برج الثعلب

2023-01-08

إبراهيم الزيدي

البشر ظل الأبراج على الأرض، مصائرهم مرهونة بحركتها؛ ترسم لهم حسن طالعهم، الحسن دائما! أمّا سوء الطالع فإنه يعزى للتشاؤم. يمكن قراءة ذلك في فنجان قهوة، أو خطوط الكف، أو من خلال أرقام وحسابات لا يعرفها إلاّ الراسخون في علم الفلك. ففعالياتنا مرتبطة بمساراتها. وهي لا تتوقف عند ما يمكن أن يحدث وحسب، بل هي التي ترسم لنا ملامحنا النفسية، ومن خلال حركتها نستقرئ وقائع مستقبلنا.

وهي على نوعين، الأول من اختصاص وسائل الإعلام المرئية، يتحدث فيه المنجمون عن العموميات التي تلامس حياة أيّ إنسان، والآخر من اختصاص وسائل الإعلام المقروءة، يتحدث بنيويّاً في الخصوصيات، ولأن قلمي جفّ مداده من حبر الصراخ، ولم يبق في العمر بقيّة، فقد نذرت نفسي – كأيّ عاطل عن العمل – لمراقبة هاتيك الأبراج؛ وتتبع مساراتها؛ والنظر في ماضيها؛ وحاضرها؛ ومستقبلها؛ وصار لزاماً عليّ؛ ولا بدّ، أن أعيد لها اعتبارها، حفاظاً على الأمانة الفلكية، وأملاً في اكتشاف وفتح علمي وبراءة اختراع، وقد بدأت بالثعلب؛ لأنني لم أجد برجاً كبرجه يشار إليه بالبنان، وتحترمه العامّة والأعيان، فتملكني العجب من حضوره بين الأعلام في السياسة والثقافة، وغيابه عن زاوية الأبراج في الصحافة! فقد ورد ذكره في كتاب «الأذكياء» لأبي الفرج بن الجوزي مع كنايات لم تكن لغيره من الفرسان، فهو أبو الحصين؛ وأبو النجم؛ وأبو نوفل؛ وأبو الوثاب؛ وأبو الخبص؛ ومرتبته الثانية في المكاتبة والمخاطبة، فنحن حين نخاطب الإنسان العادي، نخاطبه بلغة المفرد – أنتَ وأنتِ – وحين نخاطب المفرد المسؤول، نخاطبه بلغة الجمع (أنتم أو سيادتكم) أمّا الثعلب فإننا نخاطبه بلغة التثنية: ثعلبان. وقد أنشد الكسائي:

لقد خاب قوم أملّوك لشدة

أرادوا نزالاً أن تكون تحاربُ

أشَعبٌ يقود الثعلبان زمامه

لقد ذُلّ من قادت مناه الثعالبُ

وذكر كمال الدين محمد بن موسى الدميري في كتابه «حياة الحيوان الكبرى» أن الثعالب كانت تطير في الزمن الأول، أمّا الآن فإنها صارت تركب المرسيدس، ولم تعد بحاجة للطيران. وحين تحتاج للطيران، فكل الخطوط الجوية تحت تصرفها.

ومن فضائل الثعلب أنه لا يجتمع مع الكلاب على قرار أو وليمة، وقد سئل ذات مرة في مؤتمر صحافي: مالك تعدو أكثر من الكلب؟ فقال: لأنني أعدو لنفسي، ويعدو لغيره. لذلك ترى الغرب دلل الكلاب.

مواليد هذا البرج ليس لهم كوكب في السماء، ولا موقف في الأرض، يتعاطفون ـ حسب مصالحهم – مع جميع الأبراج والمسؤولين والمواقف، فهم يشتغلون بالقاعدة النفعية التي تقول: ما لم تحصل عليه كله، فلا بأس من الحصول على جزء منه. وينشدون قول المتنبي:

خذ ما تراه؛ ودع شيئاً سمعت به

في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل

ليس لهم عدوٌ مبين، ولا صديق مكين؛ يعشقون المناصب؛ ويصلّون على كل المذاهب، كل زمان زمانهم، وكل مكان مكانهم، تغلب عليهم السياسة والظرافة والكياسة، حظهم ممدود؛ ورزقهم في بلادنا موجود، أرقامهم المفضلة الأرنب والديك. انتهى بنصه؛ وإلى اللقاء في برج الديك.

كاتب عراقي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي