حذاء

2023-02-01

غدير أبو سنينة

وهو يحاول حلّ رباط حذائه الشتويّ القصير، فكّر بالعقد الكثيرة التي لا تتناسب مع حجمه. كان عائداً للبيت بعد حديث سلس مع رئيسه في العمل ومكالمة حميمية من صديقته وتحيّة ودّية من جاره. يضطر لعبور منتصف الصالة للوصول للأريكة وخلع الحذاء. حذاء ثقيل تمتدّ عُقَده من منتصف الأصابع حتى ما فوق الكاحل بقليل. "هذا وقت صالح للنوم"، قال بصوت عالٍ محدّثاً نفسه التي يخاصمها كثيراً. "خطوة الألف ميل نوم تبدأ بحلّ أوّل عقدة من هذا الحذاء العنيد". ليس حذاءه الوحيد، لكنّه أوّل ما يرى حين يفتح دولاب الأحذية، يغيّر مكانه في كل مرة فيعود الحذاء للصفّ الأوّل من الرفوف جاهزاً للارتداء. "يا لسهولة ارتدائه وصعوبة نزعه!".

ملعونٌ هذا الحذاء ومحظوظٌ أيضاً، حين تنفكّ عقده واحدة تلو الأخرى فيظل قابعاً في ظلمته المنزوية في دولاب لا يهم أحداً، ومع هذا فهو موجود منذ زمن سحيق، هو هو، يرتديه كلّ شتاء، يزيل غباره ويكسيه بالقليل من "البويا" المعجونة بزيت الصبّار كما كان يفعل جدّه. ولهذا، يدندن أغنية "أنا جدّي" في كل مرّة ينظّف فيها حذاءه.

حتى بداية هذه الفقرة من هذه القصّة التي ما حدثت إلّا لأن صانعي الأحذية لم يكونوا بالذكاء الكافي للاكتفاء بصنع حذاء ينغلق بسحّاب أو لاصق فقط؛ حتى هذه الكلمة، كان يتأمل عُقَد الحذاء للمرّة الخامسة ليقول بصوت مرتفع كي تتمكن نفسه التي يخاصمها على الدوام من سماع الكلمات جيداً: "كم أنا جيّد في فكّ عقد الحذاء".

وحين تسمع نفسه، التي تخاصمه دوماً، كلماتِه هذه تقرّر رفع رجليه على الأريكة وتُمدّد جسده، حريصةً على ألّا يترك الحذاء أثراً عليها. يحاول ألّا يغفو والحذاء ما زال محتضناً قدميه، يحاول النهوض، فتثنيه نفسه الخصيمة ثم يقفز حين يقرأ "أمّي" في خانة اسم المتّصل على هاتفه. يعاود الجلوس على الأريكة ويستمع لها وهو يحاول فكّ رباط حذائه، عبثاً هذه المرة.

ما الذي حدث للحذاء؟ يتساءل قبل أن يفتح الباب لجاره الذي سيدخل البيت بخفّة ويتّخذ مكاناً ليطلب منه المساهمة في دفع أعمال ترميم البناية التي يقطنانها. يتبادلان الحديث ليناقشا تفاصيل العمل ويده على حذائه في محاولة متكرّرة عقيمة لنزعه. يرافق جاره للباب وهو يغادر البيت ويعود للصالة ليرى جدّه الميّت متربّعاً على الأريكة المقابلة.

"ارحل من هذه المكان ولا تدفع شيئاً لهذا الجار السمج... حيث أعيش ندفع مرّة واحدة وأبدية. تتزيّن بيوتنا بالأزهار من وقت لآخر. أحياناً يأتينا بعض السُّكارى.. وغالباً ما.. يبولون". ينطق الجد "يبولون" ويضحك عالياً فتقول له نفسه التي صالحته أخيراً: "كفّ عن الضحك. هذه هي المرة الأولى لك في بيت حفيدك"، فتُسمَع قهقهاتها أكثر وتطغى على ضحكه رغم ما يبدو من أنها محاولات فاشلة لثنيه عن الضحك.

"ماذا حدث مع عمّك النّهِم؟ هل صحيح أنه تسمّم بصحن بازلّاء من صُنع زوجته ذات وجه الفأر؟"، يقهقه الجد وتُسمع ضحكات مكتومة لنفسه التي صالحته أخيراً: "لا تحرج حفيدك بأسئلتك، إنه على وفاق مع عمّه".

أي وفاق؟ لولا القانون لدسّت أمّه السم لزوجة عمّه ذات وجه الفأر ولعمّه أيضاً. الضحكات مستمرّة والحفيد متسمّر أمام الأريكة التي جلس عليها جده الميت وهو يبدو متربّعاً لا تظهر قدماه.

سأل: "أين قدماك يا جدي؟".

الجدّ ضاحكاً: "ألا تذكر؟ قطع الأطبّاء الكاذبون قدماً خوفاً من تفشي الغرغرينا. أمّا الثانية فقد قطعتْها..." يضحك أكثر ويشير لنفسه.

تقول نفسه وهي تضحك بصوت أعلى: "أنا.. أنا قطعتُها. كان يذهب للعوالم من دوني والآن نمكث سوياً أنا وهو وحيدين بلا عزاء". يضحكان بصوت أعلى عند كلمة "عزاء".

الجدّ مَوصول الضحك موجّها الكلام لنفسه: "أتدرين سبب اهتمامه بقدمي؟". ثم موجّهاً الكلام لحفيده: "أتدري سبب اهتمامك بقدمي؟".

تستمر النفس بالضحك رغم محاولاتها الفاشلة للتوقّف تظاهراً بالأدب.

الحفيد متجمّداً في مكانه والعرق يتصبّب من أصابع قدميه، يقول في نفسه التي يخاصمها دوماً دون أن يتمكن من نطق الكلمات: "لماذا يا جدّي؟".

الجد ضاحكاً بصوت أكثر علوّاً، محاولاً التحدّث بكلمات مفهومة، مشيراً لقدمي الحفيد: "هذا حذائي".

كاتبة ومترجمة فلسطينية أردنية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي