فرق توقيت

2023-01-11

وداد طه

ربّما يكون الزمن مجرّد وهم. الغريب أنّه يتحكّم في كلّ شيء. حياتُنا هي امتداد زمنيّ، مقدّر مسبقًا، معلوم إلّا منّا، دقيق بل متناهٍ في دقّته، لذلك لا يُمكن أن يكون موت سلمى صدفةً، ليس لأنّها ماتت مقتولة، بل لأنّ لا شيء في الزمن صدفة، وأعتقد أنّ الصدفة وَهْمٌ تمامًا كما الزمن.

اكتشف الجيران الحادثة صدفة، كان الجوّ حارًّا ذلك الصّيف، وصوت الببغاء كوكي يملأ فضاء البناية، وأبو مازن العجوز الذي يسكن في الطابق الثاني، يشعر بالحرّ الشديد، ضاق ذرعًا بكوكي "يلعن كوكي وأبو كوكي واليوم إللي جابتها فيه بنت الكلب... نسوان آخر زمن". قام من مكانه فوق الكنبة التي فُصّلت خصيصًا له، فكرشه لم تتّسع له أيّ كنبة أُخرى، غير التي فصّلها علاء النجّار، الذي يسكن في الحيّ المقابل لحيّ الست نفيسة، الحيّ الموازي لحيّهم من الخلف، والذي رآه وهو ينظر إلى مؤخّرة سلمى، وكاد يقع هو والعامل الذي كان يرفع معه الكنبة الزيتية اللون، وحين وضعها قال وهو يتحسّس صدره: "شغل فاخر يا حاج، هيدي بتجيب الأفلام ناين دي". مرّ شهران أو أكثر على مجيء الكنبة الزيتية العريضة، والتي وضعتها بِنتُه في زاوية قَصِيّة كي لا يزعجه صوتُ كوكي، لكنّ صوتها كان يطغى على صوت أغاني الأفلام الكلاسيكية التي يشاهدها كلّ يوم، وكان أبو مازن ينزعج، أو ربّما يجد في تأنيب سلمى على اقتنائها ببغاء ثرثارة، فرصة لمعرفة أخبارها، أو التلصص عليها.

في ذلك العصر اللاهب من صيف آب/ أغسطس، أطلّ الحاج أبو مازن من البلكون، رفع رأسه يريد أن يصرخ، فإذا بكوكي تطير بعيدًا، اندهش الرّجل وراح يلوح بيديه كأنما يريد إيقافها، صرخ لكن أحدًا لم يسمعه، دخل بسرعة، يتّكئ على عكّازه، وصل باب البيت بصعوبة وثقل، فتحَه ونادى: "يا سلمى يا سلمى"، لم تُجب سلمى كعادتها حين تسمعه ينادي عليها. صحيحٌ أنّها كانت تتضايق من تأفّفه ونداءاته الكثيرة وسوء طبعه، لكنّها كانت تُساعده إذا ما كانت ابنته في عملها. حين لم تُجب سلمى، عاد إلى كنبته العريضة وارتمى فوقها وهو يلهث ويطلب رقم عايدة، تخرج هذه البنت كلّ يوم أحد. لم يعد أحد قادرًا على ردعها، وهو رغم أنّه يعاملها بجفاء، ولا يظهر لها خوفه، إلّا أنّه يفهم حاجتها إلى الخروج مع أبنائها، فطليقها قد تزوج. تغار عايدة، يعرفُ أنّها تغار، تخفي غيرتها، باتت ماهرة في ذلك، بل هي تدعو طليقها وزوجته إلى الغداء، الزوجة ترفض دومًا، والرجل يحاول أن يُبقي على علاقة متوازنة مع عايدة، لذلك فهو يصرف بسخاء على الولَدين، ولا يصدّ محاولات عايدة الحثيثة الظهور بمظهر المرأة المتفهّمة والمتقبّلة لطلاقٍ جاء بعد نزوات استمرّت طيلة مدة زواجهما، وانتهى بخيانة لم يكن ينفع أيّ شيء لطمرها سوى الزواج من الأخرى.

"نادِ على الناطور، قل له أن يخبر رفقا هي وأختها حتمًا في البيت... لا لا هما في البيت، لا تقلق هاتان مثل صحن الصيني المعلّق في نمليّة ستّي الله يرحمها... نادِ الناطور قُلْ له أن يخبر سلمى، لا تضيّع الوقت، هيا اذهب ستطير كوكي ولن تعود، ولكن لمَ أنت مهتمّ؟ ألم تكن تكرهها، اتركها تطير ولتنتف سلمى شعرها ما لنا ولها؟ طيب طيب نادِ الناطور هو سيتولّى الأمر، أنا بعيدة".

"وهل سيفهم هذا البنغلادش؟"، ترنّح أبو مازن وهو يتعكّز على عصاه، الدرجات العشرون التي تفصله عن باب الجيران أقرب من غرفة الناطور، طرَق الباب بعصاه من الأسفل، قرعَها أصدر ضجّة في تلك العتمة، فجفل. فتحت الحاجة أم محمد الباب، ونظرت نحو كرشه المتكوّر تحت البيجاما المخطّطة الزرقاء، كانت شبه محنية الظهر، وحين رأته حاولت أن تستقيم، بدا ذلك صعبًا عليها، قال مستعجلًا:" أين ابنك؟ لقد طارت العصفورة، وجارتنا ليست في بيتها كما يبدو".

- "محمّد نائم. عن أيّ عصفورة تتحدث؟".

- "كوكي طارت، رأيتها تقف على بلكون آخر مقابل، ربّما يمكن أن نكلّم أصحاب المنزل فيعطوننا إيّاها، لكن لا أستطيع أن أقصدهم، قلت ربما يذهب محمّد، حرام سلمى بتتسلّى معها".

- "ابني نايم، ليش وين السنيورة بنتك؟".

- "ما عاد حدا لحدا". تأفّف أبو مازن، وهو يفتح بطرف عصاه باب البيت ويدخل، حتى التوأمان رفقا وأختها، لم تفتحتا الباب، قالت إحداهما بصوت رفيع من خلف الباب: " يلا يا حاج، إنزل، بس ترجع سلمى بتقلّا إنو كوكي عند الجيران... نهارك سعيد". هاتان العانسان لأيّ بليّة تعيشان، لم تُشاركا في فرح أو حزن، لم نرهما في مناسبة ولم تفتحا باب بيتهما لضيف طيلة السنوات التي عاشتاها في هذه البناية، منذ مات أخوهما ورثتا البيت وأحكمتا إغلاق بابه. يكاد أبو مازن ينسى شكل أيّ منهما، لربما تكون المرّة الأخيرة التي رآهما فيها منذ عزاء والدهما قبل عشرين سنة، كانتا يومها في الأربعين.

أُترَك وحيداً فوق كنبة يظنّ من فصّلها أنّه فعل معروفاً

لا ينكر أبو مازن فضوله ليعرف كيف تبدوان اليوم، لكنّ ذلك كان ليكون إضافة إلى سعيه، وليس أساسًا، فالمهمّ هو أن يرجع الببغاء. لم يبقَ أمامه إلّا أن يقصد هو الطابق السابع، حيث تُقيم سلمى، لعلّها أتت ولم يلحظْها من الباب الذي تركه مفتوحًا، الأمر مستحيل في ذلك الحرّ، تحامَل على نفسِه، ركّز عصاه فوق الدرج وصعد.

لسلمى ذوقٌ أنيق، لقد زينت الكوريدور بالورود ووضعت شجرة بامبو في الزاوية، وهناك مرآة كُتِب فوقها آية الكرسي، لاح وجهُه من خلال الأحرف المكتوبة باللون الذهبي، تريّث قليلًا، هندمَ ثيابه، وقد ذكّره ترتيب المكان بفوضى شكله، دقّ الجرس، ثمّ تذكّر أنّ الكهرباء مقطوعة، برطم على الدولة، وقرع برأس العصا نقرات خفيفة، لم يُجب أحد. عاد ونقر بقوة أكبر، انفتح الباب وأصدر صوت أزيز أخافه، تراجع بوجهه إلى الخلف، هبّت نسمة باردة، انفتح الباب أكثر، دفعه بحركة عفوية من عصاه، لم يتوقع أبومازن أن يرى ما رأى.

- "ابنتي كانت مع ولديها في جبيل، قصدتُ الطابق الثاني فوجدتُ أم محمد قالت إنّ ابنها نائم، لا أعرف إن كان في البيت أم في الخارج، هي بكامل قواها العقلية. نعم سيدي هي تسكن هنا قبل أن تشتري سلمى بيتها منذ خمس سنوات، أرملةٌ، زوجها توفّي في حرب العراق. كلّا أعني أم محمد، ابنها كان مسافرًا، لا أعرف، هي كانت تحكي لزوجتي عنه قبل وفاتها. أعني وفاة زوجتي، توفّيت زوجتي بالسرطان، مسكينة. أعتذر شردت قليلًا، أجل، لا بدّ أنّه في الخمسين اليوم، كان مسجونًا في أوروبا، لا أدري، ربما كان على علاقة بها، لكنّ رِجله مقطوعة، أتقصد أنّه انتقم منها لأنّها رفضته؟ كلّ شيء جائز؟ وما علاقة ابنتي؟ أجل هي مُطلَّقة، ولمَ قد تقيم علاقةً معه؟ قلتُ لك كان نصف مشلول، هل يمكن أن تتنافس امرأتان على رجُل بقدَمٍ واحدة، أعني حضرتك فاهم...

رِفقا العانس وأختها لم تفتحا الباب، لو رأيتهما في الشارع لمَا عرفتهما، أنا كنت ُصديقًا لوالدهما رحمه الله، لكنهما غريبتا الأطوار، وتصدر من بيتهما رائحة تشبه روائح بخور الكنائس. كيف أعرفه، تلك قصة أُخرى، كنتُ أقصد الكنيسة مع أمي، أمّي، كلّا هي مُسلمة ولكنّها كانت تقصد الكنيسة تشعل شمعةً كلّ أَحَد. لقد نذرَتْ ذلك كي تشفع لها العذراء، لم تكن تُنجب والعذاراء ساعدتها. كلّا هما مسيحيتان، ألم تر الصليب فوق باب الشقّة. هل فتحتا لك؟ ربما وجدتَ عقارب في البيت، أعتذر سيدي، نعم سأركّز، مات أخوهما منتحرًا، لم نعرف لماذا رمى بنفسه، قيل إنّه أحبّ فتاة مسلمة ورفض أهلُه تزويجه منها. أتقصد سلمى كانت تلك الفتاة؟ لستُ واثقًا ولكن معقول، كلّ شيء وارد، أجل هما توأمان، كلّا لم تتزوجا هما أيضًا، أعني أيضًا أنّ أخاهما لم يتزوّج.

سلمى سكنت قبل أن ينتحر، لا أذكُر متى سكنت، لم أكن أنتبه، كنتُ لا أزال أعمل وصحّتي متينة، انظُر إلى حالي، إيه المُهم، أجل كانت تعمل، تقول ابنتي هي ممرِّضة، لا أعني سلمى، كانت تعمل ممرِّضة، لقد ساعدت ابنتي في مشكلةٍ طرأت لأحد أبنائها، ابتلع شيئًا حادًّا، وقامت هي بإسعافه ليلتها. ابنتي أستاذة في الجامعة، نصيبها هيك، زوجها عينُه بيضا، لا أدري سيدي، لم يخطر ببالي أن يكون لسلمى علاقة بطليق ابنتي، كلّ شيء وارد. كانت امرأة جميلة، ما كان لشيء أن يكرهها، من يمكن أن يكره ذلك الجمال؟ كنتُ آنس بصوت كوكي، تتركني ابنتي وحيدًا، أجلس على كنبتي أشاهد الأفلام بالأبيض والأسود، أحيانًا أشاهد الفيلم نفسه مرتين في اليوم الواحد، أتعرف كم هو مملّ أن تترك وحيدًا فوق كنبة يظنّ من فصّلها لك أنّه فعل بك معروفًا. والحقيقة أنّه جمّد الزمن ووضعه في صندوق يعرض قصص أبطال غيرك، لو كان بإمكاني أن ألحق بكوكي للحقتها، لا بدّ أنّها هربت حين رأت القاتل، طارت إلى الحيّ الخلفيّ، رأيتها، ناديتُ الجيران فأنكروا أنهم رأوها، لكنني رأيتهم يدخلونها البيت.

أعرف صاحب البيت، اسمه علاء، هو نجّار، لقد سرق الببّغاء يا سيدي. أتعني أنه هو من فعلها؟ وهل سيقتل كي يسرق عصفورًا؟ ربّما معك حق وثمن الببغاء مُغرٍ، خاصة في هذه الأيام، قالت ابنتي مرّة لأحد أبنائها وهو يُطالب بواحد، إنّ ثمنها يزيد على ثلاثة آلاف دولار. كوكي ريشُها أحمر، ولها عنق أزرق وجناحان أخضران، ليتني استطعتُ أن ألحق بها، حين رأيتها تطير خفتُ إنْ رحلت ألّا يبقى صوتٌ في هذا الحيّ يقول أحبك، أجل كانت تردّد: 'أحبّك... انتظري لا تستعجلي... سأكلّمك لاحقًا... العشاء جاهز... نوتي بوي...'. سأكون ممتنًّا إنْ أحضرتموها، أعدُكم سأعتني بها، ماذا؟ كيف؟ لقد رأيتُها تطير نحو الحيّ الخلفيّ.

مسجّلة؟ تعني راديو؟ ولماذا تشغل سلمى مسجّلة في بيتها؟ الناطور؟ إنّه يكذب، أؤكّد لك كانت كوكي هنا، هو يدّعي ذلك لأنّه من سرقها، أجل سيدي هو وزوجته سرقا الببّغاء كوكي، مَن سيفعل ذلك سوى معدَمين جشعَين مثلهما؟ أين كانا حين قرعتُ جرس بابهما؟ ها قل لي؟ لا بدّ دخلا ليسرقاها فأفلتت وقتلا سلمى المسكينة. علاء يكذب هو الآخر، قلتُ لك إنّني رأيتُها وكلّمت أولاده. إن كنتُ أخرّف فقلْ لي لماذا أنت هنا وتسألني؟ الجيران كلّهم يكذبون، ربّما يقصدون بكلامهم أبا محمّد زوج جارتنا. كلّا لم تكن كوكي هنا قبل وفاته، لكنّني كنتُ أسمع كوكي تردّد: 'مسكين أبو كرش كبير'، فهل ترى لي بطنًا كبيرة؟ أشعر بالضجر من هذا الحوار، بصراحة لا أفهم ماذا تريد منّي، لقد مرّ وقت طويل وأنا هنا، لم أعد أرغب في الكلام، لمَ أنا في هذا المكان؟ أين أنا؟ كم الساعة؟ عصاي أين عصاي؟ أريد العودة إلى بيتي، أين كنبتي؟".

كاتبة فلسطينية مقيمة في لبنان








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي