير بما هو أهم من ضمان السيطرة على لجنة الانتخابات أو إدانة انتهاك محكمة الجنايات لسيادة السودان البعيد.
ورغم بشاعة المنظر فقد استوقفني أن تكون صعدة بوابة أمل للشباب في الانتقال إلى الأفضل بواسطتها رغم أنها تملك مقومات تحقيق آمال الكثير لو توفرت الإرادة والإدارة السليمة.
 

حروف العلة بين طهران وسنحان

يبدو أن أقطاب اللغة العربية أخطئوا في تحديد حروف العلة يوم أن قالوا إنها الألف، والواو، والياء.. فهناك كثير من المؤشرات تؤكد أن كل العلل والتفاصيل الساخنة تنتهي باجتماع حرفي الألف والنون في نهاية بعض الأسماء لتمثل علة ومشكلة. من إيران وطهران تبدأ مسيرة هذه العلة باتجاه ضحيان ومران وحيدان وخولان وتلتقي عزان وجدبان وصبحان وتستمر العلة باتجاه سفيان وصيفان وهمدان وجرمان وعنقان وعمران والمدان وصولاً إلى بهران وسنحان ومحمد قحطان!!
 

حرف سفيان.. كوابيس بلا أبواب


بعد مغادرة حوث كنا على موعد مع فاجعة الحرب الخامسة «حرف سفيان» التي ذكرتنا بأشياء وأضافت إليها حقائق مرة. ففي زيارتنا هذه رأينا بذور السلام تصر أن تطل بنفسها من بين الخراب والدمار الذي ينتظر الإعمار والتعويض وعودة النازحين. والنقاط العسكرية أقل مما شاهدناه في زيارة سابقة كما أن أطفالاً في بعض القرى أصبحوا يأملون أو يبحثون عن حلم اسمه الاستقرار.
في مدينة الحرف كنت كمن يزور صديقاً أصابه المرض إذ أن مشاهد زيارتي السابقة «أثناء الحرب» لا تزال في الذاكرة رغم أن تفاصيلاً كثيرة قد أضيفت إليها. الخراب ازداد كثيراً وأصبحت البيوت خاوية وبها أبواب جديدة من صنع القذائف أو أيدي المتفيدين الذين اقتلعوا الأبواب والنوافذ وأخذوا ما خف وزنه وغلا ثمنه، بل وما ثقل وزنه ورخص ثمنه!!
ما بين زيارتي السابقة ومروري اليوم ثمة تفاصيل حدثت إذ أنه غادر الحياة عدد ممن تواصلت معهم واستقيت منهم الأخبار يومها وفي مقدمتهم العقيد/ محسن الشمج وكذا القيادي الحوثي/ عبدالله بن يحيى القعود أسأل الله لهم ولكل ضحايا الحرب المغفرة ولمن تبقى من أطرافها الهداية والصلاح.
الحديقة المحاطة بالحرائق غريبة هذه الحرب وتفاصيلها ومجرياتها، فالذي يتصوره المتابعون أنها أصبحت كلها منطقة حرب ومواجهه رغم أن ذلك ليس دقيقاً.
نقاط التفتيش أو المرور بين طرفي الحروب «عادة» تكون فواصل أو علاقات تحدد نهاية سيطرة وسيادة طرف على ميدانه وتؤذن ببدء الانتقال إلى ساحة الطرف الآخر وسيادته لكنها في صعدة ليست كذلك ووضع النقاط غريب جداً.
هنا نقطة عسكرية تابعة للسلطة وبعدها بقليل ستجد نفسك أمام نقطة يقف حولها «الشباب» كما يسميهم البعض أو»الحَوثة» كما يسميهم آخرون، فتظن أن ما بعد النقطة أصبح خاضعاً لسيطرتهم لكنك بعد قليل تجد نقطة عسكرية تابعة للسلطة وهكذا حال التكتيك الحربي للطرفين حتى في أيام اشتداد المواجهة.
 

 

 

 

 

 

أناشيد الزفاف بعد خفوت طبول الحرب
الحرب دائماً تقود إلى الفناء بما تزهق من أرواح، وتعطل مصالح الناس وتؤجل التزاماتهم وتنفيذ ما رسموه للزمن. ومن بين أهم المصالح التي أجلتها الحرب هنا زواج خطط له أصحابه، والزواج هو مصلحة لا تتحقق إلا بعد جهد وكلفة وما أن يكون بمستطاع الشخص تحملها فإنه لن يتأخر فكيف هو الشعور لدى الراغب الذي أصبح قادراً إذا حال دونه عارض كالحرب!؟
كثيرون منعتهم هذه الحرب من تكوين الأسرة وإعلان الفرحة وإكمال نصف الدين وربما نصف العقل وكل التدبير. أحد معاريفي في صعدة كان قد حدد موعد العرس أكثر من مرة لكنه يتأجل بسبب الحرب والحصار. هو يقطن صعدة وسيتزوج من صنعاء وحُددت التفاصيل وحُجزت القاعة أكثر من مرة ولم يجد مخرجاً لهذا الواقع سوى تذكر البلاد التي جاء منها ذات يوم وأقام عرسه في إحدى مناطق عمران دون أن يسلم من منغصات الحرب التي لحقته إلى قريته. ما إن هدأت الحرب حتى نصبت الخيام أوتادها وأضاءت القناديل أنوارها وبدأ النشادون يعزفون الزفة والزامل.. الخميس الماضي شاهدت عدداً من الأعراس التي أقيمت في مدينة صعدة وحضرت واحداً منها لغرض التقاط الصور, كان الأطفال فرحون بالمشاركة في العرس وينعمون بطفولتهم في جو آمن و»مولع». الزواج بعد الحرب يكاد ينطق بحكاية صراع البقاء والفناء المريرة إذ تحاول أصوات النشادين أن تنسي المنطقة أصوات المدافع ولعلعات الرصاص التي تسقط خلالها أرواح أبناء البلد والملة الواحدة.
على مدخل مدينة صعدة تشاهد لوحة ترحيبية بلون العشب الجميل ترحب بك بعبارة جميلة نصها: مرحباً بكم في مدينة السلام. واللوحة هنا منذ زمن قديم ولا علاقة لهذا الوصف بالسلام المؤمل من قرار 17/7 الماضي الذي قضى بوقف الحرب.
«مدينة السلام»، اسم يقول أهل صعدة إنه أطلق قديماً على مدينة صعدة لكنني أشك في في واقعية ذلك تاريخياً، فالحرب الأخيرة تجعلك تراجع هذه المسألة أو على الأقل تقول لهم: هذا كان زمان!!
المضحك أنه سبق لي أن سمعت هذه التسمية تطلق على مدينة «خمر» ومدينة «عمران» وكل أبناء مدينة ينسبونها لمدينتهم!!
ذات مرة قلت ممازحاً لأستاذٍ فاضل: لا أعتقد أن مدينة أو منطقة في هذه الجهة يمكن وصفها بمدينة السلام. ربما يكون أصحاب هذه التسمية أطلقوها من باب التفاؤل وهذا ما يمكن قبوله، أما كصفة تاريخية فكل المؤشرات والمدونات التاريخية تدل على صراعات دامية ومتجددة شهدتها هذه البلاد جعلت أبعد ما يكون عنها هو السلام، ويبدو أن التسمية جاءت على النقيض من باب تسمية الأعمى بصيراً!!












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي