أربعون ثانية

2023-03-15

 إبراهيم الزيدي

إذا لم يكن الزمن إلا ما تقيسه الساعات، تلك مشكلة. إذ أن الزمن الذي لا يغطى بالأحداث هو زمن فارغ، والإحساس به لا يتجاوز الملل. ومن المؤسف أن الزمن السوري، والأحداث التي تغطيه، لا يوجد فروق حقيقية بينه وبين الزمن الفارغ. فالآمال التي فقدت صلاحيتها، والأحلام غير القابلة للتفسير، والتنافر الفاجر بين الإنساني والسياسي، وتحول ملايين السوريين إلى نازحين ولاجئين، ليس له سوى تفسير واحد، يلخصه كارل ساغان بقوله: الادعاءات الخارقة يلزمها براهين خارقة. ونحن – قبل الزلزال-كنّا محض ادعاء. فالزلزال هو البرهان الخارق.

«أربعون ثانية» ما الذي يمكن أن يفعله الإنسان في أربعين ثانية؟ّ!

خلال زمن كهذا يمكن أن يقول: يا لطيف. فقط. أمّا بعده فهناك الوقت الكافي لرفع الغطاء عن السيكوباثيين المختبئين في صفاتهم البشرية، ونتائج أفعالهم في بناء المنازل، وفوضى الأسعار.

«أربعون ثانية» خلالها قالت الأرض كلمتها، فاستمع بعض الناس إليها، كما يستمعون إلى موعظة مؤثرة، والبعض الآخر لم ير في ذلك الحدث سوى فرصة للثراء، فاغتنمها!!

«أربعون ثانية» حرّكت ضمائر دول وجماعات وأشخاص، فهبطت في مطاري دمشق وحلب عشرات الطائرات التي تحمل المساعدات للشعب السوري المنكوب. في موازاة ذلك هب السوريون لمساعدة السوريين، فسييرت قوافل المساعدات الأهليه من دمشق والرقة ودير الزور والحسكة والسويداء ودرعا، وكأن تلك القوافل هي الهتاف الذي سمعته ذات يوم ( واحد.. واحد.. واحد، الشعب السوري واحد). مما أثبت أن تقاليد التكافل الاجتماعي ما زالت من سمات الشخصية السورية، لأنها أصيلة فيها. إذ أن نشاط فرق الإغاثة التي تشكلت فورا، لرفع الأنقاض، وإنقاذ العالقين، وتأمين احتياجات مراكز الإيواء، الطعام والشراب والأغطية، ومساعدة الأطفال والعاجزين، وتأمين أدوية المرضى، وغير ذلك مما يقتضيه الوضع، كان مفاجأة لكل من ظن بنا السوء.

«أربعون ثانية» كانت مدة كافية لينفض السوريون الغبار عن أكتاف إنسانيتهم، ويتجاوزون خلافاتهم السياسية، واختلافاتهم الدينية والعرقية والمذهبية، وتدمع عيون النساء في درعا على ضحايا الزلزال في جبلة، وترسل نساء الرقة أغطية أبنائهن إلى أطفال جنديرس!! في حين لم تسمح تركيا سوى لدخول جثامين السوريين الذين قضوا نتيجة الزلزال، وبقي معبر باب الهوى مغلقا أمام شاحنات المساعدات إلى اليوم السادس بعد الزلزال!!

«أربعون ثانية» هي مدة الهدف الذي سددته الطبيعة في مرمى الحياة السورية، لم تكن خسارتنا الهائلة هي المفاجأة، فقد اعتدنا على الخسارات. المفاجأة هي اكتشافنا لتلك القدرات الهائلة التي نتميز بها كسوريين، ابتداء من قدرتنا على الحب، وليس انتهاء بقدرتنا على العطاء، وتقاسم رغيف الخبز.

لقد سقطت الأبنية السورية، نعم لقد سقطت الكثير من الأبنية، لكن الإنسان السوري قد ارتفع. فتحية لكل من ارتفع ورفع وترفع.

كاتب سوري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي