فايننشال تايمز: الفراغ الدستوري يترك لبنان ساحة للاعبين الإقليميين

2022-12-07

اقتضت الشروط المخفية على تسليم كل الميليشيات أسلحتها باستثناء تلك التي تقاتل العدو (ا ف ب)

حذرت كيم غطاس في مقال بصحيفة “فايننشال تايمز” من الفراغ الدستوري المستمر في لبنان، والذي يترك فرصة لتدخل اللاعبين الإقليميين في الشأن اللبناني.

وقالت غطاس وهي مؤلفة كتاب “المد الأسود”، إن مباراة الولايات المتحدة ضد إيران في مونديال قطر، كانت من أكثر المباريات المشحونة سياسيا في كأس العالم، وأدت لظهور عدد من النكات في لبنان. ومن النكات، واحدة تقول إن من يفوز بالمباراة يسيطر على الشرق الأوسط. وجاء في أخرى، أن المباراة في قطر هي أول مرة تواجه فيها إيران والولايات المتحدة بعضهما البعض “خارج لبنان”.

وتعلق الكاتبة أن البلدين لعبا في الحقيقة عام 1988، وفازت إيران بنتيجة 2-1، ويمكن المناقشة أنها حازت على الشرق الأوسط. وشهدت العلاقات الإيرانية في عهد محمد خاتمي تحسنا طفيفا مع الولايات المتحدة والسعودية، إلا أنه وفي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كانت طهران هي الصاعدة في المنطقة، حيث ضخت الأموال والأسلحة للجماعات الوكيلة عنها من لبنان إلى العراق واليمن، وتزود الآن روسيا بالطائرات المسيرة لاستخدامها ضد أوكرانيا.

ولا ينذر انتصار الولايات المتحدة على إيران في مباراة كرة قدم، بعودة أمريكا العظمى إلى المنطقة، ولكنه جاء في لحظة ضعف الأنظمة الاستبدادية من الصين إلى روسيا وخاصة إيران، حيث تندلع احتجاجات يومية ضد النظام. وتتزامن أيضا مع الفراغ الدستوري في لبنان، حيث تدير البلاد حكومة تصريف أعمال، وانتهى التفويض للرئيس في 31 تشرين الأول/ أكتوبر. وفشل البرلمان اللبناني في انتخاب بديل عن الرئيس عون، بعد الجولة الثامنة التي عقدت في الأسبوع الماضي.

وتعلق الكاتبة أن اللاعبين الإقليميين لديهم فرصة لفرض مرشحيهم أو تقديم تنازلات في وقت تزيد فيه الضغوط. وتحب إيران وسوريا ملء الفراغ في لبنان بشخص مرن كما فعلتا منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، وذلك لتأكيد سيطرتهما على البلد وحماية التأثير الإقليمي.

وفي الشهر الماضي، قال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله على خامنئي، إن النشاط الإيراني في لبنان وسوريا والعراق أدى لإحباط المؤامرات الأمريكية في هذه الدول. وتعهد المرشد بدعم “قوى المقاومة في المنطقة”. وفي نفس الوقت، تعهد الرئيس السوري بشار الأسد بمواصلة دعم حزب الله، الجماعة المهمينة على السياسة في لبنان، ووصفه الأسد بـ”الشريك الإستراتيجي”، مؤكدا أن استقرار لبنان مهم لاستقرار سوريا.

وكان الشخص المفضل لسوريا وإيران، هو جبران باسيل، صهر الرئيس المنتهية ولايته، ميشيل عون. إلا أن فرض الولايات المتحدة عقوبات عليه، جعله دمشق وطهران تدعمان سليمان فرنجية، وهو من عائلة سياسية معروفة ومقرب من الأسد. وكان لسوريا في لبنان مرة 30 ألف جندي، ولم يعلق الأسد على الشأن اللبناني منذ وقت، ذلك أن حكمه تعرض للخطر منذ انتفاضة عام 2011، وردّ عليها بالقوة المدمرة بدعم إيراني وروسي.

وتؤشر التصريحات النابعة من دمشق وطهران للحاجة إلى لعب دور على المدى البعيد. ففي العام المقبل، ستفرغ مفاصل الحكم بتقاعد كل من قيادة الجيش اللبناني وحاكم المصرف المركزي وقيادة الأمن العام، وبدأت المقايضات حول من سيخلفهم في المراكز.

وفي الصورة العامة، يظل لبنان أمرا مزعجا لا تلتفت إليه إدارة بايدن إلا بالكاد، نظرا لانشغالها في حرب أوكرانيا والتنافس مع الصين. فهو يعاني من فقر متزايد وسخط شعبي وانهيار مؤسساتي منذ الأزمة المالية عام 2019، والتي أدت لاحتجاجات واسعة. ورغم اتهام البنك الدولي للنخبة الحاكمة في البلد بالتسبب في “ركود مقصود”، إلا أن النخبة السياسية لا تزال راسخة بقوة.

وربما مالت إدارة بايدن للموافقة على اختيارات سوريا وإيران للمرشح الرئاسي المفضل لهما، أو تسوية سريعة على مجموعة من المناصب. لكن التسويات عادة ما ترفق بشروط لا ينتبه إليها أحد، ففي عام 1990 عندما أرادت الولايات المتحدة شن عاصفة الصحراء وإخراج العراق من الكويت، فإنها حرفت النظر على سيطرة حافظ الأسد الكاملة على لبنان، بشكل أنهى 15 عاما من الحرب الأهلية في لبنان، وإعلان جورج بوش عن نظام دولي جديد.

واقتضت الشروط المخفية على تسليم كل الميليشيات أسلحتها باستثناء تلك التي تقاتل العدو، وهو ما سمح لحزب الله بالتطور من جيش مهلهل متهم بتنظيم الهجوم على قوات المارينز في بيروت عام 1983، وقتل 241 بحارا أمريكيا، إلى قوة إقليمية مسلحة وحزب سياسي بفيتو على السلطة ومستقبل لبنان.

وتقول غطاس إن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على فرض مرشح رئاسي اليوم في لبنان، وعليها في الوقت نفسه، ألا تتنازل لمنافسيها وتقدم لهم هدية. وعادة ما يتحدث جو بايدن عن المعركة الدولية بين الديمقراطية والاستبداد، وعلى واشنطن النظر إلى لبنان ليس كصداع هامشي، بل كمساحة تنافس يمكن فيها توسيع الحريات على هامش القضايا الشائكة مثل إيران.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي