للتجسس أم للطقس.. كيف تقرأ إدارة بايدن منطاد الصين على أنه مؤشر على “تراخي” قبضة الرئيس شي؟

متابعات - الأمة برس
2023-02-07

كيف تقرأ إدارة بايدن منطاد الصين على أنه مؤشر على “تراخي” قبضة الرئيس شي؟ (ا ف ب)

البالون أو المنطاد، الذي تقول واشنطن إنه للتجسس وتصر الصين على أنه لرصد الطقس، أثار عاصفة من التساؤلات حول كواليس تلك القصة وتداعياتها على علاقات إدارة بايدن والرئيس شي جين بينغ.

صحيفة The New York Times الأمريكية نشرت تحليلاً عنوانه "النزاع حول منطاد الصين يسلط الأنظار على قيادة الرئيس شي"، ألقى الضوء على وجهة النظر الأمريكية بشأن "النية الحقيقية" لذلك البالون الصيني، الذي شق طريقه عبر الولايات المتحدة وتسبب في مزيد من التدهور في علاقات القوتين العظميين.

إصرار بايدن على أنه منطاد للتجسس

فمنذ اللحظة الأولى، كان هناك إصرار من جانب واشنطن على أن المنطاد الصيني، الذي يحلق على ارتفاعات شاهقة تبلغ 60 ألف قدم، هو أداة تجسس صينية متقدمة، وهو ما فتح ملف التجسس المتبادَل بين البلدين وأدواته المختلفة.

وفي هذا السياق، أمرت الحكومة الأمريكية بوقف الرحلات الجوية من وإلى 3 مطارات في ساوث كارولاينا، هي ويلمنغتون وميرتل بيتش وتشارلستون، بسبب "جهود تتعلق بالأمن القومي" لم تكشف عنها، ولم يجرِ استئناف الرحلات إلا بعد إسقاط المنطاد.

وقال مسؤول عسكري أمريكي كبير إن العديد من الطائرات المقاتلة وطائرات إعادة التزود بالوقود شاركت في المهمة، لكن واحدة فقط، وهي طائرة مقاتلة من طراز إف-22، نفذت المهمة بصاروخ واحد من طراز إيه.آي.إم-9إكس. وأضاف المسؤول أن المنطاد أُسقط على بُعد 6 أميال بحرية قبالة الساحل الأمريكي.

وكان وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، أول من أعلن إسقاط المنطاد، قائلاً إن الصين استخدمته "في محاولة لمراقبة مواقع استراتيجية في الولايات المتحدة". وذلك بعد أن كان بايدن قد قال إن الولايات المتحدة "ستتولى أمر" ما يشتبه بأنه منطاد تجسس صيني جرى تعقبه في أثناء تحليقه في سماء الولايات المتحدة، ووصفت واشنطن تحليق المنطاد بأنه "انتهاك واضح" للسيادة الأمريكية.

وبعد إسقاط المنطاد، نقل مسؤولون أمريكيون عن الجيش قوله إنه سيحاول سريعاً انتشال المكونات الرئيسية لمنطاد مراقبة صيني من بين الحطام قبالة سواحل ساوث كارولاينا، وقال مسؤول دفاعي أمريكي كبير للصحفيين: "عملية الانتشال جارية، لم يتحدد بعد الوقت الذي ستستغرقه"، مضيفاً أن الحطام موجود في مياه ضحلة نسبياً. وقال مسؤول آخر إنه يتوقع ألا تستغرق عملية الانتشال أسابيع أو شهوراً، وأنها ستكون أسرع نسبياً.

بينما تصر الصين على أنه منطاد مدني خرج عن مساره أثناء رحلة لجمع بيانات الأرصاد الجوية، وسواء توجهت المركبة القابلة للنفخ إلى الولايات المتحدة عن طريق الخطأ أو أنها حيلة عسكرية وقحة، يثير ظهورها تساؤلات حول الكيفية التي تتعامل بها الصين مع موقعها المتنامي باعتبارها قوة عالمية.

سوزان شيرك، نائبة مساعد وزير الخارجية السابقة خلال إدارة كلينتون، قالت لصحيفة نيويورك تايمز: "ما أضر الصين تحديداً، على الصعيدين الدولي والمحلي، هي الأسئلة التي يثيرها هذا حول الكفاءة، وكيف تعزز الشكوك حول قيادة شي جين بينغ".

ومن غير الواضح إلى أي مدى كان من الممكن تجنب الحادث، لكنه يأتي في وقت يُعتقَد فيه أنَّ الرئيس الصيني شي في ذروة سلطاته بعدما تمكن العام الماضي من تأمين ولاية رئاسية ثالثة وجعل الأمن القومي حجر الزاوية في حكمه.

إضافة إلى ذلك، تأتي حادثة المنطاد في أعقاب حسابات خاطئة واضحة أخرى، بما في ذلك الرفع العشوائي للتدابير المرتبطة بسياسة "صفر كوفيد"، التي كانت خانقة في بعض الأحيان، بعد احتجاجات واسعة النطاق، وموافقة الرئيس شي على شراكة "بلا حدود" مع روسيا قبل أسابيع فقط من غزو أوكرانيا.

وأضافت شيرك: "إذا فكرت في الأمر، فستجد أنها مفارقة كبيرة؛ لأنها بداية ولايته الثالثة. وبدلاً من أن يكون في القمة، نرى كل هذه التعليقات السلبية".

مواجهة منطاد التجسس الصيني

الأسئلة حول حكم شي وتقديرات أجهزته العسكرية والاستخباراتية تلقي بظلالها الآن على التقييمات حول كيفية تعامل الصين مع الأزمات الأخرى في بيئة أخطر؛ مثل أزمة مضيق تايوان كثيف التسلّح، وهو سيناريو ينذر بالخطر بالنظر إلى الاحتمال المتزايد لحدوث مواجهة في ظل استمرار التنافس الشديد بين واشنطن وبكين على النفوذ العالمي.

فالصين تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها بموجب سياسة "الصين الواحدة"، وتقول بكين إنها الأمر الأكثر حساسية وأهمية في علاقاتها بالولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تقوم سياسة الولايات المتحدة على الاعتراف بأن "الصين واحدة" ولا تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع تايوان.

وكانت الصين وتايوان قد انفصلتا خلال حرب أهلية في الأربعينيات، وتعتبر تايوان نفسها دولة ذات سيادة وتحظى بدعم أمريكي وغربي، لكن بكين لا تزال تصرُّ على أنه ستتم استعادة الجزيرة في وقت ما، وبالقوة إذا لزم الأمر. ولا يعترف بتايوان سوى عدد قليل من الدول؛ إذ تعترف معظم الدول بالحكومة الصينية في بكين بدلاً عن ذلك. ولا توجد علاقات رسمية بين الولايات المتحدة وتايوان، ولكن لدى واشنطن قانون يلزمها بتزويد الجزيرة بوسائل الدفاع عن نفسها.

وفي هذا السياق، تنظر الصين إلى النظام الديمقراطي ذاتي الحكم في تايوان على أنه محافظة صينية منفصلة، ولم تستبعد استخدام القوة لتحقيق الوحدة، ووصلت التوترات بين بكين وتايبيه إلى ذروتها منذ عقود في أعقاب زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، للجزيرة، حيث فرضت بكين حصاراً كاملاً حول تايوان.

وأوضحت شيرك: "في الماضي، كان بإمكان الحكومة الصينية التكيف بمرونة مع أية مشكلة. وكانت تضع التنمية الاقتصادية أولاً. لكن لم يعُد هذا هو الحال في عهد شي جين بينغ في السنوات القليلة الماضية. وهذا يعني أنه لا يمكنك التنبؤ بالمستقبل، وسبب شعورنا جميعاً بأن الوضع ازداد خطورة".

ويبدو أنَّ عدم القدرة على التنبؤ قد امتد ليشمل رد فعل الصين الأخير على المنطاد؛ فبعد الرد الأولي بالإعراب عن أسفها لظهور المنطاد في سماء الولايات المتحدة، عادت لتتبنى موقفاً أكثر حدة يوم الاثنين 6 فبراير/شباط.

إذ عبّرت بكين عن أسفها لإسقاط المنطاد، وقالت وزارة الخارجية الصينية إن تحليق "المنطاد" فوق الولايات المتحدة كان بسبب قوة قاهرة، واتهمت الساسة ووسائل الإعلام الأمريكية باستغلال الحادث لتشويه سمعة الصين.

ووصف تقرير لصحيفة Global Times الصينية شبه الرسمية رد الفعل الأمريكي بأنه "ضجة مفتعلة"، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين صينيين قولهم إن بكين تعتبر "الاتهامات الأمريكية لا أساس لها من الصحة وغير مقبولة".

هل يعاني شي فعلاً من "تراخي" قبضته؟

بالنسبة للصين، يرى محللون أنَّ تحليق المركبة في توقيت غير مناسب ورصده المُكلِّف فوق الولايات المتحدة يشير إلى نقص التنسيق بين الجيش والهيئات الحكومية الأخرى في البلاد.

درو طومسون، زميل باحث زائر في كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية، ومسؤول دفاعي أمريكي سابق، وصف حادث المنطاد بأنه "يعكس افتقار عملية تنسيق الأمن القومي للكفاءة في منع مثل هذه الحوادث، وبالطريقة التي يحتاجونها".

وهناك نظريات أخرى حول كيفية حدوث ذلك. قد تكون البيروقراطية الشاسعة في الصين ببساطة أكبر من قدرتها على تعقب أماكن وجود جميع مناطيدها المنتشرة في جميع أنحاء العالم على ارتفاعات عالية، وتوقع متى قد تثير مواقعها ناقوس الخطر؛ إذ بعد سلسلة من التقارير في الأيام الأخيرة، اعترفت الصين يوم الإثنين، 6 فبراير/شباط، بأنَّ منطاداً صينياً آخر يطفو في مسار خاطئ حول أمريكا اللاتينية.

من جانبه، أعرب تايلور فرافيل، مدير برنامج الدراسات الأمنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والخبير في الجيش الصيني، لـ"نيويورك تايمز" عن اعتقاده بأنَّ القيادة الصينية لم تكن لتسمح برحلة المنطاد إلى الولايات المتحدة لو كانت على علم بوجهته، بالنظر إلى تسببه في تعطيل زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى بكين.

وقال فرافيل، في رسالة بريد إلكتروني: "لا يمكنني إلا التكهن بنوايا الوحدة التي أطلقت المهمة: ربما لم تكن على دراية أو غير مهتمة بأية تداعيات سياسية في حال اكتشافه، أو ربما كانت تنفذ خططاً طويلة الأمد دون أي اهتمام بجدول الأعمال الدبلوماسي".

ورجح الباحث طومسون أنَّ الجيش الصيني هو من دبر الخلاف؛ لأنه سيستفيد من التوتر المتزايد والمستمر مع الولايات المتحدة. ويُعتقَد أنَّ بعض بالونات المراقبة تعمل بقوة الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، وهو المسؤول أيضاً عن ترسانة الصواريخ النووية والتقليدية الصينية.

وأكد الجيش التايواني العام الماضي أنَّ البالونات الصينية التي رُصِدَت تطفو فوق الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تعمل بواسطة القوة الصاروخية، على الرغم من أنه قال إنَّ البالونات كانت تُستخدَم على الأرجح لمراقبة الطقس.

وقد فاجأ الجيش الصيني أجزاءً أخرى من الحكومة من قبل. ففي عام 2011، أجرى جيش التحرير الشعبي أول اختبار له لمقاتلته الشبح الجديدة من طراز "جي-20" قبل ساعات فقط من اجتماع في بكين بين وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس والزعيم الصيني في ذلك الوقت هو جينتاو.

وفُسِرَت الرحلة التجريبية بأنها محاولة لتقويض الزيارة، التي أُجرِيَت لتحسين العلاقات الدفاعية. وبدا الزعيم هو، الذي كان بالتأكيد قائداً أقل قوة مقارنةً بشي، غير مدرك للاختبار عندما تحدث عنها غيتس.

في جميع الحالات، أدى العجز عن الاطلاع على طريقة تفكير الصين، الذي تفاقم بسبب اتساع انعدام الثقة بين واشنطن وبكين، إلى زيادة الشعور بالاضطراب في العلاقة.

وقال درو طومسون، الباحث الزائر في جامعة سنغافورة الوطنية: "ما يؤكده حادث المنطاد تماماً هو الافتقار التام للشفافية في صنع القرار الصيني. وهذه ميزة وليست خطأ في نظامهم. وسيتكرر هذا مرة أخرى. إذا تسارعت الأحداث، فليس لدى الحكومة هياكل ذكية لصنع القرار، كما لا يمكنها التواصل بفاعلية خلال أزمة سريعة التطور؛ مما لا يبشر بالخير بالنسبة للجهود المبذولة الآن مع الصين".









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي