الكاتب الراحل مر بعصف بالحياة الثقافية العراقية وكان صنيع تجربته في الأدب والحياة على حد السواء

غياب قامة ابداعية كبرى : عبدالرحمن مجيد الربيعي رائدا ومجددا في السرد العراقي

العرب
2023-03-25

غياب صانع الحكايات ورجل الذاكرة

فاروق يوسف

حين قرر الكاتب العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي الإقامة في تونس بعيدا عن بغداد في ثمانينات القرن الماضي فإنه فعل ذلك من أجل أن يكتب كما يحب. كانت الحرية هي هدفه.

حفلت حياته بالمتناقضات. فهو على سبيل المثال درس الرسم في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، غير أنه حين تخرج قرر أن يتفرغ كليا لكتابة الشعر والقصة القصيرة والرواية. وعمل في الصحافة.

ربما يكون الربيعي هو الروائي العراقي الوحيد الذي يُعاد طبع أعماله مرات عديدة، بحيث بلغ ما طُبع من روايته “الوشم” وهي روايته الأولى ثماني طبعات.

كانت “الوشم” كباقي أعماله الروائية ذات طابع سياسي.

الأكثر شهرة بين العراقيين
وبالرغم من أنه كتب عن تجارب إنسانية محلية غير أنه اكتسب صيتا على المستوى العربي. ذلك لأنه نشر كتبه وعاش في غير مدينة عربية إلى أن حصل على الجنسية التونسية في منتصف تسعينات القرن الماضي.

عبدالرحمن الربيعي هو من أكثر الأدباء العراقيين شهرة خارج العراق. ارتبط بصداقات عميقة مع عدد كبير من الأدباء العرب. كتب عنهم وكتبوا عنه، غير أن الأهم في علاقاته هو ذلك الطابع الإنساني الذي ميز صلته بالآخرين.

عمل الربيعي في السلك الدبلوماسي فكان ملحقا صحفيا في سفارتي العراق ببيروت وتونس. لم تخفه الحرب الأهلية في لبنان بقدر ما سحره أن يكون قريبا من رواد مجلة شعر.

حين تلتقيه يفتح أمامك أوراق ذاكرته. هو رجل ذاكرة من طراز خاص. لذلك كان مستغربا أن يصدر كتابين فقط في السيرة الذاتية.

عبدالرحمن الربيعي كان رائدا ومجددا في مجال القصة القصيرة في الوقت نفسه.

ولد عبدالرحمن مجيد الربيعي في الناصرية جنوب العراق عام 1939. درس الرسم في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. وحين تخرج أصدر مجموعته القصصية الأولى “السيف والسفينة” عام 1966. كان لا يزال يومها مسكونا بروح الرسام. قال يومها تعليقا على علاقة قصصه بالرسم “يمكن إرجاع كل قصة إلى انبهاري بهذا الفنان أو تلك التقنية”.

عمل الربيعي في الصحافة مشرفا على الصفحات الثقافية وفي الوقت نفسه مارس التدريس لفترة وجيزة ثم انتقل إلى العمل في المؤسسات الثقافية ومنها انتقل إلى السلك الدبلوماسي حيث عمل مديرا للمركز الثقافي العراقي في بيروت وتونس. وفي منتصف التسعينات استقر في تونس ولم يعد إلى بغداد إلا في السنوات الأخيرة حين اشتد عليه المرض.

أصدر الربيعي سبع روايات. الأولى هي “الوشم” التي صدرت عام 1972، والأخيرة “نحيب الرافدين” التي صدرت عام 2011. ما بينهما صدرت “الأنهار” و”القمر والأسوار” و”الوكر” و”خطوط الطول خطوط العرض” و”هناك في فج الريح”.

كما أصدر عشر مجموعات قصصية كان آخرها “سر الماء” التي صدرت عام 1993 وأربعة كتب شعرية هي “الحب والمستحيل” و”شهريار يبحر” و”امرأة لكل الأعوام” و”علامات على خارطة القلب”.

وأخيرا أصدر سيرته الذاتية “أية حياة هي؟ سيرة البدايات” و”من ذاكرة تلك الأيام، جوانب من سيرة ذاتية”.

“الأدب هو الحرية. لا كتابة أدبية والسهم مسدد إلى قلبك. لن يكون نصك ثائرا ومتجاوزا إذا كانت حريتك مصادرة وكلماتك تخضع لألف تأويل وتأويل” يقول عبدالرحمن الربيعي كما لو أنه يصف مسار حياته وسيرته الأدبية، وهو الذي عاش متمردا وواقفا في لحظة قطيعة دفعت به إلى لحظة عزلة فضلها على أن ينتمي إلى القطيع.

سافر واضحك وامش
في رواية “الوشم” وهي أشهر رواياته يقول البطل “عش لنفسك فقط لا لشيء آخر. سافر واضحك وامش. فهذا خير حل للأمور”، أليس هذا ما فعله الربيعي وقد تفرغ لأدبه بعيدا عن إملاءات الوظيفة؟ مبكرا قال الربيعي “وداعا” لأشياء كثيرة. كان صانع صداقات ولم يكن رجل علاقات عامة. لقد اكتسب الكثير من مواهب الحياة من مهنته كاتبا. ولو لم يكن كاتبا لكان شخصا آخر. هو صنيعة الكاتب وليس العكس.

 كاتب اختار حريته وذاته

“صانع حكايات” ذلك هو عبدالرحمن الربيعي. ليست تلك الحكايات التي كتبها بل وأيضا الحكايات التي كان يرويها عن حياته وحيوات الآخرين. يشبهه البعض بالمؤسسة من جهة تفانيه في خدمة مشروعه الأدبي. ربما كان ذلك سببا في سوء الفهم الذي كان يقع فيه الآخرون. كان حضوره الدائم يزعج البعض بالرغم من أن الربيعي شخصيا لم يكن ذلك الشخص المزعج. ومن عرفه عن قرب يدرك كم كان منفتحا على نتاجات الآخرين الأدبية، لا تزعجه نجاحاتهم بل العكس هو الصحيح إذ كان يروّج تلك النجاحات.

يقول الربيعي “لقد عشت حياتي بكثير من الصدق والصفاء بعيدا عن الإذعان والرضوخ والامتثال. لذا لم يستوعبني أحد بشكل كامل، هناك دائما ما هو صعب وعصي في شخصي”.

الناقد مرمم الذاكرة
كتب الربيعي روايته الأولى “الوشم” بتأثير تجربة الاعتقال التي تعرض لها عام 1963. لم تكن تجربة شخصية. لقد شاركه فيها الكثيرون ممَن كانوا يحملون أفكارا يسارية. غير أن السياسة ظلت الموضوع الأساس في كل رواياته وكان من دعاة الواقعية في موضوعاته وفي أسلوبه غير أنها لم تكن واقعية سطحية بل سعى الربيعي إلى تعميق منظوره الواقعي النقدي مطورا تجربتي غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي. كان تجريبيا في حدود المنهج الواقعي. وُصفت كتابته بأنها ترمم الذاكرة. كان شخصيا ذاكرة حية. وهو ما مكنه من الكتابة عن تجارب الآخرين القصصية والروائية بروح يغلب عليها الاعتدال. لقد سبق أبناء جيله في الكتابة النقدية، لأنه عمل قبلهم في الصحافة محررا ثقافيا. فكان بمثابة مبشر بالتجارب القصصية الجديدة التي تميزت بتمردها على أسلوب السرد الذي كان سائدا في منتصف القرن الماضي.

◙ صداقات كثيرة جمعت الربيعي بغيره من الكتّاب (صورة مع الكاتب الألماني غونتر غراس)

أصدر الربيعي عددا من الكتب النقدية منها “كتابات مسمارية على جدارية مغربية” و”الشاطئ الجديد” و”رؤى وظلال” و”من سومر إلى قرطاج” و”أصوات وخطوات”. في تلك الكتب كتب عن تجارب قصصية وروائية عربية نالت إعجابه وسعى إلى التبشير بها.

مر عبدالرحمن مجيد الربيعي بعصف بالحياة الثقافية العراقية. كان صنيع تجربته في الأدب والحياة على حد السواء ولم يفعل إلا ما أراد أن يفعله. عاش حياته كما أحب في بغداد وبيروت وتونس، وكتب بحرية من غير أن يرضخ لإغراءات المال والوظيفة والحياة المستقرة. عاش تمرده في الكتابة كما في حياته الشخصية ملتزما بحريته وبرصيده من صداقات، وحده يعرف أسرارها. وهو في كل ما يملك من حكايات أشبه بذاكرة، من المؤلم أن يكون في سنواته الأخيرة قد فقدها. لا يمكن تخيل الربيعي من غير ذاكرة. ترى أين ذهبت الحكايات؟









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي