هآرتس: عندما يصبح المسجد الأقصى المكان الوحيد الذي يشعر فيه الفلسطينيون بالحرية

2023-04-09

موقع المسجد الأقصى، المهم والمعروف جيداً لنحو نصف مليار مسلم، هو المشهد الثابت والطبيعي (أ ف ب) 

(المضمون: كلما كانت علاقات القوى السياسية في غير صالح الفلسطينيين، وكلما إسرائيل تقدمت في سيطرتها على أراضيهم، فإن الأهمية القومية والشخصية للمسجد الأقصى تصبح أكثر وضوحا – المصدر).

في لبنان؛ المارونيون تدعمهم فرنسا، والشيعة تدعمهم إيران، والسنة تدعمهم السعودية. ومن بقي للشيوعيين؟ الله فقط” هذا ما اقتبسه يساري من رام الله من الموسيقار اللبناني زياد الرحباني (ابن المطربة فيروز) لتجسيد شعور العجز لدى فلسطينيين مثله. وعلى الرغم ما كان نكتة سياسية لاذعة على لسان الرحباني وتعبيراً عن إحباط المقتبس العلماني، فإنها واقع حقيقي بالنسبة للفلسطينيين.

ليس هذا هو المكان الذي يمكن فيه مناقشة دور الإيمان بالله في التشكيل والحفاظ على قدرة صمود الفلسطينيين أمام الحكم الإسرائيلي الذي فرض عليهم. ولكن على الصعيد الأكثر قطرية، وما دامت علاقات القوى السياسية الدولية في غير صالحهم وما دامت إسرائيل تتقدم بدون أي عائق أمام خططها للسيطرة على أراضيهم الفارغة وتستفيد من انقسامهم وضعفهم السياسي، فإنها تظهر الأهمية الوطنية والسياسية والاجتماعية والعاطفية، وليس فقط الدينية المفهومة ضمناً، للمسجد الأقصى.

هذه المنشأة الدينية هي الفضاء المفتوح الوحيد الموجود أمام سكان البلدة القديمة المكتظة. كل مقدسي يؤكد هذه الحقيقة ويقول بأنه الفضاء الوحيد الذي فيه لا يواجه فيه الفلسطينيون رجال الشرطة والجنود، ويشعرون فيه بأنهم أحرار، حتى لو لبضع ساعات. كلما زادت عمليات الدخول الاستفزازية إلى هذا المكان من قبل اليهود الذين ينوون الصلاة وإقامة الهيكل الثالث، يفقد هذه الميزة كمنطقة شبه حرة تقريباً.

موقع المسجد الأقصى، المهم والمعروف جيداً لنحو نصف مليار مسلم، هو المشهد الثابت والطبيعي، وحتى الحميمي، الذي يمكن رؤيته من نوافذ نحو 200 بيت في البلدة القديمة، كما قال للصحيفة أحد سكان المدينة. وهو موقع عالمي وموقع محلي، هو مقدس ومكان لقاء اجتماعي وعائلي. هذه المنشأة ومساجدها تنجح في التوحد جسدياً، ليس فقط رمزياً وعاطفياً، عشرات آلاف الفلسطينيين الذين ينتشرون وينقسمون ويتوزعون، حضريين وريفيين؛ سكان الضفة الغربية ومواطني إسرائيل؛ نساء ورجالاً؛ فقراء وأغنياء؛ أفراداً وعائلات؛ مؤيدي فتح وحماس وحزب التحرير وغير المنتمين لأي حزب؛ متدينين متعصبين، تقليديين وحتى علمانيين ينجذبون إلى جمال المكان والصداقة الحميمية؛ المصلين ومن جاؤوا فقط لنزهة عائلية (99.99 في المئة من سكان القطاع، الذين هم على بعد 70 كم، مبعدون تماماً، بدون أي مظهر شكلي إسرائيلي لإعطاء حرية العبادة لهم).

الروتين الإسرائيلي المشين، الذي يحرص على تقسيم الأراضي الفلسطينية أكثر والذي دمر ويدمر أي تواصل جغرافي، تاريخي واجتماعي، فلسطيني موجود في هذه البلاد منذ مئات السنين، لا يمكنه إلغاء المسجد الأقصى. ولكن شخصيات سياسية – دينية يهودية، التي تطمح إلى ذلك، والتي لم يعد بالإمكان استبعادها كهامشية وغير ضارة، تعطي للفلسطينيين كل أسباب القلق على مصير هذا المكان ويطلبون استدعاء المنظمات الدولية. هكذا، الدول العربية والإسلامية حتى التي تدفع قدماً بعلاقات تطبيع مع إسرائيل ولا تخفي بأنها “سئمت” من القضية الفلسطينية”، لا يمكنها تجاهل سلوك إسرائيل في المسجد الأقصى والمصلين فيه. ولأن هذا مكان ديني للمسلمين فإن إسرائيل، التي لا تسمح للفلسطينيين بالتظاهر، لا يمكنها إلغاء صفته كمكان لقاء جماهيري ثابت. وهذه الحقيقة تحول هذا المكان المقدس إلى عزيز أكثر على قلوب الفلسطينيين وتعطي هذا الموقع الرئيسي للعبادة قوة اجتماعية وسياسية.

في هذه السنة، مثلما في السنوات السابقة، تحديداً في الأسبوع الذي سبق شهر رمضان، “نجحت” أجهزة الأمن ونظراؤها في وسائل الإعلام في عرض شهر رمضان على أنه حدث لتنفيذ العمليات الإرهابية. هكذا ارتبط في الوعي الإسرائيلي – اليهودي بالتوترات الأمنية المحتملة وبالتحذير من المس بهم، وفي الحقيقة بكل “واقع طبيعي” يتمتعون به وكأنه جوهر الشهر المقدس للمسلمين. ترتبط إلقاء مسؤولية الهدوء على الفلسطينيين بتجاهل نموذجي لحقيقة أنه لا يوجد أمر طبيعي في سيطرة إسرائيل على الفلسطينيين، مهما كان عمر هذه السيطرة. لذلك، بدون تخطيط أو بدون تعليمات من أعلى، فإن كل ما هو مرتبط بالحرم وبشهر رمضان تحول إلى خليط من الحفاظ على حرية العبادة والعادات الاجتماعية التي تطورت حول شهر رمضان، مع نضال ضد حكم إسرائيل الأجنبي، خصوصاً عندما رفض عشرات الآلاف المرور من البوابات الإلكترونية على أبواب الحرم في 2017، وعندما رفض الشباب الذين بقوا متيقظين في ليالي رمضان في 2021 طلب الشرطة إخلاء الدرجات في باب العامود، التي تعودوا الجلوس عليها. ليس هناك أي قدسية أو أي خلفية دينية للجلوس على الدرج، وهؤلاء الشباب لم يكونوا قادة سياسيين ولم يمتازوا بالتعصب الديني، لكن ارتباطهم برمضان أعطى شرعية اجتماعية لرفضهم.

في هذه السنة برزت ظاهرة أخرى كوسيلة نضال دينية – وطنية، وهي ظاهرة الاعتكاف، أي الانفصال المؤقت عن الحياة العادية ومكوث المؤمنين في المسجد. حسب قناة “الجزيرة”، فإنه منذ 1967 تقتصر هذه الظاهرة في المسجد الأقصى على الأيام العشرة الأخيرة في شهر رمضان وعلى ليالي أيام الجمعة. وتأتي هذه من وزارة الأوقاف الأردنية وإدارة المسجد. إن توجه عائلات مقدسية ومؤسسات دينية في المدينة إلى السلطات الأردنية، للسماح لهم بالاعتكاف ليلاً في المسجد طوال الشهر في هذه السنة لم يحصل على أي رد. مع ذلك، رغم مطالبة الشرطة الإسرائيلية بإخلاء المكان، فإنه –وفقاً لـ “الجزيرة”- تبدو المرة الثانية منذ 1967 التي نجح فيها المعتكفون في البقاء داخل المسجد في اليومين الأولين من رمضان. حينها، بدأت الشرطة في اقتحام المسجد وإخراجهم بالقوة.

إن أي استفزاز من قبل اليهود الذين يريدون تقديم الجدي قرباناً في عيد الفصح ويصلون رغم الحظر، وكل اقتحام لرجال شرطة حرس الحدود في هذه المنشأة وهم يضربون الناس بالهراوات ويدوسون بأحذيتهم فوق سجاد الصلاة، كل ذلك يأتي في أفلام فيديو إلى بيوت ملايين المسلمين في العالم ويصدمهم. هل هذا ازدراء متأصل ومبرر ووقح لدين آخر غير اليهودية؟ هل هذا احتقار فطري للمسلمين بسبب عروبتهم؟ هل هو ثمل قوة يرتدي الزي العسكري – سواء من الدروز والعرب، إذا كانوا من بينهم؟ ربما كل الأجوبة صحيحة.

مستحيل القول بأنها هي الشرطة في عهد “وزارة الأمن الوطني” لأنها تصرفت على هذا النحو (وحتى قتلت المصلين في باحات الحرم) حتى قبل أن نتخيل بأن ايتمار بن غفير هو الذي سيصبح المسؤول عن ذلك. المؤكد هو أن هذا الهجوم شبه العسكري في مكان ديني ومقدس تخلقه إسرائيل بيدها، سنة بعد سنة، بتصميم ومثابرة غير مفهومة لمن يؤمنون بحنكة حكوماتها.

هذا التصميم مفهوم عندما نتذكر بأن الجيش والشرطة ملزمان بالدفاع عن اليهود لكونهم يهوداً من اليمين ومستوطنين. حتى عندما تكون نيتهم إحراق حقل زيتون في الضفة الغربية وبيوت في حوارة ومسجد في قرية أو المسجد الأقصى. أهداف اليهود الذين يحجون الحرم هي أهداف سياسية وقومية متطرفة. لذلك، فإن الشباب الفلسطينيين، خاصة المقدسيين ولكن ليس وحدهم فقط، ليسوا بحاجة إلى أحد لينظمهم أو يصدر لهم الأوامر. بدون صلة بدرجة تعصبهم، يعرفون أن عليهم الدفاع عن المكان الوحيد في بلادهم الذي ما زال محمياً نسبياً من قدرات ونوايا التدمير الإسرائيلية.

 

عميره هاس

هآرتس 9/4/2023








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي