هآرتس: لهذه الأسباب يصر اليمين المتطرف على الانقلاب القضائي في إسرائيل

2023-03-08

مهم أن نفهم بأنه لا حاجة إلى تطبيق جميع الخطوات المقترحة الآن لإحداث تغيير نظامي (ا ف ب)

بعد مرور شهرين على بدايتها، وصلت المعارضة ضد الانقلاب النظامي إلى مفترق طرق. سؤال ماذا يجب أن نعمل من هنا، أصبح معقداً أكثر. حولنا الكثير من الخوف والإحباط والتشويش. يجب اعطاء رد على كل هذه الأمور. وخلال ذلك، نحن بحاجة إلى تحليل هادئ للواقع وفحص متزن لاحتماليات العمل الموجودة أمامنا.

إن مقارنة إسرائيل بهنغاريا وبولندا مقارنة مضللة. هذه الدول ليست في وضع حرب مستمرة، ولا تدير احتلالاً طويلاً، وليس فيها أقلية قومية كبيرة، التي هي جزء من الشعب الذي تحاربه الدولة. في هذه الظروف، فإن عملية التحول إلى الفاشية في إسرائيل قد تكون أسرع وأخطر.

مع كل ذلك كيف كان هناك حتى الآن فضاء ديمقراطي في إسرائيل؟ تكمن الإجابة في معظمها في الكوابح المؤسسية التي تتعرض للهجوم الآن. إن إقصاء القضاة الليبراليين والمستشارين القانونيين المستقلين عن الطريق، كما يقول ياريف لفين بشكل علني، ليس سوى المرحلة الأولى في خطة أكبر بكثير، والشرط لنجاح خطوات بعيدة المدى التي تم كشف بعضها حتى الآن في اقتراحات وزراء وأعضاء كنيست آخرين.

ومهم أن نفهم بأنه لا حاجة إلى تطبيق جميع الخطوات المقترحة الآن لإحداث تغيير نظامي. سيكون بالإمكان التنازل عن عدة أغنام دخلت الغرفة إذا تم تحقيق تغيير في تشكيلة المحكمة العليا وإخضاع المستشارين القانونيين في الوزارات الحكومية للحكومة.

المحكمة العليا في إسرائيل غير فعالة. سأكون أكثر سروراً لو تدخلت أكثر في الدفاع عن حقوق الإنسان والمجموعات السكانية الضعيفة، وتحارب مظالم الاحتلال المتواصلة. القاضي الناشط الوحيد في المحكمة العليا ينتمي بالتحديد لليمين، وهو نوعم سولبرغ، الذي صاغ قرار الحكم الذي ألغى الضريبة على الشقة الثالثة، وهي ضريبة ربما لا تتطابق مع وجهة نظره.

ولكي نفهم لماذا تتم مهاجمة المحكمة العليا بهذه الوحشية، يجب رؤية كيف تشوش على خطط اليمين المتطرف. رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بالطبع يريد النجاة من محاكمته، لكن أهداف هذه العملية أوسع بكثير.

أحبط تدخل المحكمة خطوات مهمة لليمين المتطرف في أمور ثلاثة: أولاً، المحكمة العليا شوشت على الخطة التي استهدفت تجميع طالبي اللجوء في معسكر اعتقال في النقب. ثانياً، المحكمة العليا تصعب السيطرة على أراض فلسطينية خاصة في الضفة لغرض توسيع المستوطنات. ثالثاً، المحكمة العليا ألغت قرارات الأغلبية السياسية في لجنة الانتخابات، التي حاولت منع ترشح أحزاب ترتكز على الجمهور العربي للكنيست. إقصاء قضاة مستقلين سيمكن من القيام بهذه الخطوات الثلاث.

العملية الثالثة تستحق اهتماماً خاصاً. ففي هذه السنة، يتوقع أن يتقاعد ثلاثة قضاة من المحكمة العليا. وتعيين سياسي لثلاثة بدلاً منهم قد يؤدي إلى تغيير تاريخي في صورة إسرائيل: إذا تم شطب أحزاب الجمهور العربي، فلن يذهب هذا الجمهور للتصويت. الآن نسبة تصويت العرب في الأصل أقل بكثير من نسبة التصويت في أوساط اليهود. وبدون الصوت العربي سيكون من المضمون لليمين المتطرف سنوات كثيرة في الحكم.

وجود احتجاج واسع هو شرط حيوي لكبح حكم بدون كوابح. حجم المعارضة للانقلاب النظامي في إسرائيل مشجع جداً. بمقارنة دولية، فقد استيقظت هنا قوى كثيرة أكثر مما كان في مجتمعات أخرى وقفت أمام خطوات فاشية. ولكن من المهم أيضاً أن نرى التحديات والأخطار التي تقف أمام الاحتجاج. حركة المعارضة نجحت حتى الآن في تجنيد الجمهور اليهودي المثقف والثري. لكنها لم تنجح، ولا تحاول حقاً، في التوجه للعرب. وهي لا تتحدث بما فيه الكفاية مع الهوامش الاجتماعية في الجمهور اليهودي.

من أجل النجاح في هذه التحديات للتوسع، يجب أن يتعلم الاحتجاج كيف يكون أكثر استيعاباً للرسائل التي تسمع من داخله، وأن يتمكن من تطوير وحدة في أوساط المجموعات المختلفة عن بعضها. ومن أجل الدخول إلى قواعد القوة الاجتماعية للحكومة، يجب أن يتعلم الاحتجاج التحدث أكثر عن الطريقة التي يمكن فيها للمصالح الحقيقية لكثيرين جداً أن تتضرر من هذه الخطوات. الفروقات في أوساطنا لا يجب أن تعتبر مشكلة، بل يجب التغلب عليها، وهي أيضاً أحد الموارد التي يجب استغلالها، هي أفضلية تمكننا من الارتباط بجمهور متنوع أكثر. وعلينا أن نطور القدرة على تنسيق عمل مشترك لقوى مختلفة عن بعضها في مواقفها ولغتها وإحساسها.

على سبيل المثال، هناك مشاركون في الاحتجاج ضد الانقلاب إلى جانب الذين يريدون الحفاظ بشكل عام على النظام الحالي، والذين ينتقدونه أيضاً ولكنهم يخشون التدهور إلى مكان أسوأ. الذين ينتمون للمجموعة الثانية، مثلي أنا مثلاً، يرون في لحظة الأزمة الحالية أيضاً فرصة حقيقية لتشكيل أفق ديمقراطي حقيقي (حسب تعبير الصياغة الناجحة للمنشور الجماعي الشرقي – المدني)، هذا الأفق حيوي حسب اعتقادنا، لأن النظام بحاجة إلى إصلاح في الحقيقة، ولأننا بحاجة فيه إلى المزيد من التمثيل والتنوع، ولأن هناك مجموعات سكانية ضعيفة ومتضررة. إذا أردنا أن نجند هذه المجموعات للاحتجاج، فيجب إعطاؤها رداً على هذه المشكلات. لذلك، من الحيوي أن نسمع في الاحتجاج صوتاً يختلف عن الصوت المعارض البارز فيه. ولكن مع ذلك، من الخطأ التطلع إلى دفع الجمهور المحافظ إلى خارج الاحتجاج. علينا جميعاً العمل على توسيع الخيال السياسي وخلق علاقات تعاون جديدة. الذين يقتنعون مثلي بأن الاحتلال هو الجذر العميق لأزمة الديمقراطية في إسرائيل يجب أن يكونوا مسرورين لأن الكثيرين، الذين لم يصلوا بعد إلى هذه الرؤية، ينضمون إلينا في المقاومة. وهم من ناحيتهم بحاجة إلى أن يفهموا بأنه رغم الجدل الكبير حول هذه القضية، فنحن شركاء أساسيون وصوت شرعي في النضال.

يقف أمام حركة المعارضة خطر التسوية الوهمية. لفين وسمحا روتمان يمكنهما أن يحققا أهدافهما حتى إذا تنازلا عن معظم الخطوات التي يقترحانها. وهنا تأتي ميزة السياسة المتطرفة: إذا كان الهدف هو قطع أرجل شخص ما، فيمكن أن نقترح بأن تقطع يديه أيضاً، والتوصل إلى تسوية حول الموافقة على التنازل عن الطلب الثاني.

وثمة خطر آخر: حرب زائدة. هنري كيسنجر هو الذي قال بأنه لا توجد لإسرائيل سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط. عندما تهدر المدافع – هكذا يمكن لأحد ما الأمل بأن تصمت المظاهرات. دائماً، في كل الأحوال، كانت المغامرة الأمنية ملجأ مناسباً للانتقاد الداخلي. وبيد الحكومة وفي الواقع الإسرائيلي تركيز كبير لقوة القرار. هل يمكن أن تصمد المعارضة أمام هذه التحديات؟ من أجل ذلك، مطلوب نضوج وحكمة سياسية في أوساط جمهور واسع. إن الطريق إلى جهنم، كما كتب سي أس لويس، هي مسار معتدل ومن اللطيف السير فيه. مطلوب هناك يافطات تصرح “توقف”. هل سنعرف كيفية وضع هذه اليافطات؟ هل سنعرف متى وكيف سنتوقف؟ متى وكيف نرفض؟ كم منا سيوافقون على التنازل عن الحياة اليومية المريحة عندما يبدأ بالارتفاع الثمن الشخصي للمعارضة؟

وثمة سؤال مهم بشكل خاص، وهو: ماذا علينا أن نفعل، رغم كل المظاهرات، إذا نجحت الحكومة في تمرير التغيير الذي تسعى إليه؟ حيث إنه يمكن أن ينشأ في أوساطنا في وضع كهذا إحباط خطير للمعنويات: “إذا نجحوا، مع أننا جمهور كبير في الشوارع، فلا يوجد ما نفعله وسنيأس”.

اليأس، بحد ذاته، هو معطى سياسي لا بأس به. هو جسر يؤدي بالناس الجيدين إلى الاستسلام. وعندما يستسلم الناس الجيدون ستحدث أمور فظيعة. لكن اليأس مضلل في حالتنا، فثمة قوة لم تكن موجودة من قبل، حركة معارضة كبيرة مع جمهور واسع، أصبحت تشارك في السياسة. التحدي هو معرفة كيفية الحفاظ على هذه القوة حتى في سيناريو صمدت فيه الحكومة ونجحت في تمرير جزء كبير من خطتها التدميرية.

جزء من الرد على هذه الخطوة يكمن في قدرتها على تطوير سياسة من المعارضة البناءة. “هي استراتيجية تستخدم طاقة المعارضة من أجل أن تطور بواسطتها البديل. المظاهرات نفسها مهمة، لكنها لا تكفي. يجب الانتظام. يجب الدخول إلى مؤسسات قائمة وتحويلها إلى معقل للمعارضة (تذكرون أن هذه السنة ستتضمن انتخابات محلية؟). في الوقت نفسه، يجب تطوير مؤسسات جديدة. يجب خلق شبكة من التجمعات التضامنية والدعم المتبادل، تجمعات يمكنها أن تشكل مرساة للتمسك بها حتى لو أصبح الواقع أصعب. هذه شبكة يجب أن تشمل مؤسسات ومنظمات كثيرة، قائمة وجديدة أيضاً، وسلطات محلية، وحركات شبيبة وكليات تمهيدية، ومدارس ولجان آباء، واتحادات طلابية ومؤسسات التعليم العالي، ووسائل إعلام نقدية، ومنظمات مجتمع مدني، ومؤسسات ثقافية ولجاناً عمالية. هيا نخلق منظومة لبيوت الشعب التي ستعمل في أرجاء البلاد بكونها أماكن للقاءات الجسدية للتفكير، والعمل وثقافة أخرى. بهذا لن نكون وحدنا وسنلتقي مع شركاء ونوسع الدائرة ونفكر معاً ونسمع ونرى مضامين لا تروق للحكومة، وننتظم للدعم المتبادل وإظهار التضامن مع الأشخاص الذين تتم مهاجمتهم. قد نتعلم من التجربة التاريخية لأحزاب يسارية مضطهدة، قامت بتركيز نشاطاتها على مثل هذه الشبكات بعد أن ألقوا خارج القانون.

إذا تحولت الدولة إلى دولة ديكتاتورية فيجب أن تستخدم طاقة المعارضة لخلق البنية التحتية للدولة الديمقراطية القادمة على الطريق. بنية تحتية نكون ملزمين بها ومخلصين لها ونقاتل من أجل الدفاع عنها.

بقلم: دوف حنين

هآرتس 8/3/2023








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي