البوم

2023-03-18

أنس أبو سمحان

توقّفتُ عن التدخين لمدة أسبوع، ولكنّي عدت إليه مجددًا. البارحة، نمتُ الساعة الحادية عشرة مساءً، وصحوت عند منتصف الليل. ليست المرّة الأولى، إذ يبدو أنّني أحصل على قيلولتي في الليل وأنام في النهار. هذا الجدول البيولوجي المقلوب ليس مُبهجًا قطعًا. حاولت أن أنام مُجدّدًا، ولكنْ لا سبيل.

جهّزتُ كوبَ شايٍ، وذهبتُ إلى سطح المنزل. في يدي اليمنى الكوب وفي اليسرى سيجارة. ليس ممتعًا أن يكون عندك "وقت" للتفكير في مثل هذه الساعات، ستأتي في رأسك كل الأفكار السيّئة في العالم. أدخّن وأنا أحوم على السطحِ دون أن أثبت. أُنهي كوب الشاي قبل السيجارة، وهو من ألعن الأشياء التي قد تحصل (أن تنهي كوب قهوتك أو شايك أو نبيذك قبل السيجارة). أسحب نفسًا قويًا، فيدخل الدخان في عينيّ. أشعر بحرقة بسيطة ثم تذهب.

أتّجه إلى الجانب الغربي من سطح المنزل. أنظر إلى السماء الخالية من أي شيء غير النجوم الضعيفة. الكهرباء موجودة، وبالتالي، فإن الإنارة من حولي تصعّب من رؤية النجوم بوضوح. لا قمرَ في السماء. فقط بضعة أضواء ضعيفة تجعل الرؤية مقبولة. أنظر إلى الأرض. أرمي الكوب جانبًا. أقف على حافة السور. أفرد جناحيّ دون أن أهتم بتوازني. أغلق عيني.

السيجارة طبعًا في فمي، أسحب منها وأنفث دون أن أمسكها. أفكّر بمَا سأفعل في نفسي. أقدّم قدمي اليمنى في الهواء ليختلّ توازني قليلًا. حينها، يفكّر جسمي فقط في البقاء وبألّا أسقط. أُرجع قدمي مكانها ثانيةً، لتعود الأفكار السوداوية مجدّدًا. أرفع قدمي اليسرى هذه المرّة، محاولًا إخلال التوزان مجدّدًا، تذهب الأفكار، تعود قدمي مكانها.

فكّرت لو أنّ معي سمّاعات الأذنين الآن لكنتُ في وضع أفضل. أستمرّ في فرْد يديّ. أستمر في نفث الدخان، أنظر إلى الأرض مُجدّدًا؛ بومٌ يحلّق من فوقي، أراه ولا أسمعه. ثمّة حقيقة مدهشة عن البوم، أنت لا تستطيع سماع تحليقه، فهو يحلّق بشكلٍ صامتٍ جدًا. يحلّق البوم. ثم يحطّ على كتفي.

شعرتُ بالرعب لوهلةٍ. أن يتجاهلني الناس، فهذا أمر اعتدت عليهِ. أن يعتبرني الناس غير موجودٍ بالاسم، فهذا أمر اعتدت عليهِ أيضًا. لكن، أن يراني هذا البوم فزّاعة حقلٍ ميتة، فهو مستوى آخر من احتقار الذات. أو ربّما أنا كذلك، مجرد فزّاعة، تُفزع الأصدقاء من حولي، وفزّاعة للعلاقات الأخرى، وفزّاعة لكلّ شيء، بما فيها الحظ الجيد. ينعق البوم. شعرتُ لحظتها بالحياة تدبّ فيَّ، كأن هذا النعيق قد بعث فيّ حياةً من نوع ما. أُعاود النظر للأرض، كانت "أشوار" البقدونس أو السبانخ المزروعة غربي البيت تبدو وكأنها جيوشٌ مصفوفة في حضرتي.

يداي ما زالتا مفرودتين. ما زلت أنفث الدخان، وما زال البوم جالسًا، يفرد جناحيهِ. في هذه اللحظة تمامًا، أسمع أصواتًا جماهيرية تأتي من الأرض. تحوّلت الأشوار إلى ملايين من الجنود الذين يصرخون وينتظرون شعارات الأمير. لحظة جنونٍ، يتحدّث إليّ البوم ويخبرني بأن كل هؤلاء تحت إمرتي. ماذا وضع لي أصدقائي في السيجارة؟ ليس مهمًّا. قبل قليل كنت وحيدًا يفكّر في إلقاء نفسهِ، والآن صرتُ أتحدّث إلى البومِ ولديّ جيش من التابعين. ليس مهمًا.

تغرّني اللحظة، يدعوني البوم للتقدّم نحو الجيش. أرفع قدمي اليمنى للأمام. يختلّ توازني وأسقط، وفي لحظة أشعر بأنّ يدًا تمتدّ إليّ من خلفي وتمسك بقميصي. أسقط على ظهري. أنظرُ، فإذا بأخي على السَّطحِ معي يصرخ في وجهي ويسألني ما الذي أفكّر بهِ. خرج أخي ليدخّن سيجارة مثلي ليجدني على حافة الهاوية. أعادني إلى الواقع مجدّدًا. كنت قبل قليل ملكًا أو أميرًا أو أي شيء. يا إلهي، كنت أتحدّث إلى البوم. لو كنتُ وقعتُ، كنت سأموت أو سأبقى في وهمي. أمّا الآن، فأنا هنا، حيّ مجددًا. ليومٍ آخر.

كاتب من فلسطين








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي